"المشقة ودورها في تخفيف الاحكام الطهارة نموذجا"
بقلم د. محمد القاسم حمد جباب
الاحد يناير ١٩, ٢٠١٤..
الحمد لله، ذي الآلاء والإنعام، {إن الدين عند الله الإسلام} أرسل رسله وأنزل كتبه بدين الحنفاء، أولوا الألباب والمحجة البيضاء، فهدم الأصنام وحطم الأوثان ونفى الهرج، فبين الدين وأرسى القواعد ونفى عنه المشقة والحرج، وقال:{ وما جعل عليكم في الدين من حرج }.
ف { ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج }، فخضعت لدين الله الأعناق بغير أوهام، وانقادت له العقول و الأفهام.
فعنت وجوه الخلق لرسول رب العالمين، فقال: [إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين].
فأمرهم بتوحيد ذي الجلال والإكرام، وبين لهم أصول الدين وقواعد الإسلام، ونور البصائر وهدى الأنام، فعم اليسر وانتفى العسر، وقال مبشرا: [إن الدين يسر]، {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.
ثم الصلاة على خير الورى وعلى ساداتنا آله وصحبه الفضلا
و بعد: ف {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا} بل وضع دينه سمحا سهلا معتدلا بين الديانات الغابرة وسطا بين الإفراط والتفريط.
فليس للرهبانية فيه مرغب، ولا للتكلف والتعسف فيه مذهب، ولا للتشديد والتنطع فيه مطلب.
{ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين}، { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}.
ولأحكام شرائع الإسلام، قواعد جاءت في دين الله الحكيم العلام، فكان للاعتدال فيها مقاصد، و فيها للمصالح جلب ودرء مفاسد، وفيها للعقول محاسن، وللنظر فيها تطبيقات ومناهج.
ومن أوسع وأعظم قواعد الإسلام في التخفيف والتيسير، قاعدة [ المشقة تجلب التيسير].
فكانت من أعظم قواعد هذه الشريعة الحنفية السمحة، في بناء الفروع الفقهية وتخريجها على القواعد الإجمالية، وربط بعضها ببعض في الاستنباط للأحكام، والإحاطة بها في شتى أبواب العبادات والمعاملات.
مما يدل على أهمية هذه القاعدة، وأنها جديرة بالبحث والدرس.
فكانت لذلك قصد اختياري ومحط بحثي ومنبع دراستي.
وقد سميت هذا البحث ب[المشقة ودورها في تخفيف الأحكام الطهارة نموذجا].
دوافع البحث ومشاقه.
وقد كان لاختيار البحث في جوانب هذه القاعدة جملة من الدوافع والاختيارات، كما كانت العثرات واضحة على جوانب من طرق هذا البحث، فلم يكن سهل المنال بل كان الولوج في هذا النوع من البحوث صعبا لا يرتقي إليه سوى المختصين والباحثين المقتدرين لما يحتاج له هذا النوع من الممارسة المعرفية والمرونة العلمية.
إلا أن صدود الباحثين عن خوض غمار هذا النوع من البحوث جعله عرضة لأولئك الذين لا يعرفون حقيقة ممارسة البحث، ولا يدركون أهميته، لذلك أفسدوا أكثر مما أصلحوا.
وأوجز تلك الدوافع فيما يلي:
1 ــ أن القواعد الفقهية تتبوأ مكانة سامية في الشريعة لقربها من الوحي، وضبطها لمسائل الشريعة، حتى حكي عن القرافي قوله " الاشتغال بالقواعد أهم من الاشتغال بالفروع" وقال السيوطي: "الفقه معرفة النظائر" .
وأيضا فإن كل مباحث الأصول وحججه المتشعبة لا تعدو فائدتها كونها وسيلة لاستنباط الأحكام من أدلتها، ولذا ففائدته لغير المجتهد أن يعرف بعض أجزاء وسيلة من استنباطات مفككة ومنثورة، فاقدة لركن معرفة مقاصد الشريعة، بخلاف قواعد الفقه فهي أقرب إلى فهم مقاصد الشريعة .
2 ــ أن القواعد الفقهية لا تقل عن القواعد الأصولية أهمية في استنباط الأحكام الفقهية، والربط بينها.
فبقدر إحاطة الفقيه بها يعلو قدره ويكون على درجة من الإحكام لزمام الفروع، فلا تتعارض ولا تختلف مع غيرها من الأحكام.
3 ــ أن القواعد الفقهية أسهل فهما وانقيادا من قواعد الأصول لغلبة الأدلة العقلية عليها، وميل أهلها إلى الاعتماد على المقدمات المنطقية.
4ــ أهمية البحث في هذه القاعدة، يأتي من حيث كون البحث فيها يستغرق جل معاني قواعد الفقه الكلية، لأنها تؤل إليها، وترجع إليها في النهاية.
ولاشك أن لإعداد البحوث كثيرا من المشاق والمصاعب كفيلة بعرقلة الباحث وإعاقته عن إكمال بحثه على الوجه اللائق للبحث أو ما كان يتوقع له في الغاية من الكماليات، فليس الكمال في البداية والنهاية إلا لله وحده سبحانه وتعالى خالق البداية والنهاية.
وهذه المشاق وإن كانت حرية بالذكر فإنها أيضا وسيلة للترقي لمصاعب أخرى يحوز بنيلها على بعض الكماليات.
ومن أهم هذه المصاعب ما يلي:
1 ــ قلة مصادر قواعد الفقه في هذه البلاد، وندرة المراجع فيها، خصوصا من المذهب المالكي الذي هو أجدى بالبحث في هذه البلاد حرسها الله تعالى.
