توجيه عدم رواية الامام البخاري عن الشافعي وأبي حنيفة


لماذا لم يرو الإمام البخاري عن الإمامين: الشافعي وأبي حنيفة ؟

مجمل الكلام في الجواب عن هذا السؤال ياتي كالاتي:

أولا :

لم يرو الإمام البخاري مباشرة عن كل من الإمامين أبي حنيفة والشافعي رحمهم الله جميعا لسبب واضح لا اختلاف عليه ، وهو أن البخاري لم يدرك أيا منهما:

فقد ولد البخاري سنة (194هـ)، أي بعد وفاة الإمام أبي حنيفة بأربع وأربعين سنة ، فقد توفي أبو حنيفة رحمه الله سنة (150هـ).

ولم يدرك البخاريُّ الشافعيَّ أيضا ، أو بعبارة أدق كان صغيرا جدا ، فقد توفي الشافعي سنة (204هـ) وعمر البخاري عشر سنوات فقط ، فمن المؤكد أنه لم يحدث عنه .

إذن فأبو حنيفة والشافعي أعلى طبقة من الإمام البخاري ، لذلك لا يمكن الحديث عن سبب آخر في ضوء هذه الحقائق التاريخية التي يمكن التثبت منها في كتب التراجم .

ثانيا :

لم يخرج البخاري شيئا من أحاديث أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله ، أي أنه لم يحدث بحديث ورد من طريقهما عن بعض تلاميذهما ، وذلك لسببين :

السبب الأول :

أن البخاري رحمه الله كان يتشدد في الأسانيد كثيرا ، فكان يرى اشتغال الإمام أبي حنيفة في الفقه أكثر منه في الحديث ، الأمر الذي نزل به عن مرتبة الحفظ والإتقان المطلوبة في " الجامع الصحيح " الذي رسم البخاري خطته للتصنيف ، لذلك لما ترجم لأبي حنيفة رحمه الله في " التاريخ الكبير " (8/81) قال فيه : " سكتوا عنه ، وعن رأيه ، وعن حديثه " انتهى ، وهي من كلمات البخاري البالغة في الأدب مع الأئمة الكبار ، حيث يدل القارئ على ضعف حديث الراوي بقوله : سكتوا عنه . أو : سكتوا عن حديثه .

السبب الثاني :

أما الإمام الشافعي رحمه الله فسبب عدم إخراج البخاري أي حديث من طريقه ليس هو عدم قناعته بحفظ الشافعي وثقته ، فقد ترجم له في " التاريخ الكبير " (1/42) ولم يقدح في حفظه بأي مطعن . وإنما لأن البخاري كان يبحث عن الشيوخ الأكبر سنا والأعلى طبقة من الشافعي ، كي يعلو إسناده ويقترب من النبي صلى الله عليه وسلم بأقل عدد ممكن من الرواة ، فكان إذا أراد أن يحدث من طريق الشافعي سيضطر للأخذ عن أحد تلاميذ الشافعي ، عن الشافعي نفسه رحمه الله ، في حين أنه تيسر للبخاري أن يأخذ عمن هم في طبقة الشافعي نفسه مباشرة ، فقد أدرك بعضهم ، وسمع ممن رووا عن شيوخ الشافعي مباشرة ، فلا حاجة للنزول في الإسناد ما دام العلو متيسرا .

يقول الخطيب البغدادي رحمه الله :

" الذي نقول في ترك [ البخاري ] الاحتجاج بحديث الشافعي ، إنما تَرَكه لا لمعنى يوجب ضعفه ، لكن غِنى عنه بما هو أعلى منه ، وذلك أن أقدم شيوخ الشافعي الثقات الذين روى عنهم : مالك بن أنس ، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي ، وداود بن عبد الرحمن العطار ، وسفيان بن عيينة .

