رفع الملام
عن إمامة مفتي كرو عبد الله بن الإمام
بقلم د. محمد القاسم
١٩ يناير ٢٠١٤
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى اله وصحبه ومن اوفى.
أما بعد: فالعلماء هم ورثة الأنبياء لان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم فمن اخذه أخذ بحظ وافر.
وللعلماء حق علينا في التعريف بهم، ونشر مؤلفاتهم ومآثرهم، وفِي الأثر المشهور: يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين... وزيغ الزائرين..الحديث.
وقوله: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
ومن هؤلاء الذين حملوا راية الدين، ونفوا عنه تحريف الغالين ودافعوا عنه فاستحقوا الإمامة فيه، بصدق نيتهم، ورفع هممهم، الشيخ العلامة ذو الفهم السيال واللوذعي الهمام، محمد عبد الله بن الامام رحمه الله تعالى، فهو أحد الاعلام، المشتهرين بالعلم والفتوى والتأليف، وفِي هذه الالمامة اللطيفة نشير الى نبذ من مآثر هذا الشيخ ابن الامام، ونتف من فوائده القيمة ومكانته المرموقة، ووقفة مع مؤلفاته ومناقشاته وردوده على علماء عصره وأقرانه أمثال الشيخ الشنقيطي صاحب الأضواء، وذلك في عنصرين اثنين:
الأول: في مكانته العلمية.
والثاني: في ردوده الفكرية على أقرانه، والله تعالى يكلؤنا ويحفظنا واليه المستعان.
ومنذ فترة وأنا أفكر في الكتابة عن مساهماته العلمية، وعن بعض مواقفه الفكرية وفوائده وجولاته العلمية.
والحديث عن العلماء ومآثرهم يضيق المقام عن كثير منها، وما لا يدرك كله لا يترك جله، ولكن لما لهذا الشيخ من مآثر حسنة، وعلم وفضل وشمائل وشيم فاضلة، وفوائد قيمة، تاكدت لنا الرغبة في تقييد شيء من آرائه ومناقشاته الفكرية، والتي اتسمت بالقوة والشجاعة، والميل نحو الاجتهاد والترجيح ونبذ التقليد والجمود...
وسأحاول ما أمكن لي ذلك بإيجاز غير مخل، واختصار غير مطنب، فأقول: وبالله اعتمد واستعين.
العنصر الأول: في ترجمته ومكانته العلمية.
فهو محمد عبد الله بن سيدي محمد بن محمد الأمين بن الإمام بن عبد الجليل بن المعزوز الجكني.
ولد رحمه الله تعالى سنة 1347هـ قرب "واحة الدندان" في منطقة " الوادي الأبيض " من أعمال مقاطعة " تججگة.
ولد الشيخ رحمه الله وترعرع في أسرة عريقة علما وأديبا وصيتا، وصلاحا ومآثر حسانا، وكانت مظاهر الفتوة والصلاح وعلامة النبوغ بادية عليه منذ نعومة أظافره.
كيف ذلك وأمه عالمة مدرسة لها الفية في علم السير، وأخواله علماء صلحاء.
وقد نشأ يتيما في بيت جده لأمه العلامة سيدي ولد حين ذلك الداعية المجاهد والفقيه الزاهد، وقد أخذ القرآن على يد أمه مريم بنت حين وأخيها الأكبر محمد سالم ولد حين،
ولما ناهز البلوغ تاقت نفسه إلى طلب العلم ففارق أهله وذهب إلى محضرة أهل محمود ولد احبيب في " تگانت "
ومنها إلى محضرة أهل الطالب ولد اعل في منطقة " أفلة "، وهما محضرتان مشهورتان بالتخصص في القرآن الكريم والمقرأ وهناك حصل على الإجازة في قراءة نافع .
ثم رحل بعد ذلك إلى الشيخ العلامة (احمُد بن مودْ) فدرس عليه مختصر خليل ولما توفي سنة 1372هـ واصل دراسته على تلميذه العلامة الجليل الشيخ محمد يحيى بن الشيخ الحسين الجكني.
ثم انتقل إلى مدرسة العلامة الأجل أبّاه بن محمد الأمين اللمتوني في منطقة " باركيول" وقد ألفى الشيخ ضالته في شيخه هذا فهو من أعلم أهل عصره وأكثرهم موسوعية وإتقانا للعلوم، وسرعان ما لاحظ الشيخ أباه ذكاء تلميذه الجديد الشيخ محمد عبد الله لما درس عليه دروسا في الفقه فنصحه بقراءة العلوم العقلية والاهتمام بها لما رأى فيه من أهلية لذلك - كما يقول الشيخ رحمه الله مكتوب له- فدرس عليه الأصول والمنطق والبلاغة والنحو والصرف ومصطلح الحديث وغيرها.
ثم درس علم الكلام والعقائد على العلامة المعقولي البارع الشيخ سيدي محمد بن أجْمَيْلِّي الجكني وانتفع به فقرأ عليه "وسيلة السعادة " للإمام المختار بن بونا ونظم " منهج الهداة" للعمة محمذن بن الأمين بن اخيار الحيبلاوي الذي استدرك فيه على صاحب الوسيلة ما فاته من مباحث الكلام.
وقد كان الشيخ رحمه الله معجبا بهذا النظم المفيد وبتبحر مؤلفه في الفن، وسبب دراسته على الشيخ ابن جميلي أنه جاء على حيه في العطلة الأسبوعية، فحضر بعض دروسه ولاحظ براعته في التوحيد والعقليات فقرر الانتقال للدراسة عليه وكان يعد ذلك توفيقا.
كما لقي عدة علماء واستفاد منهم من غير تتلمذ مباشر عليهم، منهم:
٢-العلامة المفسر المتبحر محمد الحسن بن الإمام " الملقب بيدر."
٣-أحمد بن سيدي أحمد باب بن أبَّ.
٤- العلامة الزاهد الحاج بن فحف. رحمهم الله.
فقد تنقل الشيخ كما تقدم إذا في طلب العلم بين عدد من مشاهير علماء بلاده، فدرس كل مؤلفات المحاظر المعروفة والمشهورة من عقيدة، وفقه، ونحو، وصرف، وبيان، ومنطق، كما نال كثيرا من علومه بالمطالعة والترحال لطلب العلم.
وقد أجازه الشيخ بداه البوصيري ـ رحمه الله ـ في القراءات العشر , وفي الحديث، كما أجازه أئمة من المشرق، خلال رحلته للحج ، لبيت الله الحرام، وقد وصفه غير واحد من العلماء بالعلم والمعرفة، وسداد المنهج ، وبلوغه درجة العلماء الكبار الاقلاء رحمه الله.
وقد تخرج على كثير من شيوخ هذا البلد، كالعلامة لمرابط اباه اللمتوني وأحمد بن مود الجكني، وغيرهم من العلماء الكبار.
وقد تصدر للتدريس والفتوى وهو ابن خمس وعشرين سنة حسبما قرئ بخطه ، فعاد إلى مسقط رأسه في شمال تگانت وأنشأ محضرته التي ظلت إشعاعا علميا، اشتغل فيها بالتدريس والفتوى والقضاء.
وقد ثبت به المقام في مدينة "كرو"بعد العودة من رحلته للحج سنة 1982م فكان إمام الجامع الكبير بمدينة "كرو" وكان صاحب مدرستها الكبيرة جدا، والتي تخرج منها الكثير من طلبة العلم , ولا يسع المقام هنا لذكرهم، وقد قام بها أبناؤه من بعده الذين تخرجوا على يديه وقد شهد لهم بالعلم , كالشيخ محمد الامين ـ رحمه الله ـ والشيخ محمد يحي بن الامام حفظه الله، وهو بارع في علوم المعقول والمنقول ، توفى عبد الله بن الامام رحمه الله تعالى سنة 1413هـ، 9/26/.
وكان الشيخ محمد عبد الله رحمه الله على جانب كبير من الورع والاستقامة ومن ورعه انه لم يقبل قط أن يعمل في الدولة لزهده، ومن ديانته أنه كان لا يخاف في الله لومة لائم، فرغم ما كان عليه من حسن الخلق وطيب الشمائل إلا أن له سطوة وصولة يعرفها منه جلساؤه إذا انتهكت محارم الله، فسرعان ما يغضب لله وتتغير ملامح وجهه، فلا يتمالك حتى يغيّر المنكر وله في هذا المجال حكايات عجيبة .
وقد لوحظت في الشيخ ابن الامام مخايل الذكاء وجودة الفهم فكان مقصودا لتخريج النوازل وحل المعضلات، وزاده في ذلك براعته في علم الأصول والعلوم العقلية، وقوة شخصيته العلمية.
فكان يناقش أكابر العلماء المتقدمين ويستنبط من نصوص الكتاب والسنة ما لم يسبق إليه، فهو ممن صدق عليهم قوله صلى الله عليه وسلم: "أتدري من أعلم الناس؟ أبصرهم بالحق إذا اختلفوا".
وقد وصفه بعض شيوخه بأنه مجتهد ترجيح.
وقال العلامة محمد الحسن بن أحمد الخَديم اليعقوبي حفظه الله في التنويه بموقفه من مسألة زكاه التجارة والعملات:
بذاك قد صرح مفتي الزمن *** عبد الإله بن الإمام الجكني
وهو فقيه فاق في الإحكام*** وناظر في علل الأحكام
طب إذا يسبر منها النبضا*** وليس جامدا جمودا محضا.
و يقول فيه الشاعر محمد الأمين بن ختار في أرجوزة يمدحه فيها هو وصنوه العلامة محمد يحيى بن الشيخ الحسين رحمهم الله:
إن تگانت بها الحبر العلم *** محمد يحيى هو البحر الخضم
فكل فن إن أردتَ عَبْره *** له دراية به وعِبره
وابن الأمام في العلوم النازلة. *** من مثله؟ فأمَّه بالنازلة
يكفيكها بنظر سديد. *** مؤيد بفهمه الحديد
يخرجها من غامض المعاني *** إذا أبت عن قرنها المُعاني
يحزها في المفصٍل الأصيل *** من اصلها والفرع والدليل
فتنثني خافضة الجَناح *** لمن يرومها بلا جُناح.
ويقول فيه القاضي مَحمد بن ودادي الكنتي من مقطوعة له :
فهو إمام العارفين بعصره *** وسيدهم في النائبات بلا ند
وأوسعهم باعا وأذكاهم حجا *** إذا عنَّ بحثٌ عن عويصٍ معقد
عبد الله بن الامام ومنهجه الفكري
اشتهر الشيخ عبد الله بن الامام بالذب عن العقيدة، والتمسك بمنهج السلف الصالح، كما اشتهر الشيخ برده على أهل البدعة ، وخرافات متصوفة العصر، وتباعدهم عن المنهج الصحيح ، كما يعتقد الشيخ اعتقاد السلف الصالح في قضايا العقائد الإسلامية، ويبتعد منهجه الفكري عن تعاطي مباحث علم الكلام في قضايا العقيدة وإثباتها.
وكان الشيخ يكره الخوض والبحث في آيات القرآن وأحاديثها المتشابهة التي لم يحبب عند العلماء الخوض فيها ولا التعرض للجدل في قضاياها.
يقول عن نفسه : [إنه يتمسك بالكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، ويؤمن بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، التي وردت في القرآن الكريم، وفي صحيح السنة النبوية المطهرة، كالاستواء والنزول واليد وغيرها ، ويمر ذلك كما جاء من غير تشبيه ولا تكييف، ولا تأويل، كما فعل السلف الصالح .
ــ ثالثا: مؤلفاته :
وقد ألف الشيخ محمد عبد الله بن الامام الجكني مؤلفات عديدة ورسائل كثيرة، وفتاوى ونوازل ، تربو مؤلفاته او تناهز الثلاثين، منها كبار الحجم يبلغ ألف بيت ، ومنها رسائل ، وفتاوى ، وردود، ومناقشات... الخ.
فمن مؤلفاته في العقيدة:
درر الفوائد في علم العقائد.
مذهب السلف الصالح في المتشابه.
نظم في متشابه الاسماء والصفات، وهي رسالته فيما أظن في الأسماء والصفات.
رسالة في الرد على أهل الطريقة القادرية.
رسالة في الكلام على أحاديث لا عدوى ولا طيرة.
شرح على وسيلة السعادة في العقيدة لابن بونا.
تدريب العقول على موافقة المنقول للمعقول في علم الكلام.
شرح على السلم في المنطق.
ونظم مقدمة ابن جزي في علوم القرآن.
نظم في غريب لغة القران.
نظم في القراءات السبع جعله توشيحا على منظومة ابن بري.
وكتاب حلية المسامع بمكنونات الدرر اللوامع ، في القراءات.
طرد الدخيل عن حروف التنزيل في الكلام على الهمزة المسهلة.
إيضاح الامتياز بين الحقيقة والمجاز.
الواضح في البلاغة.
الأجوبة المدنية في بعض المسائل والنوازل المستجدة.
رسالة في موضوع " صلاة أهل الأحوال".
أجوبة على أسئلة وفتاوى للشيخ محمد الأمين بن الطالب.
نظم مفتاح الوصول في بناء الفروع على الأصول للشريف التلمساني، وعليه شروح وتحقيقات.
رفع الخلاف بين الخصمين موقف المقلد من المجتهد وموقف المجتهد من الأدلة الشرعية. إلى غير ذلك من مؤلفاته في مختلف الفنون،وهي كثيرة جدا لا يسع المقام لذكرها.
وقد ألف عبد الله بن الامام الجكني رسالة في نقاش على مسائل أثارها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في إثبات المجاز في القرآن الكريم، وكان القصد من تأليفها هو الرد على الشيخ الامين في تأليفه الذي سماه "منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والاعجاز .
كذلك ألف رسالة في مذهب السلف في المتشابه، كما ألف أيضا بعض الأنظام والأراجيز ليرد بها على الشيخ الأمين في بعض المسائل وخصوصا في القضايا العقدية، في مباحث الاسماء والصفات.
وللشيخ محمد عبد الله بن الامام الجكني مكانة علمية مرموقة في القطر الموريتاني، كما أنه من الوجوه العلمية النادرة، فقد اشتهر عنه شدة الذكاء، وتبحره في فن الأصول، والمنطق والبيان، والفقه، والنوازل والفتاوى.
وقد عرف بين العلماء بالاستقامة وسداد الفكر وشدة الفطنة في العلم، وغير ذلك.
وقد تميزت مواقفه من الإشكالات العلمية التي شغلت الساحة في عصره بالاعتدال والقصد فرغم أنه من أهل الترجيح والتبصر إلا انه لم يكن يخرج عن المذهب إلا في مسائل معدودة، ويرى أن التبصر والاجتهاد مرتبة يجب ألا يسعى إليها إلا من فيه الأهلية كما قال:
من لم يكن مجتهدا فليستند *** في قفوه النص لقول مجتهد
ليقفوَ النص عل بصيرة *** وحجة ظاهرة منيرة
وذلك تصويب لقول سيدي عبدُ الله في المراقي:
من لم يكن مجتهدا فالعمل *** منه بالنص مما يحظل
ويقول في أبيات أخرى ملخصا موقفه من مسألة " الأسماء والصفات" التي أولع بعض أهل عصره بالخوض فيها حتى جرهم ذلك إلى ما حذّر منه السلف من فتنة التشبيه واتباع المتشابه:
الخوض في مشتبهات الذكر *** مما يجر لفساد الفكر
آمن به على مراد الحق *** من غير تشبيه له بالخلق
وأنه على معان دلاّ *** لاقت بمولانا علا وجلا
وإن تؤوله بمعنى تقبله *** ألفاظه والعقل ليس يحظله
فلك أسوة من الاخيار *** التابعين سنة المختار
فالطعن كل الطعن في من اتبع *** مشتبه الذكر وبئس ما ابتدع
مشتبه الكتاب إن تقف السلف *** فاتله كما عنهم سلف
وفي الحديث أرو ولا بنت شفة *** تَنْطقْ بها عنهم تلك الصفة
فارح اللسان والدفاترا *** من الجدال فيه والمزابرا .
ومثل هذا ينطبق على موقفه من التصوف فقد كان يرى أنه جزء أساسي من تراث الإسلام وأن أئمة التصوف الصادقين على هدى من ربهم، وأن ما عندهم من علوم وأذواق مقبول ومرضي، ومع ذلك فكان يشدد النكير على أدعياء التصوف الذين غيروا مساره وحولوه إلى مخرقة وجهل وخرافة.
وقد كتب رسائل في بعض المواضيع المتعلقة بالتصوف وتميزت سجالاته في الموضوع بكمال الأدب والموعظة الحسنة إلى درجة نادرة في أهل عصره.
وله رحمه الله تعالى فوائد وفتاوى، وتحقيقات نفسية، وقد قال عنه بعضُ من ترجمه: " إنه قلما يخلو شيء من تآليفه النثرية من فائدة زائدة واستنباط أو توجيه لم يسبق إليه " نظير ما قيل عن الإمام تقي الدين السبكي.
فمن تلك الفتاوي ما يلي:
١ـ فتواه في حكم الشريط هل هو كالمصحف في الحكم أم لا؟
فقد سئل رحمه الله عن حكم الشريط والوسائط التي يسجل فيها القرآن هل له حكم المصحف من حيث الحرمة، ومنع مسه لغير المتطهر، على مذهب الجمهور، فأجاب بان له حرمة وتعظيما لكنه لا يحرم مسه ولا تجري عليه أحكام المصحف، لأنه في حكم القارئ الذي يقرأ القرآن، ونظم في ذلك أبياتا لمزيد من بيان المسألة، حيث قال:
هذا وليس ذا الشريط مصحفا = إذ ليس يحوي أحْرُفا وصُحفا
وإنما له لدى الآلاتِ = صوت يحاكي ماضي الأصوات
فصوته مرتبط بالآلة = كسائر الأعراض ذي السيالة
فهو كالقاري فطورا يقرأ = وتارة له السكوت يطرأ
وليس من يقرأ للقرآن = بمصحف يا طالب البيان
٢ـ تصويبه وترجيحه لزكاة العروض والعملات التجارية.
ويذكر إن جوابه هذا في غاية التحقيق، والدقة، حيث وافق علماء عصره من دون علم بذلك، وهو الذي استقر عليه رأي المحققين من علماء العصر كالشيخ محمد الأمين الشنقيطي في الأضواء، والرحلة، حيث أفتى بذلك، وكالشيخ محمد صالح العثيمين النجدي، والشيخ القرضاوي المصري. وغيرهم.
ويذكر أن الشيخ وان كان بدويا في اصله فقد وافق في فتواه الأحوال المدنية، وأفتى فيها وقد وافقت فتواه القضايا المستجدة، والمآلات العصرية،
وقد ذكر بعض المترجمين له، أن بعض المهندسين ذكر أن بعض فتاويه وافقت عنده بعض المخترعات العلمية المعاصرة مما يدل على تنبه الشيخ، وصحة ذوقه وفهمه لقضايا مستجدات العصر، وقيل عن بعضهم: "إن جوابه علميٌّ قبل أن يكون فقهيا".
هذه المسألة الفقهية اعني فتواه في زكاة العروض التي عالجها وكان موقفه منها موفقا فقهيا واستدلاليا أصوليا، وقد رجع في تعليله للحكم على المسالة من شتى أنواع الأدلة.
وهي مسألة أشكلت على كثير من أهل بلده في عصره حيث اغتروا برواية ابن القاسم عن مالك التي تشترط في زكاة العروض أن ينض للتاجر شيء من الذهب أو الفضة خلال الحول فإن لم ينض له شيء فلا زكاة عليه، وعليها مشى خليل في مختصره فجعلوا ذلك الحكم عاما حتى في عصرنا هذا الذي فقدت فيه العين قيمتها النقدية وحلت محلها العملات العصرية فقالوا بإسقاط زكاة التجارة.
وقد كتب الشيخ رسالة في هذه المسألة وبين أن الصواب زكاة العروض وأموال التجارة مطلقا عملا برواية مطرف وابن الماجشون عن مالك فهي أولى وأرجح من حيث الدليل، ومن حيث إنها آخر مذهبي الإمام مالك لأن مطرفا لم يأت إلى مالك إلا بعد خروج ابن القاسم من المدينة إلى مصر فكان قول مالك الأخير ناسخا لقوله الأول، وأما من من حيث الدليل فإن عموم الأدلة الواردة في الزكاة وفي زكاة العروض يقتضي ذلك،
وبين الشيخ رحمه الله أن علة زكاة العين والعروض عند مالك النماء، وليست النقدية، كما توهمه بعضهم، ولذلك أسقط مالك زكاة الحلي، ولو كانت العلة النقدية لزم أن يقدح في ذلك بقادح النقض، وهو تخلف الحكم عن الوصف في هذه الصورة، وهو قادح اتفاقا، فالصواب أن علة الزكاة النماء فهي علة ظاهرة يقتضها مسلك الاطراد والانعكاس.
وقد نظم حاصل كلامه العلامة الشيخ محمد الحسن بن أحمد الخديم:
والنجم لا زكاة في الحلي المباح *** لديه إذ وصف النما عنه مزاح
فلو تكون العلة النقدية *** عنه الزكاة لم تكن منفية
إذ انتفاء الحكم مع وجود *** الوصف للقدح من المعهود
بذاك قد صرح مفتي الزمن *** عبد الإله بن الإمام الجكني
وهو فقيه فاق في الإحكام *** وناظر في علل الأحكام ....
ويعني الشيخ الخديم المجدد المعاصر اطال الله بقاءه بقوله: (النجم) هو المترجم المذكور ابن الامام.
وهذه الفتوى التي قررها عبد الله بن الامام هي أيضا ما أشار نحوها ابن عبد البر في الاستذكار وكلام ابن العربي وغيرهم من محققي المالكية في تضعيف رواية ابن القاسم باشتراط النضوض، حتى إن ابن حبيب جزم بشذوذها، فكان ذلك موافقا لما توصل له الشيخ في فتواه بمحض نظره وتحقيقه.
فهذه جملة من فتاويه وكلام أهل العلم حولها، وهي أنواع ومتعددة، ونشير الان الى بعض أجوبته على استشكالات من سبقه من علماء المالكية بقرون.
١ـ أجوبته على استشكالات من سبقه:
ومن ذلك كلامه رحمه الله تعالى وجوابه في موضوع " هل الصيغة ركن الماهية أم دليلها ؟ فقد مشى الشيخ خليل وغيره على اعتبار الصيغة ركنا من أركان الماهية مثل صيغة النكاح والبيع وغيرها، وهو الجاري على ألسنة أهل المذاهب الأخرى وقد اعترض على ذلك بعضهم كما في قول الناظم:
والركن جزء الذات والشرط خرج = وصيغة دليلها في المنهج.
وقول الآخر:
وصيغة دليلها فالعد = لها من الأركان فيه بعد
وقد بين الشيخ محمد عبد الله هذه المسألة بيانا شافيا فكان يجيب على هذا الاستشكال، إذ يقول: (إن الصيغة المتكلم عليها في الفقه والأصول هي الصيغة الإنشائية، وهذه لا شك فيه أنها ركن من أركان الماهية، لأنها التي تقتضي وجود البيع مثلا وتنشؤه فهي من هنا ركن وجزء لا يتجزأ من الماهية، ومن زعم خلاف ذلك فقد سرى وهمه إلى الصيغة الخبرية، فهي التي يمكن اعتبارها دليلا للماهية خارجا عن حقيقتها.
وهذا التقرير في غاية الوضوح والتحقيق عند من له ممارسة في الفن.
٢ـ بيانه لخلط القرافي وابن دقيق العيد وجوابه عن الاستشكال حول قاعدة: (هل العام في الأفراد مطلق في الأحول والأزمنة) الخ.
فمن المسائل الأصولية المعقدة التي أشكلت على كثير من العلماء منهم ابن دقيق العيد والقرافي وهي: قاعدة: "هل العام في الأفراد مطلق في الأحول والأزمنة"
وقد طرح القرافي سؤالا معروفا في المسألة وهو انه يلزم من القول بها إبطال العموم وترك العمل ببعض العمومات، لأنه عمل بها في الماضي على قاعدة الاكتفاء بصورة واحدة في المطلق،
وأجاب عنه ابن دقيق العيد جوابا معروفا، لكن لم يلامس الإشكال،
وقد تكلم الشيخ ابن الامام في جوابه حول هذه المسألة كلاما بديعا فقال: إن هناك وهم سببه الخلط بين الأفراد والأحوال فالتبس محل العموم الاستغراقي بالإطلاق البدلي وذلك أن قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" هذه الآية مثلا فيها عموم وإطلاق، فالعموم من حيث استغراقها لكل سارق وسارقة فهي شاملة لكل فرد من الأفراد المذكورين، فهذا محل العموم،
وأما الإطلاق فهو أزمنة وأمكنة السارق وأحواله فحيثما كان ومتى سرق وعلي أي وصف وجد فهو مشمول للآية، وهذا من قبيل المطلق لأن هذه الأوصاف والأمكنة والأزمنة لا يوجد الفرد في الخارج متلبسا إلا بواحدة منها فقط، فكانت من قبيل المطلق. فبان بذلك أن سؤال القرافي غير وارد لأنه خلط بين محل العموم ومحل الإطلاق وكذلك جواب ابن دقيق العيد لأنه مبني على تسليمه، وهذا أيضا في غاية التحقيق والتحرير كما لا يخفى على المتخصصين.
٣ـ بيانه لاستشكال عقدي معقد.
وقد طرح على الشيخ ابن الامام من طرف الشيخ الطالب اخيار بن مامين وهو من خلص تلامذته عن كلام للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله - وكان الشيخ معجبا به – في كتابه " السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي" استشكل فيه قول من قال في الآية الكريمة ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) إنها من قبيل ما يسميه المناطقة " القضايا المهملة" التي هي في قوة الشخصية ولا عموم لها لأنها ليست بكلية، فأجابه الشيخ على البديهة بأنها:
" قضية هذه الآية كلية وليست مهملة، لأن تعريف الجزأين يفيد الحصر فقوله " هو الأول يقتضي بدلالة الحصر أنه لا أول غيره سبحانه ، فهي قضية كلية عامة." هذا جواب الشيخ وقد كتبه على هامش نسخة من الكتاب المذكور .
٤ـ وفي الثمانيات وخلال الحرب أو الأزمة بين السينغال وموريتانيا سئل الشيخ عن موقفه منها ومن مضايقة بعض أبرياء السينغاليين الأبرياء الذين كانوا في موريتانيا، فأجاب رحمه الله بأنهم مسلمون معصومو الدماء والأموال، وأن من اعتدى عليهم بحجة ما جرى في السينغال من الاعتداء على الموريتانيين فهو ظالم، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى.
قال الشيخ رحمه الله في جوابه في المسألة: " وقد زعم بعض من ضحكت عليه نفسه فأوهمته أنه أهل للفتوى والتصدر أن هؤلاء السينغاليون محاربون وأن أموالهم مباحة، وهذا جهل فظيع، فإن عقوبة الحرابة قد قررتها الآية الكريمة: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله)
فاقتضى مفهوم الحصر أنه لا عقوبة لهم غير ذلك." فكان هذا جوابا مسكتا.
إلى غير هذا من تحريرات الشيخ وفوائده التي يضيق المقام عن تتبعها .
آثاره الأدبية:
للشيخ رحمه الله وأبنائه معرفة وسجية بالشعر، ولهم ذوق أدبي رفيع فله قصائد طوال وقصار، ولابنه محمد الأمين مثل ذلك في العلم والأدب وسيدي محمد مثله أيضا، والشيخ محمد عبد الله رحمه الله شاعر بالطبع وإن لم يستكثر من الشعر فله مقطوعات جيدة، منها قوله في الاستسقاء:
سقى الإله بجـودٍ مــــــــــــــنه مدار *** مـن الخلـيج إلى آكـــــــــــــام أدرار
غـيثًا مـريئًا يُريـنـا القحط مـنهـزمــــا *** لا يلـتـوي عـنقًا مـن بعـد إدبـار
فتصـبح الأرض بعـد الجـدب رابـــــــــيةً *** تهتزفـي حـللٍ مـن نـبت الازهــــار
وللضّفـادع فـي أرجـائهـــــــــــــا نغم *** تسبح الله في أوقات الأسحار
وللخمائل رنات مرجعة *** للطير تحسبها رنات أوتار.
ومنها في تقريظ كتابه: " طرد الدخيل عن علوم التنزيل"
قصْدُ النصـيحةِ للقـرآن أدّانـــــــــــــي *** لجـمعه مـن قَصِيِّ الـدار والـدّانـــــــــي
مـا فـيـه إلا أقـاويلٌ مهــــــــــــذبةٌ *** صحـيحة النّقـل عـن فرسـان ذا الشــــــان
نزَّهْتُه عـن أقــــــــــــــــاويلٍ مزخرفةٍ *** وعـن أقـاويلِ هـيَّانِ بنِ بـــــــــــــيَّان
لـم يـخشَ مـن غارة شَعْوا تُشَنُّ عــلى *** أيـدي السُّمَيـدع مـن فرسـان مـيـــــــدان
حـرز الأمـانـي له حـرزٌ يصـون كـمــــــا *** يأوي إلى «النّشْرِ» و«التيسير» لـ «لـدانـي»
توفي الشيخ محمد عبد الله رحمه الله يوم 27 رمضان 1413هـ الموافق 26- 9-1993م.
العنصر الثاني: ردوده ومناقشاته للشنقيطي.
فابن الامام قد ناقش محمد الامين الشنقيطي، رحمهما الله تعالى نقاشين:
احداهما: رده ونقاشه للشنقيطي في رسالته الاسماء والصفات.
أقول : أتمنى أن أكون قد وفقت لجمع بعض المسائل العلمية حول مناقشات الشنقيطيين وهي كثيرة لكني ذكرت ما وقفت عليه منها.
فمن هذه المسائل والردود والمناقشات التي دارت بينهما، فبعضها في الانظام وقد جمعتها من كتب شتى ورسائل منثورة متفرقة ذكرت بعضها في هذه الردود، فمنها أبيات وأنظام متفرقة، ولم أجد من جمعها كاملة كما فعلت، إلا أني غير متأكد أنما حصلت عليه منها هو جميعها أم بعضها ، وذلك نظرا لما ضاع منها للاسف ، إلا أني لم أجد من ترجم له وذكر كل هذه الانظام والابيات التي ذكرتها، وهي قوله :
يناقش الشيخ محمد الامين الشنقيطي رحمه الله في بعض القضايا العقدية.
الخوض في مشتبهات الذكر... مما يجر لفساد الفكر
آمن به على مراد الحق... من غير تشبيه له بالخلق
وأنه على معان دلا... لا قت بمولانا علا وجلا
وإن تؤوله بمعنى تقبله... ألفاظه والعقل ليس يحظله
فلك أسوة من الاخيار... التابعين سنة المختار
فالطعن كل الطعن في من اتبع... مشتبه الذكر وبئس ما ابتدع
مشتبه الكتاب إن تقف السلف... فاتله كما عنهم سلف
وفي الحديث أرو ولا بنت شفة... كانطق بها عنهم تلك الصفة
فارح اللسان والدفاترا ...من الجدال فيه والمثابرا
ومن يقل منه أريد منه ظاهره... فإننا في قوله نسائره
فإن يقل ظاهره التنزيه... لا النقص يبدو منه والتشبيه
قلنا له ما باله يحذر... من اتباعه إذا يحظر
كيف يحذر من اتباع ما... ظاهره تنزيه مولانا سما
وأي فرق بينه وبينما... كان من الذكر الحكيم محكما
إذا كان ظاهر الكنه أريد... والكنه عن إدراكه العقل بعيد
ويشير بعض المراجع التي ترجمت له إلى هذه الابيات التي كثيرا ما يتمثل بها، وهي:
غاية علم العلما ومنتهى... إدراك أرباب العقول والنهى
أن يعلموا أن لهذا الخلق... مخترعا أو جده بالحق
متصفا بصفة الكمال... منزها عن ضدها المحال
وهذه الانظام واضحة المسالك والمعاني ، فلا تحتاج إلى تعليق ولا شرح.
وقد ألف الشيخ عبد الله بن الامام في موضوع العقيدة تأليفين، في المناقشات والردود، وهما رسالتان : إحداهما : مذهب السلف الصالح في المتشابه.
وثانيهما : نظم في متشابه الاسماء والصفات. او نحوهما.
وهاتان إن دلتا على شيء فإنما يدل على إنكاره للخوض في متشابه الوحي.
وقد اشتهر عن الشيخ تعففه عن الخوض في مثل هذا، فكان لا يحب الكلام ولا إبداء الرأي فيه ، فكان يكره أن يبحث أو يجادل في القضايا العقدية والمسائل الجدلية، ولا يراه سدادا، إلا إن دعت لذلك ضرورة ملحة، وحاجة ماسة.
ثانيا : رده على رسالة المجاز.
وقد رد الشيخ محمد عبد الله بن الامام الجكني ، ردين في المجاز على الشيخ محمد الامين الشنقيطي ــ رحمهما الله تعالى ـ في رسالته في المجاز التي سماها " منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز.
أ ــ فألف عبد الله بن الامام رسالته التي سماها " إيضاح الامتياز بين الحقيقة والمجاز" في رده على رسالة الشيخ الامين الشنقيطي " الانفة الذكر.
ب ــ كما وقد علق عبد الله الامام في الهامش ليرد على مسائل وردت في كتاب"منع جواز المجاز" خالف فيها الامام الشنقيطي .
وسأذكر هنا بعض هذه المسائل باختصار شديد , خوف الاطالة .
فمن هذه المسائل ما يلي:
المسالة الاولى :
يذكر محمد الامين الشنقيطي في رسالته منع المجاز قائلا : [ومعلوم أنه لا يصف الله أعلم بالله من الله ، ومن اصدق من الله قيلا].
بعد أن بين قصد تاليفه لهذه الرسالة قائلا: [نصيحة المسلمين , وتحذيرهم من نفي صفات الكمال والجلال التي أثبتها الله لنفسه في كتابه العزيز بادعاء أنها مجاز وأن المجاز يجوز نفيه، لأن ذلك من أعظم وسائل التعطيل].
يقول محمد عبد الله بن الامام قوله : [ ومعلوم أنه لا يصف الله أعلم بالله من الله]، "كلام ضائع" إذ لا مخالف في هذا من سائر الفرق، ومحط الخلاف بين الطائفتين : أن الطائفة السنية تقول إنما أثبته الله لنفسه في القرآن كله ثابت له تعالى على وجه يليق بجلاله وكماله، وهذا هو الحاصل من ظاهر اللفظ ].
المسألة الثانية :
يخلص الشيخ الامين الشنقيطي في مباحثه في الاستدلال على نفي المجاز إلى القول بأنه: أسلوب بياني من أساليب العرب التي تتميز عن القرآن في أسلوبها بين الكذب والمبالغة والتعقيد اللفظي، وأسلوب البديع الذي ينزه عنه أسلوب القرآن أحرى أن يتكلم به الله سبحانه وتعالى، لأنه لا ينبغي أن يقول شيئا ويريد عكسه أو نقيضه أو غيره، وتكذيب قولهم : "كل ما يصح في اللغة العربية يصح في القرآن" لأنهم أجمعوا أن كل مجاز يجوز نفيه، وفي هذا يقرر الشنقيطي في طريق المناظرة قائلا:
[ولا شيء من القرآن يجوز نفيه ، ينتج من الشكل الثاني لا شيء بمجاز ، وهذه النتيجة كلية سالبة صادقة، ومقدمتا القياس الاقتراني الذي أنتجها لا شك في صحة الاحتجاج بهما، لان الصغرى منهما وهي قولنا لا شيء من القرآن يجوز نفيه مقدمة صادقة يقينا، لكذب نقيضها يقينا، لأن نقيضها هو قولك بعض القرآن يجوز نفيه، وهذا ضروري البطلان، والكبرى منهما وهي كل مجاز يجوز نفيه صادقة بإجماع القائلين بالمجاز .... وإذا صح تسليم المقدمتين صحت النتيجة وهي لا شيء من القرآن بمجاز].
ثم يخلص إلى القول بأن هذه الأساليب منها ما يحتاج لدليل، ومنها ما لا يحتاج لدليل ، وكل منهما حقيقة في محله ، ثم يقول : [ وقس على هذا جميع أنواع المجازات].
ثم يرد على هذا الكلام عبد الله بن الامام قائلا:
[ هذه الاساليب المتنوعة ما يحتاج منها إلى دليل هو المسمى بالمجاز، وما لا يحتاج لدليل هو المسمى بالحقيقة، فلم يبق للخصم إلا إنكار التسمية، ولا يخفى ما فيه .
المسألة الثالثة:
ويقول في منع المجاز: بعد أن أجاب عن نفي المجاز في آيات محتملة له عند القائل به ، في قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } [أنه لا مجاز زيادة فيه، لان العرب تطلق المثل وتريد به الذات، فهو أيضا أسلوب من أساليب اللغة العربية، وهو حقيقة في محله، كقول العرب " مثلك لا يفعل هذا" أي لا ينبغي لك أن تفعل هذا ، والدليل عليه قوله تعالى : {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله } أي شهد على القرآن أنه حق]
ويرد على هذا الجواب عبد الله بن الامام قائلا: [ هذا الجواب فيه إثبات المجاز، إذ قرر أن العرب تطلق المثل وتريد به الذات ، وهذا الاطلاق هو الذي نسميه مجازا ، فلم يبق إلا إنكار التسمية.
المسألة الرابعة :
ونظرا للقول القائل بالمجاز في القرآن واستلزام جواز نفي بعض القرآن على هذا، يقول الشنقيطي : [ بأنه كان ذريعة لنفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى، وعن طريق المجاز توصل المعطلون لنفي الصفات، فقالوا لا يد، ولا استواء، ولا نزول ...إلخ
لأن الصفات لم ترد حقائقها بل هي عندهم مجازات ، فاليد عندهم مستعملة في النعمة أو القدرة، والاستواء في الاستيلاء، والنزول نزول أمره، فنفوا صفات ثابتة بالوحي عن طريق القول بالمجاز].
فيرد على هذا الكلام الشيخ عبد الله بن الامام قائلا: [ لم ينفوا الصفات الثابتة لله تعالى، بل أثبتوا له ما أثبت لنفسه، واعتقدوه على ما يليق به تعالى، لا على مشابهة خلقه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا...إلخ.
ومن خلال ما سبق يتضح لنا ما يلي :
1 ـ أن علماء الشناقطة كانوا قمة في مجال فهم الفكر الاسلامي ، وقضاياه العقلية والعقدية ، سباقين في مجال المناقشات والردود الفكرية، والدفاع عنه بأسلوب الجدل العلمي الرصين, لذا لم تكن مساهماتهم بمنئ عن واقعهم الفكري.
2 ـ حافظوا على المنهج الاسلامي بوعي المخاطر، وأمراض العصر، والرد على من انتهج طريقا غير طريقهم الوسطية، داعين إلى نبذ الافكار الدخيلة , بمنهج الأسلوب العلمي.
3 ـ أهمية المناقشات والردود الفكرية التي أثارها علماء هذه البلاد ضد العلامة محمد الامين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ فكانت هذه المناقشات قمة في الاسلوب العلمي, وقوة في المأخذ والحز المفصلي، فلم تكن غامضة بقدر ما كانت بيانا لنهج الطريق الوسطي الذي تبناها جمهور هذا البلد، والعالم قرونا من الزمن.
4 ــ إن مثل هذه البحوث يحتاج لمزيد من البحث والتفتيش والفحص، ومزيد من الوقت, لما له من أهمية بالغة في الوعي بأهمية علماء كل بلد والوقوف على منتجاتهم العلمية، لما يتضمن من تقرير المصير لفكر هذا البلد وواقعه ومستقبله الزاهر، في تجديد ماضيه الذي ظل يفخر بحفظه لدين الله والذب عنه، نسأل الله تعالى أن يحفظه علينا بالأمن والسعادة آمين.
فالحمد لله العلي الاجلل الواسع الفضل الكريم المجزل
وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
التسميات :
المعلمة الشنقيطية