2 ـــ وإن كنت أشيد بما قدمه لنا أوائلنا في هذه المادة العلمية من مؤلفات مهمة لعلماء الإسلام، وفحول الغرب الإسلامي ، وأعلام الشناقطة أجدادنا ومشايخنا، إلا أنه من الأسف البالغ عدم ظهور مساهمات لهؤلاء العلماء، إما من قلة مؤلفات مطبوعة، أو بحوث مخرجة، أو معلومات تشير إلى مساهماتهم في أجل القضايا الأساسية في الفقه الإسلامي، حتى ظلت مؤلفاتهم مجهولة أو حبيسة لرفوف المخطوطات حيث النسيان، والضياع، والإهمال.
3 ــ صعوبة الإحكام والضبط وتعذره في علم القواعد، إذ هو أساس العلوم لذا فهو من أشدها تعقيدا وصعوبة، خصوصا على مبتدئي البحث، ولهذا فلا بد من عثرات وتجاوزات على طرق وجوانب في مثل هذه البحوث، إلا من عصمه الله من الوقوع في الهفوات.
وقد صدق أبو الطيب المتنبئ حيث يقول:
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال
منهج البحث وخطته.
وقد رسمت لخطة هذه الرسالة المنهجية الآتية:
أولا: اشتملت هذه الرسالة على مقدمة، وتمهيد، وفصلين اثنين، وخاتمة، ومصادر.
ثانيا: المقدمة، وهي هذه، وقد تناولت فيها جملة من الاختيارات والمصاعب التي اعترضتني من خلال القيام بهذا البحث المقتضب لإنجاز هذه الرسالة.
كما اشتملت على بيان الخطة المرسومة في هذه الرسالة، وعلى بيان المنهج المتبع في سبك نظام هذا البحث، وتمهيد المصادر، والفرق بينها وبين المراجع... إلخ.
ثالثا: تمهيد، وقد أشفعت البحث ببيان أسس ومقاصد الشريعة الإسلامية، وبيان خصائصها، ومرونتها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
رابعا: الفصل الأول: مفهوم المشقة في الشريعة الإسلامية.
وفيه مباحث:
المبحث الأول: تعريف المشقة.
المبحث الثاني: مفهوم قاعدة المشقة تجلب التيسير.
وفيه مطالب:
المطلب الأول: تعريف قاعدة المشقة.
المطلب الثاني: الحجية والاستدلال.
المطلب الثالث: أهمية هذه القاعدة ونشأتها.
المبحث الثالث: رفع الحرج في الشريعة.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الحرج في اللغة.
المطلب الثاني: تعريف الحرج في الاصطلاح.
خامسا: الفصل الثاني: دور المشقة في تخفيف الأحكام.
وفيه مباحث:
المبحث الأول: ضوابط المشقة وأسباب تخفيفها.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ضوابط المشقة.
المطلب الثاني: أسباب المشقة في تخفيف الأحكام.
المبحث الثاني: نماذج من تخفيف أحكام الطهارة.
المبحث الثالث: مخارج القواعد من المشقة.
سادسا: الخاتمة وقد ذكرت فيها جملة من نتائج هذه الرسالة، والإشارة إلى بعض مسائلها التي وردت من خلالها لعل الناظر يجد فيها ما يشير إلى مجملها ومقاصد فحواها.
سابعا: المصادر والمراجع المعتمد عليها.
وقد اعتنيت في هذه الرسالة بأهمية الرجوع إلى المصادر الأولى التي تشير إلى هذا الموضوع بالأساس، ولا بأس أن أشير إلى أهمها فيما يلي:
ـ كتاب الموافقات في أصول الشريعة، للإمام أبي إسحاق الشاطبي الغرناطي المالكي ت 790هـ.
ـ كتاب الأشباه والنظائر، للإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي ت 911هـ.
ـ إيضاح المسالك إلى قواعد مذهب الإمام مالك، لأحمد بن يحي الونشريسي، ت 914هـ.
ـ كتاب المنهج المنتخب، لعلي بن قاسم الزقاق الفاسي، ت 912هـ، مع شرحه للعلامة محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني، ت 1325هـ.
ـ الفروق، للإمام القرافي المالكي ت684هـ، وفي علم الاصول في كتابه تنقيح الفصول، وإحكام الاحكام للأمدي، وغيرها.
ومن المراجع التي استفدت منها في هذه الرسالة المباركة مؤلفات عديدة وبحوث معاصرة، وشروح، وفتاوى، ونوازل.
وكتب أخرى مختلفة في موضوع هذا الفن ومراجعه، سيأتي ذكرها ـ إن شاء الله ـ في آخر البحث حيث الفهارس.
ثامنا: المنهج المتبع في البحث.
وقد نهجت خلال هذا البحث الطريقة المعتبرة في نهج البحث العلمي ـ حسب المستطاع ـ في التوثيق والترجمة لغير المشهورين، وإخراج الآثار، والسور، والتعريف بالمصادر المعتمد عليها في هذه الرسالة، والإتيان بفهارس علمية، وتقسيمها إلى فهارس الآيات، والآثار، والأعلام، والمصادر، والموضوعات.
والأخذ في ذلك كله بعين الاعتبار، وإن لم يوجد من التوثيق شيء حيث اتضح المصدر، فذلك عائد لمصادري الأساسية التي نبهت عليها آنفا، وهذا هو فائدة ذكرها، إذ أن بعض الباحثين يهتم بتوثيق كل معلومة، ويرى ذلك من التفوق، والتقدم في البحث، وقد قيل: (عزو الواضح من الفاضح).
ولست بمدع الكمال فيما أقوم به، بل الحق أقول، لست من أهل هذا الفن، وما كنت أعلم عنه إلا القليل جدا، ولكني أعملت فكري وطالعت فسجلت، وتدبرت فلخصت ما كتبت، وحللت ما فهمت، مع التقصير فيه، وضيق الوقت، وكثرة الانشغالات، فإن أخطأت مع الاجتهاد، فلي أجره، وإن أصبت فلله نعماه وفضله وعلمه عنده يعطيه من يشاء. والله يوفقنا ويكلؤنا وإليه مرجعنا ومصيرنا.
تمهيد:
في بيان مقاصد الشريعة وخصائصها، ومرونتها لكل زمان ومكان، وتيسيرها على المكلفين.
لا يخفى أن الغاية من خلق المكلفين إنسهم وجنهم، هو تكليفهم بعبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} الاية.
ولكن الله تعالى خلق الخلق غير عالمين بوجوه مصالحهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة، كما قال تعالى ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا )
ثم وضع فيهم العلم بسنة التدرج والتربية وتارة بالإلهام كما يلهم الطفل التقام الثدي ومصه.
وتارة بالتعلم والتعليم لجميع ما يستجلب به المصالح ، وكافة ما تدرأ به المفاسد إنهاضا لما جبل فيهم من تلك الغرائز الفطرية والمطالب الإلهامية، لأن ذلك كالأصل للقيام بتفاصيل المصالح ـ كان ذلك من قبيل الأفعال أو الأقوال أو العلوم والاعتقادات أو الآداب الشرعية أو العادية.
ثم إنه تعالى خاطب الناس في ابتداء التكليف خطاب التعريف بما أنعم عليهم من الطيبات والمصالح، التي بثها في هذا الوجود لأجلهم، ولحصول منافعهم ومرافقهم التي يقوم بها عيشهم، وتكمل بها تصرفاتهم، كقوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} وقوله { هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون} .
وقد نبه الإمام الشاطبي رحمه الله إلى جوانب مهمة من مقاصد الشريعة ومراعاتها لمصالح الإنسان، وضرورة التيسير في تشريع الأحكام على المكلفين، ومجانبتها لتكليفهم بما لا يطاق .
وأشير إلى بعض تلك المقاصد بتغيير واختصار حتى يتسنى للناظر أهمية النظر في فهم مقاصد الشريعة، ومسايرتها للزمان والمكان، ومرونتها في التدرج والتيسير على المكلفين.
وذلك فيما يلي:
1ـ إن تكاليف الشريعة الإسلامية ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد إما أن تكون ضرورية، أو حاجية، أو تحسينية.
فالضرورية: هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تبقى مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم.
وحفظها يكون بقيام أركانها وثبوت قواعدها، كما يكون برعايتها من جانب الاختلال من العدم.
فأصول العبادات راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود من وجوب جهاد، وصلاة وزكاة، وصيام، وعقوبة داعي البدع ونطق الشهادتين. وغير ذلك.
والعادات راجعة إلى حفظ النفس والعقل.
والمعاملات: ما كان راجعا إلى مصلحة الإنسان مع غيره كانتقال الأملاك بعوض أو بغير عوض، بعقد على الرقاب أو المنافع أو الأبضاع.
والضروريات خمسة: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل.
وأما الحاجيات: فما يفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوات المطلوب.
فإذا لم تراع وقع المكلفون في الحرج والمشقة.
ففي العبادات : كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر.
والعادات: كالتمتع بالطيبات مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا مما هو حلال، وكإباحة الصيد.
والمعاملات: ككل معاملات لا يتوقف عليه حفظ النفس من قراض ومساقات، وسلم، وكإلغاء توابع العقد على متبوعه، كثمر الشجر، ومال العبد.
والجنايات: كالحكم بالقسامة، وضرب الدية على العاقلة، وتضمين الصناع.
وأما التحسينات: فهي: الأخذ بالأحسن من العادات، وتجنب الأحوال التي تأنفها الراجحات، والمراد به قسم مكارم الأخلاق.
ففي العبادات: كإزالة النجاسة، وستر العورة، وأخذ الزينة، والتقرب نبوافل الخيرات والصدقات.
وفي العادات: كآداب المأكل والمشرب وتجنب المستخبثات منهما، والإسراف والإقتار.
وفي المعاملات: كمنع بيع النجاسات، وزيادة الماء والكلإ، وسلب المرأة منصب الإمامة، وإنكاح نفسها.
وفي الجنايات: كمنع قتل الحر بالعبد، أو قتل النساء، والصبيان، والرهبان في الجهاد.
2ـ المقاصد الضرورية أصل على الحاجية والتحسينية فلو اختل الضروري بإطلاق لا اختلا باختلاله، ولا يلزم من اختلالهما اختلال الضروري بإطلاق.
3ـ مقصد الشرع في الشريعة أن تكون عامة مطلقة، لا تختص بباب أو محل أو بمحل وفاق دون محل خلاف.
وبالجملة فالأمر بالمصالح مطرد مطلقا في كليات الشريعة وجزئياتها.
4ـ أن هذه الشريعة المباركة معصومة، كما أن صاحبها معصوم صلى الله عليه وسلم، كذلك ما اجتمعت عليه أمته صلى الله عليه وسلم معصوم.
لقوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وقوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}
5ـ إذا ثبتت قاعدة كلية في الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات فلا ترفعها آحاد الجزئيات فلا بد من المحافظة عليها بالنسبة إلى ما يقوم به الكلي وذلك الجزئي.
فالجزئيات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي أن لا يتخلف الكلي، فتتخلف مصلحته المقصودة بالتشريع.
6ـ الشريعة أمية لأن أهلها كذلك، فلا تحتاج في فهمها ومعرفة أوامرها ونواهيها إلى التوغل في العلوم الكونية من رياضيات وغيرها، فلذلك وسعت جمهور الخلق من عرب وغيرهم.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أمي، وأمته أمية كذلك، لقوله: [ بعثت إلى أمة أمية]، وقوله تعالى: { فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يومن بالله وكلماته}، وقوله صلى الله عليه وسلم: [نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا].
فليس لهم علم بالحساب ولا بالكتب القديمة، قال تعالى: { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك}.