والبخاري لم يدرك الشافعي ، وروى عن من كان أكبر منه سنا ، وأقدم منه سماعا ، مثل : مكي بن إبراهيم البلخي ، وعبيد الله بن موسى العبسي ، وأبي عاصم الشيباني ، ومحمد بن عبد الله الأنصاري ، وخلق يطول ذكرهم .

وهؤلاء الذين سميتهم رووا عن بعض التابعين .

وحدثه أيضا عن شيوخ الشافعي جماعة ، كعبد الله بن مسلمة القعنبي ، وعبد الله بن يوسف التنيسي ، وإسماعيل بن أبي أويس ، وعبد العزيز الأويسي ، ويحيى بن قزعة ، وأبي نعيم الفضل بن دكين ، وخالد بن مخلد ، وأحمد بن يونس ، وقتيبة بن سعيد - وهؤلاء كلهم رووا عن مالك ، ومنهم من روى عن الدراوردي - وكسعيد بن أبي مريم المصري ، وأبي غسان النهدي ، وعبد الله بن الزبير الحميدي ، وعلي بن المديني - وهؤلاء رووا عن سفيان بن عيينة ، وفيهم من يحدث عن داود بن عبد الرحمن العطار -.

وغير من ذكرت أيضا ممن أدرك شيوخ الشافعي قد كتب عنه البخاري .

فلم ير أن يروي عنه حديثا ، عن رجل ، عن الشافعي ، عن مالك ، وقد حدثه به غير واحد عن مالك كما رواه الشافعي ، مع كون الذي حدثه به أكبر من الشافعي سنا ، وأقدم سماعا " .

انتهى من " الاحتجاج بالشافعي " (ص38-39) .

الكلام على الامام الاعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه...

لقد ذكر البخاري أئمة المذاهب الاربعة بالاسم باستثناء أبي حنيفة، فقد ذكر اسم الشافعي صراحة وذكر اسم أحمد بن حنبل ومالك، ولكنه عندما يتعرض إلى أبي حنيفة فانه يكنّي عنه بهذه العبارة: «وقال بعض الناس» أو «قول بعض الناس».

وقد ورد هذا التعبير 27 مرّة، أربع عشر منها في كتاب الحيل وحده.

ويؤكد الشارحون أن هذه العبارة هي كناية عن أبي حنيفة وبعض تلامذته كالشيباني وأبي يوسف.

والجدير ذكره في هذا الموضوع أن البخاري قد شدَّد بصورة أخرى على أبي حنيفة في كتاب الهبة، فانه بعد عبارته: «وقال بعض الناس، يصرّح أن ما يقوله «بعض الناس» يعدّ مخالفة لسنّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(1) .

وفي الكتاب الذي ذكر في أسماء الكتب تحت عنوان «الضعفاء والمتروكين» للبخاري يورد ابن عبدالبر لعن أبا حنيفة(2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ

(1) وهذا نصّه: وقال بعض الناس: إن وهب هبة ألف درهم أو أكثر، حتى مكث عنده سنين واحتال في ذلك ثم رجع الواهب فيهما، فلا زكاة على واحد منهما، فخالف الرسول(صلى الله عليه وسلم) في الهبة واسقط الزكاة.

صحيح البخاري كتاب الحيل، وانظر في ذلك «الامام البخاري وفقه أهل العراق»: 197 ـ 199.

(2) قال ابن عبدالبر في كتاب «الانتقاء في فضائل الثلاثة الائمة الفقهاء»: فممن طعن عليه وجرحه: أبو عبدالله محمد بن اسماعيل البخاري فقال: في كتابه «الضعفاء والمتروكين»: أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي.. وقال نعيم بن حماد: كنت عند سفيان فجاء نعي أبي حنيفة فقال: لعنه الله كان يهدم الاسلام عروةً عروةً، وما ولد في الاسلام مولودا أشرّ منه، هذا ما ذكره البخاري.

راجع: «الانتقاء في فضائل الائمة الثلاثة الفقهاء»: 149،و

ليست العبارة موجودة في كتاب «الضعفاء والمتروكين» المطبوع اليوم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم