دروس في علم التفسير

 


 دروس في علم التفسير

تعريف التفسير، وهو في اللغة: مصدر فسّر.. بمعنى الإيضاح والتبيين. قال تعالى: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الفرقان: 33] أي بيانا وتفصيلا.

والفسر: البيان وكشف المغطى.

قال أبو حيان: ويطلق التفسير أيضا على التعرية للانطلاق، يقال: فسرت الفرس: عرّيته لينطلق، وهو راجع لمعنى الكشف، فكأنه كشف ظهره لهذا الذي يريده منه من الجري.

أما في الاصطلاح:

فقد عرف بعدة تعريفات، منها: تعريف أبي حيان الأندلسي في مقدمة محيطه، حيث يقول:

هو: علم يبحث عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب، وتتمات ذلك.  

وقال الزركشي: هو علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه، 

واستمداد ذلك من: علم اللغة، والنحو، والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ.  

وعرفه السيوطي بأنه: علم نزول الآيات وشؤونها، وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها. وهذا التعريف أتم في الدلالة من تعريفي أبي حيان والزركشي.  

وقيل: هو: علم يبحث فيه عن أحوال القرآن المجيد من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية.  

وقيل: هو: اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن وما يستفاد منها باختصار أو توسع. ومن عدّ التفسير علما تسامح.  

التأويل:

وقد عرفنا معنى التفسير لغة واصطلاحا، فما معنى التأويل؟

فهو في اللغة: من الإيالة وهي السياسة، فكأن المؤول يسوس الكلام ويضعه في موضعه.

وقيل: من الأول وهو الرجوع، فكأن المؤول أرجع الكلام إلى ما يحتمله من المعاني.

وأوّل الكلام وتأوّله: دبره وقدره. وأوله وتأوله: فسره.  

واما في الاصطلاح فهو عند السلف:

أ- تفسير الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أم خالفه. وعليه فيكون التأويل والتفسير مترادفين.

ب- نفس المراد بالكلام فإن كان الكلام طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب. وإن كان خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به، وبين هذا المعنى والذي قبله فرق ظاهر.  

ثانيا: عند الخلف: هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به.  

الفرق بين التفسير والتأويل

اختلف العلماء في بيان الفرق بين التفسير والتأويل:

- فقد ذهب بعضهم إلى أن التفسير والتأويل بمعنى واحد. وهؤلاء يمثلهم أبو عبيدة وطائفة معه.

- وقيل: التفسير أعم من التأويل، وأكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ، والتأويل في المعاني، كتأويل الرؤيا. والتأويل يستعمل أكثره في الكتب الإلهية. والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها.

وقيل غير ذلك.  

والراجح: أن التفسير ما كان راجعا إلى الرواية، والتأويل: ما كان راجعا إلى الدراية، وذلك: لأن التفسير معناه: الكشف والبيان، والكشف عن مراد الله تعالى لا نجزم به إلا إذا ورد بطريق مأثور.

والتأويل: ملحوظ فيه ترجيح أحد احتمالات اللفظ بالدليل، والترجيح يعتمد على الاجتهاد. 

أقسام التفسير:  

أولا: التفسير بالمأثور.. أي المنقول، ويشمل:

1- تفسير القرآن بالقرآن.

2- تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن.

3- تفسير الصحابة للقرآن.

4- تفسير التابعين للقرآن.

ولنعرّف كلّ نوع من هذه الأنواع.

1- تفسير القرآن بالقرآن:

اشتمل القرآن الكريم على الإيجاز والإطناب، وعلى الإجمال والتبيين، وعلى الإطلاق والتقييد، وعلى العموم والخصوص.

وما أوجز في موضع بسط في موضع آخر.

وما أجمل في مكان بيّن في آخر.

وما جاء مطلقا في آية قد يلحقه التقييد في أخرى.

وما كان عاما في مكان قد يدخله التخصيص في مكان آخر.

من هنا: كان على من يفسر القرآن الكريم أن يرجع إلى القرآن أولا، يبحث فيه عن تفسير ما يريد، فيقابل الآيات بعضها ببعض، ويستعين بما جاء مسهبا ليعرف به ما جاء موجزا، وبالمبين ليفهم به المجمل، ويحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص.

ولا يجوز لأحد- كائنا من كان- أن يتخطى هذا التفسير القرآني.

أمثلة لتفسير القرآن بالقرآن:

أ- حمل المجمل على المبين ليبين به:

- قال تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ} [البقرة: 27]، فسرتها آية الأعراف (23) {قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ}. 

وقال تعالى في سورة المائدة [آية: 1]: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ} ... فسرتها [آية: 3] من السورة نفسها: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} ... الآية.

ب- حمل المطلق على المقيد:

- وقد مثلوا لذلك بآية الوضوء والتيمم، فإن الأيدي مقيدة في الوضوء بالغاية، في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ} [المائدة: 6] ومطلقة في التيمم في قوله تعالى- في الآية نفسها: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} ... 

فقيدت في التيمم بالمرافق أيضا. 

ومنه في كفارة الظهار {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ... [المجادلة: 3] .

وفي كفارة القتل {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} فيحمل المطلق في الأولى على المقيد في الثانية.

ت- حمل العام على الخاص:

- ومنه: نفي الخلة والشفاعة على جهة العموم، في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ} ... [البقرة: 254] .

فقد استثنى الله المتقين من نفي الخلة في قوله: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] .

واستثنى ما أذن فيه من الشفاعة بقوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى} [النجم: 26].

- وقال تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} [النساء: 23]، خصص بمثل قوله: {وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].

ث- ومن تفسير القرآن بالقرآن:

الجمع بين ما يتوهم أنه مختلف لخلق آدم من تراب، في بعض الآيات، ومن طين في غيرها، ومن حمأ مسنون في ثالثة، ومن صلصال.... فإن هذا ذكر للأطوار التي مر بها آدم، من مبدأ خلقه إلى نفخ الروح فيه.

ج- التفصيل بعد الإجمال:

كقوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً} ... الآيات، فقد فصلت بقوله سبحانه: {فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أصحاب الميمنة وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أصحاب المشئمة} وَأَصْحابُ الشِّمالِ.... وهناك غير ذلك كثير.

2- تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن:

قال عز من قائل: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ}.

قال ابن عباس في قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ}. تبيين حلاله وحرامه.

وقد ثبت أن جبريل كان ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان فيتدارسان القرآن، وعند ما نزل عليه قوله سبحانه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ}. قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك.

وقال ربنا سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].

وعن المقدام بن معديكرب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إنني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكىء على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد. إلا أن يستغني عنها صاحبها.... الحديث» .

وروى ابن المبارك عن الصحابي الجليل عمران بن حصين أنه قال لرجل: إنك رجل أحمق، أتجد الظهر في كتاب الله أربعا، لا يجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجده في كتاب الله مفسرا؟ إن كتاب الله أبهم هذا، وإن السنة تفسر هذا..

وعلى ذلك: فإذا لم نجد تفسير ما نريد من الآيات في القرآن فعلينا أن نلجأ إلى السنة ففيها: - أ- بيان المجمل وتفصيله:

مثل: - بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لمواقيت الصلاة، وعددها، وعدد ركعاتها، وكيفيتها.

- بيانه صلى الله عليه وسلم لمقادير الزكاة، وأوقاتها، وأنواعها، وبيان مناسك الحج.

إذ قال عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وقال «خذوا عني مناسككم».

ب- توضيح المشكل:

من ذلك تفسيره صلى الله عليه وسلم للخيط الأبيض، والخيط الأسود، في قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ... فقد فسره صلى الله عليه وسلم بأنه: بياض النهار، وسواد الليل.

ومنه: تفسيره صلى الله عليه وسلم للقوة الواردة في قوله سبحانه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ.. } فقد روى مسلم وغيره عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول- وهو على المنبر: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة» ألا وإن القوة الرمي، ألا وإن القوة الرمي، ألا وإن القوة الرمي».

ت- تخصيص العام:

- ومن تخصيصه صلى الله عليه وسلم الظلم في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ....} الآية حين فهم بعض الصحابة بأن المراد بالظلم العموم، فقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فخصصه صلى الله عليه وسلم بقوله: «ليس بذلك، إنما هو الشرك» - ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.

ـ ومنه تخصيصه صلى الله عليه وسلم المورّث بغير الأنبياء، بقوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة». 

وفي حديث آخر «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذه بحظّ وافر ... » .

ث- تقييد المطلق:

- كما في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ...} إذ قيدت باليمين. 

وقد جيء إليه صلى الله عليه وسلم بسارق فأمر بقطع يمينه.

- وكما في حديث «سعد» في الوصية- مما جاء في الصحيحين وغيرهما- عن سعد بن أبي وقاص، قال: «مرضت عام الفتح مرضا أشفيت منه على الموت، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني، فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا، وليس يرثني إلا ابنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ... الحديث» .

ج- تأكيد ما جاء في القرآن:

مثال ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» فهو موافق لقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ...} الاية.

ح- بيان معنى لفظ أو متعلقه:

مثال ذلك تفسير {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضَّالِّينَ}.

فقد أخرج أحمد والترمذي- وحسنه- وابن حبان في صحيحه عن عدي بن حاتم قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالين هم النصارى» .

خ- بيان أحكام زائدة على ما جاء في القرآن:

فقد أورد القرآن- مثلا- المحرمات في قوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ...} 

وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ...} الآيات. 

فأثبتت الأحاديث زيادة على ذلك مثلا:

الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها.

والاحاديث الواردة في تفسير القران منها ما هو قصار وطوال، فالقصار ما تقدم، وأما الطوال فقد وَرَدَ فيها مِنَ الْمَرْفُوعِ فِي التَّفْسِيرِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ طِوَال:

أَحَدُهَا: الْحَدِيثُ فِي قِصَّةِ مُوسَى مع الخضر، وفيه تفسير آيات الْكَهْفِ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وغيره.

والثاني: حَدِيثُ الْفُتُونِ، طَوِيلٌ جِدًّا يَتَضَمَّنُ شَرْحَ قِصَّةِ مُوسَى، وَتَفْسِيرَ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ نَبَّهَ الْحُفَّاظُ مِنْهُمُ الْمِزِّيُّ، وَابْنُ كَثِيرٍ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ قَلِيلٌ، صَرَّحَ بِعَزْوِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَلَقَّاهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ.

الثَّالِثُ: حَدِيثُ الصُّورِ، وَهُوَ أَطْوَلُ مِنْ حَدِيثِ الْفُتُونِ يَتَضَمَّنُ شَرْحَ حَالِ الْقِيَامَةِ وَتَفْسِيرَ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ سُوَرٍ شَتَّى فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، وَأَبُو يَعْلَى، وَمَدَارُهُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ قَاضِي الْمَدِينَةِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بِسَبَبِهِ، وَفِي بَعْضِ سِيَاقِهِ نَكَارَةٌ وَقِيلَ: إنه جمعه من طرق أو أماكن مُتَفَرِّقَةٍ، وَسَاقَهُ سِيَاقًا وَاحِدًا.  

وهناك أنواع أخرى من تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن.

يقول الطبري: «إن مما أنزل الله في القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك تأويل جميع ما فيه، من وجوه أمره ونهيه، وندبه وإرشاده.... إلخ».

وقال أبو حيان: - في معرض حديثه عما يحتاج إليه المفسر:

الوجه الرابع: تعيين مبهم، وتبيين مجمل، وسبب نزول، ونسخ، ويؤخذ ذلك من النقل الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك من علم الحديث.

القدر الذي فسره الرسول من القرآن:

وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ تَيْمِيَةَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ لِأَصْحَابِهِ تَفْسِيرَ جَمِيعِ الْقُرْآنِ أَوْ غَالِبِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ ماجة عن عمر أنه قَالَ: مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ آيَةُ الرِّبَا، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ قَبْلَ أَنْ يُفَسِّرَهَا دَلَّ فَحْوَى الْكَلَامِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُفَسِّرُ لَهُمْ كُلَّ مَا نَزَلَ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُفَسِّرْ هَذِهِ الْآيَةَ لِسُرْعَةِ مَوْتِهِ بَعْدَ نُزُولِهَا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ بِهَا وَجْهٌ.

وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ يُفَسِّرُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا آيًا بَعْدَ عِلْمِهِ إِيَّاهُنَّ مِنْ جِبْرِيلَ، فَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَوَّلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهَا إِشَارَاتٌ إِلَى آيَاتٍ مُشْكِلَاتٍ أُشْكِلْنَ عَلَيْهِ فَسَأَلَ اللَّه عِلْمَهُنَّ فأنزله إِلَيْهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ.  

قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية: ومعنى هذا الحديث: في مغيبات القرآن، وتفسير مجمله، ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله تعالى، ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به كوقت قيام الساعة ونحوه، ومنها ما يستقرأ من ألفاظه كعدد النفخات في الصور، وكرتبة خلق السماوات والأرض.

ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله فيتسور عليه برأيه، دون نظر فيما قال العلماء، أو اقتضته قوانين العلوم كالنحو، والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه. وكان جلة من السلف كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وغيرهما، يعظمون تفسير القرآن، ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم، مع إدراكهم، وتقدمهم، وكان جلة من السلف كثير عددهم يفسرونه وهم أبقوا على المسلمين في ذلك رضي الله عنهم.

وقد اختلف العلماء في القدر الذي فسره الرسول صلى الله عليه وسلم من القران، فقال بعضهم: فسره كله، وقال بعضهم: فسر بعضه. 

الرأي الأول: فمن الذين قالوا: كله، ابن تيمية فيقول- ومن ذهب مذهبه -: إن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لأصحابه كل معاني القرآن الكريم، كما بين لهم ألفاظه، فلم يترك فيه جزءا يحتاج إلى بيان إلا بينه وفسره، كما سبق.