وفي بيان هذه الأصول، والخصائص الأساسية في التخفيف على المكلف وتيسيره عليه، والتي راعها الشارع من خلال تكليف الإنسان بشرعه على وفق ما شرع وبين، حيث أتى المكلف بأدوات التخفيف والتيسير المأمور بها في محلها، كفاية وفائدة لمن تدبر ووعى.
وقد قيل: وقد يحوي التفاصيل من يستحضر الجملا.
الفصل الأول: مفهوم المشقة في الشريعة الإسلامية ، وفيه مبحثان :
المبحث الأول: تعريف المشقة.
1 ـ المشقة لغة: بالتحريك وتشديد القاف مصدر شق، يقال: شق عليه الأمر يشق شقا ومشقة أي ثقل عليه. قال ابن سيده: والشق والمشقة: الجهد والعناء.
وأصل اللفظ في المحسات، ثم استعمل في المعنويات، فقال أهل اللغة: شق عليه الامر صعب، وهم بشق من العيش ـ بكسر الشين ـ إذا كانوا في جهد .
قال ابن فارس: "الشين والقاف أصل واحد صحيح، يدل على انصداع في الشيء... إلخ. يقال: أصاب فلانا شق ومشقة؛ وذلك الأمر الشديد، كأنه في شدته يشق الإنسان شقا. قال الله تعالى: "وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس" . وقوله صلى الله عليه وسلم: {لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة}أي لولا أن أثقل عليهم من المشقة، وهي: الشدة.
2 ـ المشقة: اصطلاحا.
أما المشقة اصطلاحا، فقد يبدو هناك تقارب ما، بين المعنى اللغوي والاصطلاحي إذ لم أقف على تعريف فقهي خاص للمشقة اشتهر عن المتقدمين.
وربما كان غياب وجود تعريف للمشقة أدى لاستغنائهم بالمعنى اللغوي عن وضع تعريف اصطلاحي لها. ولما كان هناك عدم تفرقة بين المعنيين كانت إطلاقات تسمية الواجبات الشرعية تكليفا لما فيها من الكلفة، وهي المشقة، لأن التكاليف كلها شاقة وثقيلة.
وحين لم ينقل عنهم في ذلك تعريف مشهور، فقد عثرت على بعض الباحثين المتأخرين اعتمد تعريفات للمشقة استقوها في رأيي من المعنى اللغوي لعدم خروجها عن المقصود بالمعنى اللغوي العام.
ولذا فقد عرف بعض هؤلاء الباحثين المشقة بما يلي:
أ ـ " كل أمر يثقل فعله أو تركه، وهذا أمر منصرف إلى كل متعب وشاق ".
ويمكن وضع تعريف فقهي لها على وجه التقريب لا التحديد، فيقال هي:
ب ـ "التكاليف الشرعية التي فيها على النفس كلفة زائدة على المعتاد".
ويمكن أيضا تعريفها بأنها:
ج ـ "كل ما فيه صعوبة و شدة وثقل عند القيام به".
3 ـ التحليل : وإذا تمعن الناظر إلى ماهية هذه التعاريف لم يجد لها اختلافا، أو تباينا عن المعنى اللغوي.
سيما وأنها لم تخرج عن بعض معانيها اللغوية كالعناء، والجهد، والمشقة، والثقل، والصعوبة، وحدود الطاقة، وضيق الوسع ...
كما أنه من المعلوم أن الشرع لم يأت بما يشق على المكلفين أو يثقل عليهم، بل كلفهم من الأعمال بما يطيقون، مع التوسيع عليهم في دائرة الرخص.
ولكن معلوم أنه ما سميت الأوامر تكليفا إلا لما فيها من المشقة.
فالكلفة التي تلحق صاحبها بالعناء والجهد مثل الجهاد، والتعزير، والرجم، لا يشك في الجهد اللاحق بسبب ذلك.
فالتكليف : ما فيه إلزام مشقة على النفس، أو ما فيه طلب مشقة، على قولين.
وقد يقال بأنه لا يخلو عمل مطلوب شرعا من المشقة ولو لم يكن فيه إلا مجانبة الهوى ومخالفته لكان كافيا.
ومشقة المطلوبات الشرعية في سائر الأحوال والظروف معتادة لدخولها في حدود الاستطاعة كما قال تعالى:
{ فاتقوا الله ما استطعتم } وقوله عز وجل : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }
والله أعلم.
المبحث الثاني: مفهوم "قاعدة المشقة تجلب التيسير"وفيه مطلبان :
المطلب الأول : تعريف قاعدة المشقة.
فالقواعد: جمع قاعدة، وهي: الأساس الذي ينبني عليه الشيء سواء كان ذلك معنويا كقواعد الدين، وقواعد النحو، وقواعد الفقه، أو حسيا كقواعد البيت، ومنه قوله تعالى { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل }.
وفي مادة القاف في لسان العرب قال الزجاج: القواعد أساطين البنيان التي تعمده.
وفي الاصطلاح : فهي قانون يضبط أحكام عدد من المسائل لا حصر لها، وغالبا ما تصاغ بألفاظ قليلة أسلوبها موجز، ومعانيها واسعة.
وقد عرفها بعضهم بقوله:
" قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها "
فالقواعد إذن مجموعة من الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى قياس واحد يجمعها، أو إلى ضابط فقهي يربطها، فهي مبنية على الجمع، بين المسائل المتشابهة من الأحكام الفقهية.
والغرض منها تقريب المسائل الفقهية وتسهيلها.
يقول ناصر السعدي في تفسيره: بعد الكلام على قوله تعالى { وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم} قال: (وربما توهم متوهم أن هذا من باب تكليف ما لا يطاق، أو تكليف ما يشق، احترز منه بقوله: { وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي مشقة وعسر، بل يسره غاية التيسير، وسهله بغاية السهولة، فأولا ما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس، لا يثقلها ولا يؤدها، ثم إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف خفف ما أمر به، إما بإسقاطه أو إسقاط بعضه).
ثم قال: ويؤخذ من هذه الآية: (قاعدة شرعية ، وهي أن [ المشقة تجلب التيسير]، [والضروريات تبيح المحظورات] فيدخل في ذلك من الأحكام الفرعية شيء كثير معروف في كتب الأحكام).
و يقول الإمام الشاطبي: ( المقصد الشرعي من وضع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا).
وقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: [ لا يومن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به].
فالمقصود من هذه القاعدة أن المشقة المنتفية هي المشقة الحقيقية غير المعتادة التي ليس للشارع مقصد عن التكليف بها.
فليس كل ما يسميه فرد من الناس حرجا أو مشقة يكون معتبرا أو مستجلبا للتخفيف.
يذكر الشاطبي: ـ في مقصد الشارع من الرخص ـ أن رفع الحرج مقصود للشارع في الكليات، فلا تجد كلية شرعية مكلفا بها وفيها حرج كلي أو أكثري ألبتة، وهو مقتضى قوله: { وما جعل عليكم في الدين من حرج}.
ثم يقول: فإذا وجد في الجزئيات النوادر حرجا ومشقة، ولم يشرع فيه رخصة، ذلك أن اعتناء الشارع إنما هو منصرف إلى الكليات، لأن الرخص ليست بكليات، وإنما هي جزئيات.
وهذه القاعدة لا يدخل فيها من المشقة ما هو معارض به مما هو أعظم منها في دفع المشقات أو جلب المصالح، مما اعتبره الشرع ودعا إليه، سواء في ذلك الأمور العامة، كمشقة الجهاد أو الأمور الخاصة، كتطبيق الحدود والغرامات المالية، والعقوبات على الجنايات .
ويستحسن هنا قول أبي الطيب المتنبئ :
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال
المطلب الثاني: الحجية والاستدلال
إن قاعدة المشقة تجلب التيسير من القواعد المتفق عليها في الشريعة الإسلامية .
وقد تواترت الأدلة عليها من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ومن تتبع سيرة الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين لهم بإحسان، وجد أنهم أخذوا بمبدأ التيسير وابتعدوا عن الأعمال الشاقة.
وقد استدل الإمام الشاطبي في الموافقات لهذه القاعدة قائلا:
إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع، كما قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}.
وكل ما يدل على هذا المعنى، كقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقوله تعالى { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} وقوله تعالى : { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} .
2 ـ ومن السنة:
وقد كثرت أدلة قاعدة رفع الحرج والمشقة عن هذه الأمة في السنة المطهرة.
وقد أشار كل من الإمام ألشاطبي والحافظ السيوطي لكثير من هذه الأحاديث نشير لطرف منها فيما يلي :
1 ـ أخرج البخاري ومسلم ومالك والترمذي وغيرهم أنه صلى الله عليه وسلم [ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما]
2 ـ أخرج البخاري عنه صلى الله عليه وسلم قوله حين جاءه رجل فقال والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من اجل فلان مما يطيل لنا، قال فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبا منه يومئذ، ثم قال:[إن منكم منفرين].
وفي إحدى رواياته أيضا قوله صلى الله عليه وسلم [إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين].
3 ـ وقد جاء في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم [يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا].
4 ـ ومنه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم [ ليس من البر الصيام في السفر]، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم [ ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد ].
وإذا كان الشرع قد رفع الحرج وخفف من المشاق الكثير فإنه أيضا نهى عن التكلف والتعمق والتشديد في العمل في كل ما يشق على المكلفين، لأن التزام المشاق تكليف وعسر منهي عنه، كما جاء في قوله تعالى:
( قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ) وقوله (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) .
وقد جاء في السنة ما روي عن ابن عباس في قصة بقرة بني إسرائيل أنه قال: ( لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم).
وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم قوله
هلك المتنطعون ).
وقد نهى صلى الله عليه وسم : عن التبتل في العبادة، وقال ( من رغب عن سنتي فليس مني).
كما أمر صلى الله عليه وسلم بالترخيص قائلا
عليكم برخص الله).
وقد رفض صلى الله عليه وسلم الإذن لمن عزموا على صيام النهار وقيام الليل واعتزال النساء فأمرهم بالتخفيف في أنواع الشدة والأغلال التي كانت في الأمم السابقة.
وقد روي عنه القصر والفطر في السفر والصلاة جالسا وكثير غيرها من الرخص الأخرى.
وجرى أصحابه صلى الله عليه وسلم على ذلك المجرى من الأخذ بالرخص ولا يعيب بعضهم على بعضهم.
فهذه الأدلة وغيرها تدل على أن أصل العزيمة وإن كان قطعيا، فإن أصل الترخيص قطعي أيضا.
وإن كان أصل الرخصة جزءا من العزيمة فذلك غير مؤثر، لأن الجزئي المستثنى من كلي معتبر في نفسه، لأنه من باب التخصيص للعموم أو تقييد المطلق، أو تخصيص قطعي بقطعي، لأن ورود الرخصة مقطوع به.
يقول شهاب الدين القرافي المالكي ت 684هـ في تنقيح الفصول في مبحث تعريف الرخصة والعزيمة:
بأن الرخصة لغة: ( مشتقة من الترخص، والرخص: هو اللين.
فهي: من حيث الجملة من السهولة والمسامحة واللين.
و اصطلاحا: عرفها بقوله: ( جواز الإقدام على الفعل مع اشتهار المانع منه شرعا).
معترضا على تعريف فخر الدين الرازي ت 606هـ للرخصة بقوله
جواز الإقدام مع قيام المانع) .
وقد عرف العزيمة بأنها: ( جواز الإقدام مع عدم المانع ).
المطلب الثالث: أهمية هذه القاعدة ونشأتها
وهذه القاعدة أعني (المشقة تجلب التيسير) هي: المقصودة في الجملة بالبحث من خلال عنوان هذه الرسالة المباركة إن شاء الله تعالى.
وسوف أتوقف على الكلام على بعض جوانب مختلفة من هذه القاعدة المهمة، كما سأشير إلى مجمل مسائلها الفقهية فروعا وتطبيقا، إما بالتصريح أو التلويح.
ومن المعلوم أن مسائل هذه القاعدة لا تحصى وفروعها لا تستقصى، بل إن جميع القواعد قد ترجع إلى هذه القاعدة لعظمها في الشريعة الإسلامية ودلالتها على الكثير من نصوص الشريعة وأصولها.
ولذا فقد دلت الشريعة في كثير من نصوصها على رفع الحرج والمشقة عن المكلفين وتخفيفها عليهم.
فلم تكن التكاليف الشرعية بما فيه مشقة فادحة على المكلفين، ولو كان يقدر عليها ببذل جهود كبيرة.
و منشأ هذه القاعدة: فضل الله ورحمته بهذه الأمة فليس في هذه التكاليف الشرعية نحو قتل الإنسان نفسه، أو التصدق بجميع ماله .
يقول الشنقيطي: إن هذه الشريعة الحنيفية السمحة مبينة على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج، وقد رفع الله فيها الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا .
ثم قال: وهي إحدى القواعد الخمس، التي بنى عليها الفقه الإسلامي.
وقد قال ابن العربي في أحكام القرآن: ( هذا أصل عظيم في الدين وركن من أركان الشريعة، شرفت به أمتنا على الأمم فلم يحملنا إصرا، ولا كلفنا في مشقة أمرا، وقد كان من سلف بني إسرائيل إذا أصاب البول ثوب أحدهم قرضه بالمقراض فخفف الله الحرج عن هذه الأمة ورفعه عنهم.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه} .
وقد تقدم عن الإمام الشاطبي(أن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع، كما قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج )
ومن أهم هذه القاعدة أن كثرة تشعب مباحثها يقضي على أن مآل القواعد الفقهية يرجع إليها في النهاية.
ومن هذا ما ذكره الإمام السيوطي في الأشباه والنظائر: أن بعض أئمة الحنفية رد مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة، فبلغ ذلك القاضي حسينا فرد جميع مذهب الشافعي إلى أربع قواعد :
القاعدة الأولى: المشقة تجلب التيسير. للآية المذكورة آنفا، والحديث : { بعثت بالحنيفية السمحة) .
القاعدة الثانية: الضرر لا يزال. لقوله صلى الله عليه وسلم : لا ضرر وضرار .
القاعدة الثالثة: العادة محكمة. لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ) .
القاعدة الرابعة: اليقين لا يزال بالشك. وأصله قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته فيقول له أحدثت، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ).
وقد زاد بعض الفضلاء قاعدة أخرى وهي:
القاعدة الخامسة: الأمور بمقاصدها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات ).
وهو حديث: يدخل فيه ثلث العلم كما يروى عن الشافعي رحمه الله.
فتصير القواعد خمسا، مثل ما بنيت أركان الإسلام على خمس .
وقد درج على ذكر هذه القواعد الأربع مع زيادة الخامسة الشيخ سيد عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي الشنقيطي في مراقي السعود بقوله:
قد أسس الفقه على رفع الضرر وأن ما يشق يجلب الوطر
ونفي رفع القطع بالشك وأن يحكم العرف وزاد من فطن
كون الأمور تبع المقاصد ومع تكلف ببعض وارد
يقول: الفقيه الولاتي في رجوع المسائل الفقهية إلى هذه القواعد الخمس (وارد مع التكلف والتعسف).
ولو أريدت الأصول التي يرجع إليها جميع فروع الفقه مع وضوح الدلالة لزادت على المئين.
وقال تاج الدين السبكي : [ التحقيق عندي أنه إن أريد رجوع الفقه إلى هذه الخمس بتعسف وتكلف ، وقول جملي، فالخامسة داخلة في الأخيرة .
بل رجع العز بن عبد السلام الفقه كله إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد].
وقد ذكر السيوطي أنه بإمكان الكل الرجوع إلى اعتبار المصالح، لأن درء المفاسد من جملتها .
والأشبه عنده أن القاعدة التي تكفي عن هؤلاء القواعد كلها، هي قاعدة الضرر يزال، إذا قصد الرجوع للأصل.
وأما رجوعها بوضوح فقد تربو على الخمسين أو المئين.
وقبل أن أدخل في تطبيقات الأحكام في تخفيف المشقة في الشريعة الإسلامية ودورها في تخفيف أعباء الواجبات وتسهيلها على المكلفين لا بد من إلقاء نظرة على تعريف الحرج في مفهوم الشريعة الإسلامية.
باعتباره من لوازم المشقة إذ دلت عليه نصوص من الوحي كقوله تعالى : {وما جعل عليكم في الدين من حرج }... إلخ .
وسوف أتطرق في هذا المبحث على الكلام على مفهوم الحرج على مستوى اللغة والاصطلاح وهو :
المبحث الثالث: رفع الحرج في الشريعة ، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الحرج في اللغة
فالحرج: بفتح الراء وكسرها، ـ المكان الضيق الكثير الشجر لا تصل إليه الرعية، يقال : دخلوا في الحرج، وهو مجتمع الشجر ومتضايقه، وهم في حرجة ملتفة، وحرجات وحرج.
قال مجنون ليلى:
أيا حرجات الحي حين تحملوا بذي سلم لا جادكن ربيع
وأصل الكلمة اللغوي في المحسات، وهو: المكان الضيق الذي فيه شجر كثير ملتف، ثم وقع توسع في استعماله في المعنويات.
وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في أكثر من موضع، كما قال تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج }
و قوله: { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا من ما قضيت ويسلموا تسليما}
وقوله تعالى: {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له}.
المطلب الثاني: الحرج اصطلاحا.
فالحرج: اصطلاحا.
يبدو أنه ليس للحرج اصطلاح معروف، عن المتقدمين حتى نرجع إليه، وربما كان ذلك لتقارب المعنيين اللغوي والاصطلاحي
وقد يوجد له تفسير لبعض الباحثين يقرب جعله تعريفا، وربما كان تعريفا مستقى من المعنى اللغوي.
فقد ذكر بعض الباحثين أن الحرج الشرعي المعتبر هو:
( كل ما أدى إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالا أو مآلا ) .
يقول الامام الشاطبي: ـ في مبحث العام الجاري على عمومه على كل حال من غير تخصيص بشرط إذا اتحد ، وانتشر ، وتكرر في أبواب الشريعة، بدليل ثبوت الاستقراء ـ قائلا:
[ إن الشريعة قررت أن لا حرج علينا في الدين في مواضع كثيرة، ولم تستثن منه موضعا ولا حالا].
فعده علماء الملة أصلا مطردا ، وعموما مرجوعا إليه من غير استثناء ، ـ يعني من قولهم "ما من عام إلا وخصص" ـ ولا طلب مخصص، ولا احتشام من إلزام الحكم به ، ولا توقف في مقتضاه.
وليس ذلك إلا لما فهموا من تكرار أو تأكيد لأجل قصد التعميم التام ] " .
وقد ذكر ـ رحمه الله ـ في مبحث الحرج، ـ في كتاب المقاصد، طرفا من بيان تفسير الحرج ـ وسأذكر من كلامه ـ بتلخيص ـ ما يرسم المعنى الحقيقي للحرج، سيما وأنه أسند إلى ابن عباس تفسيره للآية حيث يقول: قال ابن عباس في قوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج} ( إنما ذلك سعة الإسلام ما جعل الله من التوبة والكفارات.
وقال عكرمة: ما أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع.
وعن عبيد بن عمير أنه جاء في أناس من قومه إلى ابن عباس فسأله عن الحرج، فقال أو لستم العرب؟ ثم قال ادع لي رجلا من هذيل فقال ما الحرج فيكم؟ قال: (الحرجة من الشجر ما ليس له مخرج ).
قال ابن عباس: ( ذلك الحرج ما لا مخرج له )، فانظر كيف جعل الحرج ما لا مخرج له، وفسر رفعه بشرع التوبة والكفارات،
ثم قال : (وأصل الحرج الضيق، فما كان من معتادات المشقات في الأعمال المعتاد مثلها فليس بحرج لغة ولا شرعا).
والله تعالى أعلم، وهو الموفق للصواب.
الفصل الثاني : دور المشقة في تخفيف الأحكام ، وفيه مباحث
تمهيد :
لا شك أن للمشقة دورا كبيرا جدا في تخفيف بعض الأحكام عن المكلفين وتيسيرها.
ولذلك كثرت أسبابها وتنوعت مع أنها ينطبق عليها كلها وجود جنس المشقة.
فكان لتخفيف الأحكام مجالات وأسباب ناطها الشارع بها, وإن كان يصعب استقصاء هذه الاسباب لكثرتها وتنوعها.
ولكن سأذكر ـ إن شاء الله طرفا من هذه الأنواع حتى يتسنى للقارئ فحوى أسباب المشقة ليعرف مدى تخفيف أحكام الشريعة الاسلامية على المكلفين وتيسيرها عليهم رغم صعوبة تحديد وصف طائفة منها على وجه الدقة.
فبعض موجبات التيسير لا عسر في تحديده كما في نقص الرق، وأما غيره فيتفاوت أمر تحديده صعوبة وسهولة، لا سيما في عموم البلوى والنسيان.
فإن الشريعة الإسلامية ، لم تعلق التخفيف في بعض أحكامها على وجود المشقة أو عدمها.
وذلك لأن المشاق تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، والمشاق بالقوة والضعف، بحسب الأحوال، وبحسب قوة العزائم، وضعفها، وبحسب الأزمنة، وبحسب الأعمال.
فليس سفر الإنسان راكبا على الدابة أو ماشيا على الأقدام كسفره على السيارة أو الطيارة.
كما أن الأشخاص في تحمل المشاق يختلفون، فرب رجل جلد يصبر على قطع المسافة حتى صار ذلك عادة له، وآخر بخلافه، وكذلك يتحمل أحدهما في مرضه ما لا يتحمل الآخر.
وإذا كان الأمر كذلك، فليس للمشقة المعتبرة في التخفيف ضابط مخصوص ولا حد محدود يطرد في جميع الناس.
لذلك أقام الشارع السبب مقام العلة، فاعتبر السفر مثلا لأنه أقرب مظان وجود المشقة، وترك كثيرا منها موكولا إلى اجتهاد الشخص.
فمن المشاق ما ربطه الشارع بأسباب معينة، بحيث يدور التخفيف معها وجودا وعدما، كربط التخفيف ب السفر والإكراه والمرض والنسيان... الخ..
فالترخص في مثل هذا مطلوب لقوله ( ليس من البر الصيام في السفر ) .
ومنها مشاق أخرى لم يرد بشأنها من الشارع ضبط ولا تحديد.
ولهذه أنواع ، سيتم تحديدها في الضوابط الآتية إن شاء الله تعالى .
المبحث الأول: ضوابط المشقة وأسباب تخفيفها ، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ضوابط المشقة .
قال العز بن عبد السلام: (من المشكل ضبط المشقة المقتضية للتخفيف كالمرض في الصوم فإنه إن ضبط بالمشقة فالمشقة غير مضبوطة).