وقد استدلوا على ذلك بما يأتي:

 1- قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فالبيان في الآية يتناول بيان معاني القرآن كله، وبيان معاني ألفاظه.

2- ما روي عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وابن مسعود- وغيرهما رضي الله عنهم، أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا.

وذكر الإمام مالك في الموطأ: أن ابن عمر أقام على حفظ سورة البقرة ثمان سنوات.

٣- أن العادة تمنع قوما أن يقرؤوا كتابا ولا يستفسروه، فكيف بالقرآن كتاب الله الذي به نجاتهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة.

4- ما أخرجه الإمام أحمد- في مسنده - وابن ماجة، عن عمر من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسر آية الربا..

قالوا: فحوى ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفسر كل ما نزل من القرآن، ولم يفسر هذه الآية.

وقد ردّ عليه بما يلي:

1- إنه لا دليل في آية سورة النحل على أن الرسول فسر القرآن كله، وإنما البيان والتبيين لا يكون إلا لما أشكل فهمه.

ثم إن الآية نفسها تبين أن المطلوب من المسلمين أن يتفكروا في آيات القرآن..

2- ولا دليل في ما رواه أبو عبد الرحمن السلمي- أيضا- لأنهم لم يحددوا الزمن الذي كانوا يحفظون فيه العشر آيات.. ثم إنهم كانوا يعلمون كثيرا منه مما لا يحتاج إلى بيان، فهم أهل اللسان الأول، والبيان والفصاحة.

3- استدلالهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي قبل تفسير آية الربا، لا يدل على ما أرادوا، وإنما هو دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين لهم كل معاني القرآن.

ثم إن ابن تيمية نفسه يقول في أحسن طرق التفسير:

الأول: إن أصح الطرق تفسير القرآن بالقرآن.

الثاني: فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة.

الثالث: إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى الناس بذلك، لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها.

الرابع: إذا لم نجد في القرآن ولا في السنة ولا عند الصحابة ما نريد، رجعنا إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر..... إلخ.

معنى ذلك أن الرسول لم يفسر القرآن الكريم كله.

الرأي الثاني: وهو للسيوطي وغيره، الذين ذهبوا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين لأصحابه معاني القرآن كله، وإنما بين القليل النادر، واستدلوا على ذلك ب:

1- حديث روي عن السيدة عائشة- رواه البزار: عن عائشة قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر شيئا من القرآن إلا آيا بعدد، علمه إياهن جبريل.

٢- بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لكل معاني القرآن متعذر.

3- لو فسر الرسول القرآن كله، ما دعا لابن عباس قائلا: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل».

الرد عليهم:

1- أما الحديث الذي استدلوا به فهو حديث منكر غريب لأنه من رواية محمد بن جعفر الزبيري، وهو مطعون فيه.

2- وأما الدليل الثاني فلا بد أيضا على ندرة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في التفسير، إذ إن دعوة إمكان التفسير بالنسبة لآيات قلائل، وتعذره للكل غير مسلمة.

3- لو سلمنا أن الدليل الثالث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفسر كل معاني القرآن، فلا نسلم أنه يدل على أنه فسر النادر منه كما هو المدعى.

التوفيق بين الرأيين:

روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال:

التفسير على أربعة أوجه:

- وجه تعرفه العرب من كلامها.

- وتفسير لا يعذر أحد بجهالته.

- وتفسير يعلمه العلماء.

- وتفسير لا يعلمه إلا الله.  

ولم يفسر الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسر لهم ما تتبادر الأفهام إلى معرفته، وهو الذي لا يعذر أحد بجهله لأنه لا يخفى على أحد، ولم يفسر لهم ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة ...

وإنما فسر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعض المغيبات التي أخفاها الله عنهم ... 

وفسر لهم أيضا كثيرا مما يندرج تحت القسم الثالث، وهو ما يعلمه العلماء، ويرجع إلى اجتهادهم، كبيان المجمل، وتخصيص العام، وتوضيح المشكل، وما إلى ذلك مما خفي معناه، والتبس به المراد.  

3- تفسير الصحابة للقرآن:

إذا لم نجد في القرآن ولا في السنة والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رجعنا في ذلك إلى ما صح وثبت عن الصحابة.

ذلك: أنهم أدرى منا بالقرآن، فقد بين لهم الرسول معانيه، وأزال مشكله، وشرح مجمله. وهم أعلم بتفسيره منا، لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي أحاطت بنزول القرآن الكريم، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، والعمل الصالح، والقلب المستضيء، والعقل الذكي، ولا سيما كبراءهم وعلماءهم كالخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبيّ، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وأمثالهم.

فقد جاء عن عبد الله بن مسعود قال: «من كان منكم متأسيا فليتأسّ بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلّها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم» .

وقال الإمام الشافعي عنهم: «هم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع، وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا».

أدوات الاجتهاد في التفسير عند الصحابة:

أ- معرفة أوضاع اللغة العربية وأسرارها، فإن ذلك يعين على فهم الآيات التي لا يتوقف فهمها على غير لغة العرب.

«فقد ورد أن عمر بن الخطاب قال: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا وما ديواننا؟ قال: شعر العرب، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم» .

ب- معرفة عادات العرب في أقوالها، وأفعالها ... في عصر التنزيل.

فذلك مما يعين على فهم القرآن، ويبعد من الوقوع في الشّبه.

فمن عرف منهم أن خزاعة عبدت «الشعرى» ولم يعبد العرب كوكبا سواها، عرف سر تخصيصها بالذكر، في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى}.

ت- معرفة أسباب النزول، وما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات، فإنها قرائن تعين على الفهم.

يقول الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها، وبيان سبب نزولها.  

وفي جواب ابن عباس لعمر بن الخطاب ما يبين أهمية معرفة سبب النزول:

إذ سأله عمر بن الخطاب عن سر اختلاف الأمة، فقال له: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا.  

ث- معرفة أحوال اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقت نزول القرآن، إذ تعين على فهم الآيات التي تتحدث عنهم، أو ترد عليهم.

ح- قوة الفهم وسعة الإدراك.

وبدهي أنهم قد تفاوتوا في ذلك، وقد كان ابن عباس صاحب النصيب الأوفر في ذلك، بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم.

أشهر مفسري القرآن من الصحابة:

اشتهر من الصحابة بتفسير القرآن الكريم: الخلفاء الأربعة - عبد الله بن مسعود- أبي بن كعب- زيد بن ثابت- الزبير بن العوام- عبد الله بن عباس.

علي بن أبي طالب:

ومعظم ما روي من التفسير عن الخلفاء الراشدين هو عن عليّ كرّم الله وجهه، وذلك لبعده عن مهام الخلافة إلى نهاية خلافة عثمان.

ثم إنه نشأ في بيت النبوة، وترعرع في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهل من علمه، ثم زوّجه صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة الزهراء.

وقد دخل على تفسيره الشيء الكثير مما لم يقل به، ولم يعلمه، إنما نسبه إليه غلاة الشيعة. فإذا ما ثبت عنه قول صحيح النسبة إليه- كما يقول سعيد بن جبير. ( ... لم نعدل إلى غيره) وقد قال عليّ عن نفسه وهو يخطب: سلوني، فو الله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به، وسلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت، أم بنهار أم في سهل أم في جبل.  

وقال - فيما رواه ابن سعد-: «والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلام نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا ناطقا».

وقال أبو عبد الرحمن السلمي: «ما رأيت ابن أنثى أقرأ لكتاب الله من علي».

عبد الله بن مسعود:

كان من أعلم الناس بالتفسير- يقول عن نفسه: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته.  

وقد زكّاه عليّ- كرم الله وجهه- وشهد له بسعة علمه، وعلو كعبه في ذلك، فقد قالوا لعلي: أخبرنا عن ابن مسعود، قال: «علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علما».

روى البخاري عن مسروق قال: ذكر عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن عمرو- يعني: ابن العاص، فقال: لا أزال أحبه بعد ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب».

أبيّ بن كعب:

أحد المشهورين بحفظ القرآن، العالمين بقراءته، وأحد كتاب الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم.

قال فيه عمر بن الخطاب: «أبيّ أقرؤنا». رواه البخاري.

قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله أمرني أن أقرأ عليك {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا....}

قال: وسماني؟ قال «نعم» فبكى.

وفي رواية أخرى: قال صلى الله عليه وسلم: إني أمرت أن أعرض عليك القرآن، فقال أبيّ: بالله آمنت، وعلى يدك أسلمت، ومنك تعلمت، قال: فرد النبي صلى الله عليه وسلم القول، فقال: يا رسول الله: وذكرت هناك؟ قال: نعم، باسمك ونسبك في الملأ الأعلى، قال: فأقرأ إذن يا رسول الله.

وفرح أبيّ فرحة غامرة، صرح بها حين سئل: وفرحت بذلك؟ فأجابه: وما يمنعني وهو يقول:

{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.

وقال صلى الله عليه وسلم: «استقرئوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب».  

يقول عبد الله بن عباس: «كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحدا إلا سرّ بإتياني، لقربي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أسأل أبي بن كعب يوما عما نزل من القرآن بالمدينة فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة، وسائرها بمكة».  

زيد بن ثابت:

كان من كتاب الوحي، ذا بصيرة نافذة، وعقل واع، وبديهة حاضرة، ولذلك أمره صلى الله عليه وسلم أن يتعلم السريانية والعبرانية حتى لا يزيدوا في رسائله صلى الله عليه وسلم.

قال زيد: فتعلمت السريانية في خمسة عشر يوما- والعبرانية في خمسة عشر يوما.  

هو: أعلم الناس بالفرائض- قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أفرض أمتي زيد بن ثابت».  

وقال سليمان بن يسار: «ما كان عمر ولا عثمان يقدمان على زيد بن ثابت أحدا في القضاء، والفتوى، والفرائض، والقراءة».  

عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن:

وهو أكثر الصحابة تفسيرا للقرآن، سماه ابن مسعود: ترجمان القرآن، وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.

تردد ابن عباس كثيرا على بيت النبوة، إذ فيه خالته «ميمونة» زوج الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانت تؤنسه وتلاطفه، وكان صلى الله عليه وسلم ينظر إليه نظرة إعجاب، وتوسم فيه الخير الكثير، ودعا له بقوله: اللهم آته الحكمة.

ودعا له صلى الله عليه وسلم قائلا: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.

ورآه جبريل عند الرسول صلى الله عليه وسلم فأوصاه به، وقال: إنه كائن حبر هذه الأمة فاستوص به خيرا، وقد نهل من مأدبة الرسول العلمية والخلقية، فهو الذي قال له صلى الله عليه وسلم: يا غلام: «إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف».  

ولما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم واصل ابن عباس رحلة العلم، فتتلمذ على كبار الصحابة، فكان كثيرا ما يجلس على باب أحدهم وهو قائل- أي وقت القيلولة- فيتوسد رداءه، وتسفي عليه الريح التراب، حتى يخرج الصحابي فيراه فيقول له: يا ابن عم رسول الله: ما جاء بك؟ ألا أرسلت إليّ فآتيك؟ فيجيب حبر الأمة: لا، أنا أحق أن آتيك، ثم يسأله عما يحتاج إليه من العلم.

وفي خلافة عمر بن الخطاب ظهر نبوغه الشديد، فكان عمر يدنيه من مجلسه، ويعده للمعضلات، وإذا أشكلت عليه قضية دعاه، فقال له: أنت لها ولأمثالها، ثم يأخذ بقوله، ولا يدعو لذلك أحدا.  

وأحب عمر فيه- مع علمه- جرأته رغم حداثة سنه. قال عمر يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيمن ترون نزلت هذه الآية؟ {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ...} الآية؟ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم.

وهنا برزت جرأة ابن عباس فقال بكل أدب وتوقير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: في نفسي منها شيء. فقال عمر: يا ابن أخي قل، ولا تحقر نفسك.

قال: ضربت مثلا لعمل، فقال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: رجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله.  

قال عطاء: ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس: أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده.

وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب، وتأويل، وما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ولا بقضاء أبي بكر، وعمر، وعثمان منه، ولا أفقه في رأي، ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه. 

ولقد كان يجلس يوما ولا يذكر فيه إلا الفقه، ويوما التأويل، ويوما المغازي، ويوما الشعر، ويوما أيام العرب، ولا رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلا قط مسألة إلا وجد عنده علما.

وقيل لطاوس: لزمت هذا الغلام- يعني ابن عباس- وتركت الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم!! قال: إني رأيت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تدارؤوا في أمر صاروا إلى قول ابن عباس.

قيمة تفسيره:

يقول علي كرم الله وجهه عن تفسيره: «كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق».

وقال ابن عمر: ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد.

وقال تلميذه مجاهد عنه: إنه إذا فسر الشيء رأيت عليه النور.

قيمة التفسير المأثور عن الصحابة:

قال العلماء:

- إن التفسير المأثور عن الصحابة له حكم المرفوع إذا كان مما يرجع إلى أسباب النزول، وما ليس للصحابي فيه رأي.

- أما ما يكون للرأي فيه مجال فهو موقوف عليه، ما دام لم يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ـ وما حكم عليه بأنه من قبيل المرفوع لا يجوز رده اتفاقا، بل يأخذه المفسر ولا يعدل عنه إلى غيره بأية حال.

- وما حكم عليه بالوقف اختلف العلماء فيه:

- قال بعضهم: لا يجب الأخذ به لأن الصحابي مجتهد، والمجتهد قد يخطىء وقد يصيب.

- وقال بعضهم: يجب الأخذ به لظن سماعهم من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأنهم حتى مع تفسيرهم القرآن برأيهم، فهم أصوب لدرايتهم بكتاب الله، إذ هم أهل اللسان، ولبركة صحبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، والتخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، ولا سيما علماؤهم الكبار كابن مسعود وابن عباس.

قال ابن كثير: « وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى الناس بذلك، لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، والعمل الصالح ... »

وقال الزركشي: «اعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد.

والأول: إما أن يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة، أو رؤوس التابعين، فالأول يبحث فيه عن صحة السند. 

والثاني ينظر في تفسير الصحابي، فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك في اعتماده، أو مما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شك فيه».

مدارس التفسير:

1- مدرسة مكة: قامت مدرسة التفسير في مكة على يدي عبد الله بن عباس، فهو مؤسسها وأستاذها. فكان يجلس لأصحابه من التابعين يفسر لهم كتاب الله تعالى، ويوضح لهم ما خفي من معانيه، وقد كانت هذه المدرسة أهم المدارس نظرا ل:

- مركز مكة الروحي لدى المسلمين جميعا.

- لأن أستاذها ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن.

يقول ابن تيمية: أعلم الناس بالتفسير أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وطاوس، وسعيد بن جبير، وأمثالهم.

وتتميز هذه المدرسة بنهج المنهج اللغوي في تفسير القرآن، ولا عجب فأستاذها ابن عباس وهو من هو في حفظ الشعر العربي، ومسائل نافع بن الأزرق، وأجوبة ابن عباس عليها، تدل على مدى تبحره في ذلك..

2- مدرسة المدينة قامت هذه المدرسة على يدي أبي بن كعب رضي الله عنه، ولأن المدينة كانت دار الإسلام، وقطب رحاه، في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، وكانت مقر الخلافة الراشدة- كانت لها مكانتها عند المسلمين، ولا زالت، ومن هنا كانت مركزا علميا مهما- ومن أشهر من تتلمذ على يدي أبيّ في هذه المدرسة: زيد بن أسلم، أبو العالية، محمد بن كعب القرظي ...

٣ـ مدرسة العراق، وقد قامت هذه المدرسة على يدي الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، فهو أستاذها الأول، ذلك أن عمر بن الخطاب لما ولّي عمار بن ياسر على الكوفة، سيّر معه عبد الله بن مسعود معلما، ووزيرا.

ويمتاز أهل العراق بأنهم أهل الرأي، وهذه ظاهرة نجدها بكثرة في مسائل الخلاف. 

وأشهر رجال هذه المدرسة: علقمة بن قيس، مسروق، الأسود بن يزيد، مرة الهمداني، عامر الشعبي، الحسن البصري، قتادة.

وهؤلاء الذين تخرجوا في تلك المدارس هم مفسرو التابعين للقرآن الكريم.

 قال أبو الفضل السلمي أبو عبد الله شرف الدين المرسي  : جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم بها ثم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلا ما استأثر الله به سبحانه وتعالى ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى ثم ورث عنهم التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ماحمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه فنوعوا علومه وقامت كل طائفة بفن من فنونه.

قال ابن عطية: فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويتلوه عبد الله بن العباس رضي الله عنهما، وهو تجرد للأمر وكمله وتتبعه، وتبعه العلماء عليه، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما، والمحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وقال ابن عباس: «ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب» .

وكان علي بن أبي طالب يثني على تفسير ابن عباس ويحث على الأخذ عنه.

وكان عبد الله بن مسعود يقول: «نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس» ، وهو الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم فقهه في الدين» وحسبك بهذه الدعوة.

وقال عنه علي بن أبي طالب: «ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق» ، ويتلوه عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكل ما أخذ عن الصحابة فحسن متقدم.

ومن المبرزين في التابعين الحسن بن أبي الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعلقمة.

قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهم، ووقوف عند كل آية، ويتلوهم عكرمة، والضحاك بن مزاحم، وإن كان لم يلق ابن عباس، وإنما أخذ عن ابن جبير.

وأما السدي رحمه الله فكان عامر الشعبي يطعن عليه، وعلى أبي صالح، لأنه كان يراهما مقصرين في النظر.

ثم حمل تفسير كتاب الله تعالى عدول كل خلف، وألف الناس فيه كعبد الرزاق، والمفضل، وعلي بن أبي طلحة، والبخاري، وغيرهم.

ثم إن محمد بن جرير الطبري رحمه الله جمع على الناس أشتات التفسير، وقرب البعيد، وشفى في الإسناد.

ومن المبرزين في المتأخرين أبو إسحاق الزجاج، وأبو علي الفارسي، فإن كلامهما منخول، وأما أبو بكر النقاش، وأبو جعفر النحاس، فكثيرا ما استدرك الناس عليهما، وعلى سننهما مكي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبو العباس المهدوي رحمه الله متقن التأليف، وكلهم مجتهد مأجور رحمهم الله، ونضر وجوههم.  

والنقاش هو: أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد الموصلي المعروف بالنقاش المقرئ المفسر، له: «شفاء الصدور» في التفسير، كان إمام أهل العراق في القراءات والتفسير، قرأ القرآن على هارون بن موسى الأخفش، وابن أبي مهران، وجماعة وقرأ عليه خلائق، وروى الحديث عن أبي مسلم الكجّي، ومطين، والحسن بن سفيان، وآخرين، وروى عنه الدارقطني، وابن شاهين، وأبو علي بن شاذان، وجماعة.

ضعفه جماعة قال البرقاني: كل حديث النقاش منكر، وقال الخطيب: في حديثه مناكير بأسانيد مشهورة، وقال الذهبي: ليس بثقة على جلالته ونبله «3» . 

والمهدي: هو أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي التميمي مقرىء أندلسي أصله من المهدية بالقيروان، وكان مقدما في القراءات والعربية، ومات في حدود سنة ثلاثين وأربعمائة «1» 

له: «التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل»

والمهدوي: نسبة إلى المهدية، بينها وبين القيروان مرحلتان بناها أحمد بن إسماعيل المهدي على ساحل البحر «2» .

وحكي: هو مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار أبو محمد القيسي، كان من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية. 

له: «الهداية إلى بلوغ النهاية».  

من أهم كتب التفسير بالمأثور:

1- جامع البيان في تفسير القرآن. وهو تفسير ابن جرير أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، وتوفي سنة عشر وثلاثمائة، وكان حافظا لكتاب الله، ومحيطا بالآيات ناسخها ومنسوخها، وبطرق الرواية صحيحها وسقيمها، وبأحوال الصحابة، ولذلك كان تفسيره من أجل التفاسير بالمأثور وأصحها وأجمعها. 

قال السيوطي: فِإِنْ قُلْتَ: فَأَيُّ التَّفَاسِيرِ تُرْشِدُ إِلَيْهِ وَتَأْمُرُ النَّاظِرَ أَنْ يُعَوِّلَ عَلَيْهِ! قُلْتُ تَفْسِيرُ الْإِمَامِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ الَّذِي أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الْمُعْتَبَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُؤَلَّفْ فِي التَّفْسِيرِ مِثْلُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ: كِتَابُ ابْنِ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ لَمْ يُصَنِّفْ أَحَدٌ مِثْلَه.  


2- بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي.

3- معالم التنزيل للبغوي.

4- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الغرناطي.

5- تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير الدمشقي.

6- الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي.

٧ـ أضواء البيان في تفسير القران بالقرن للشنقيطي.

ثانيا: التفسير بالرأي، والمراد بالرأي: الاجتهاد، فالتفسير بالرأي: هو تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسر لكلام العرب، ومفاهيمهم في القول، ومعرفته للألفاظ، ووجوه دلالتها، واستعانته في ذلك بالشعر الجاهلي، ووقوفه على أسباب النزول، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن، وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسر.

وقد اختلف العلماء في جواز التفسير بالرأي اختلافا كبيرا لا داعي للخوض فيه، فعليك بمقدمة البحر المحيط، واللباب في علوم الكتاب، وبحر العلوم، فقد فصل فيه القول، وفي مذاهب أهل العلم في حكم التفسير بالرأي.

من أشهر كتب التفسير بالرأي

1- مفاتيح الغيب للإمام الفخر الرازي.

2- أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي.

3- مدارك التنزيل وحقائق التأويل للتقي.

4- لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن.

 5- البحر المحيط لأبي حيان..

ويمكن تقسيم هذه المدارس أو تلخيصها إلى التفسير بالرواية والدراية:

فالتفسير بالرواية: هو التفسير بالمأثور، وهو ما جاء في القرآن، أو السنة، أو كلام الصحابة بيانا لمراد الله تعالى من كتابه.

والتفسير بالدراية: هو التفسير بالرأي والاجتهاد، ويكون جائزا وموفقا ومحمودا إذا استند إلى أربعة أمور:

أ- النقل عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ب- الأخذ بقول الصحابي.

ج- الأخذ بمطلق اللغة.

د- الأخذ بما يقتضيه الكلام، ويدل عليه قانون الشرع.

ومن المتأخرين من يلزم الجمع بينهما، كالإمام الشوكاني رحمه الله في تفسيره، وهذا واضح في مقدمة تفسيره، حيث قسّم المفسرين الذين سبقوه في التأليف إلى فريقين:

فريق اقتصروا على الرواية، وفريق اعتمدوا على مقتضيات اللغة، وما تفيده العلوم الآلية، ولم يرفعوا للرواية رأسا البتة... وقال: لا بد من الجمع بين الأمرين، وعدم الاقتصار على أحد الفريقين.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه

إرسال تعليق

أحدث أقدم