ثم قال: (ومن ضبط ذلك بأقل مما ينطبق عليه الإسم كأهل الظاهر خلص من هذا الإشكال ) .
ويقول: في أهمية اختلاف المشاق التي اعتبرها الشارع ( وتختلف المشاق باختلاف العبادات باهتمام الشرع.
( فما اشتد اهتمامه به، شرط في تخفيفه المشاق الشديدة أو العامة، وما لم يهتم به خففه بالمشاق الخفيفة) ،
وقد تخفف مشاقه مع شرفه وعلو مرتبته لتكرر مشاقه، كي لا يؤدي إلى المشاق العامة الكثيرة الوقوع ).
ويمكن تفصيل الكلام في هذا المطلب حتى تتضح ضوابط المشقة المقتضية للتخفيف .
يقول الفقيه الولاتي : في تقسم ضابط المشقة من حيث تخفيف الأحكام على المكلفين إلى مشقتين:
المشقة الاولى :
مشقة لا تنفك عنها العبادة، فلا يوجب تخفيفا, لأنها قررت معه كالوضوء في البرد، والصوم في الحر.
المشقة الثانية:
مشقة نتفك عنها العبادة, وهو ثلاثة أقسام:
القسم الأول: إن كان في مرتبة الضروريات عفي عنه إجماعا. ككونه في هلاك نفس، أو عضو.
القسم الثاني: إن كان في مرتبة التتميمات لم يعف عنه إجماعا، كوجود جهد خفيف فغير معتبر.
القسم الثالث: إن كان في مرتبة الحاجيات، فهو محل خلاف بين العلماء، كوجود مرض خفيف .
بعد هذا التقسيم المشقة الأولى : مشقة لا تنفك عنها العبادة غالباً .
المشقة الثانية: مشقة تنفك عنها العبادات غالباً .
المشقة الأولى :
وهي المشقة التي لا تنفك عنها العبادة غالباً.
ونشير لأمثلة منها كما يلي:
1ـ مشقة البرد و الوضوء والغسل .
2ـ مشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار .
3ـ مشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها .
4 ـ مشقة ألم الحدود ورجم الزناة، وقتل الجناة.
فلا أثر لهذه المشقة المذكورة في إسقاط العبادات في كل الأوقات.
المشقة الثانية:
وهي التي تنفك عنها العبادة غالبا .
وقد قسم السيوطي هذه المشقة المذكورة على مراتب :
المرتبة الأولى: مشقة عظيمة فادحة : مثل ما يلي :
1ـ مشقة الخوف على الأنفس .
2ـ مشقة الأطراف ومنافع الأعضاء .
فهذه موجبة للترخيص والتخفيف قطعا، لأن حفظ النفوس والأطراف لإقامة مصالح الدين، أولى من تعريضها للفوات في عبادة يفوت بها أمثالها.
المرتبة الثانية : مشقة خفيفة لا وقع لها، مثل ما يلي:
1ـ مشقة أدنى وجع بالأصبع أو أدنى وجع ببعض الأعضاء الأخرى .
2ـ أدنى صداع في الرأس أو سوء مزاج خفيف، فلا أثر لها .
المرتبة الثالثة :
مشقة متوسطة بين هاتين المرتبتين ، فما دنا من المرتبة العليا أوجب التخفيف ، وما دنا من المرتبة الدنيا لم يوجبه .
وذلك كحمى خفيفة ووجع الضرس اليسير .
وأما ما تردد في إلحاقه بأيهما اختلف فيه، ولا ضابط لهذه المراتب إلا بالتقرب.
وقد ذكر السيوطي في كتابه الأشباه نقلا عن العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام أن تخفيفات الشرع ستة أنواع .
وأشير لطرف منها فيما يلي :
الأولى : تخفيف إسقاط.
مثل إسقاط صلاة الجمعة، والحج والعمرة، والجهاد بالأعذار
كالحائض و النفساء، وعدم وجوب الحج عمن لم يجد طريقا سوى البحر .
وكان الغالب عدم السلامة، وكذلك إسقاط وجوب الحج عن المرأة إذا لم تجد محرما.ً
الثاني : تخفيف تنقيص :
كقصر الصلاة الرباعية في السفر .
الثالث: تخفيف إبدال:
كإبدال الوضوء و الغسل بالتيمم عند عدم وجود الماء أو عدم القدرة على استعماله .
الرابع: تخفيف تقديم:
كالجمع بعرفات وتقديم صلاة العصر في وقت الظهر وصلاة العشاء في وقت المغرب .
الخامس: تخفيف تأخير:
كالجمع بمزدلفة وتأخير صوم رمضان للمريض والمسافر .
السادس: تخفيف اضطرار:
كشرب الخمر للغصة وأكل الميتة عند المسغبة وخشية الموت جوعاً
السابع: تخفيف تغيير: كتغيير نظم الصلاة للخوف .
أقسام الرخص خمسة أقسام :
القسم الأول : ما يجب فعله : كأكل الميتة للمضطرب والفطر لمن خاف الهلاك بغلبة الجوع والعطش وإن كان مقيماً صحيحاً وإساغة الغُصَّةِ بالخمر .
القسم الثاني: ما يندب فعله كالقصر في السفر والفطر لمن يشق عليه الصوم في السفر أو المرض، وجواز النظر إلى المخطوبة.
القسم الثالث : ما يباح فعله : كالسلم ،
القسم الرابع : رخص الأولى بالمكلف أن يفعلها : كالمسح على الخف والجمع، والفطر لمن لا يتضرر، و التيمم لمن وجد ماء يباع بأكثر من ثمن المثل وهو قادر عليه .
القسم الخامس : رخص يكره فعلها : كالقصر في أقل من ثلاث مراحل .
1 ـ يجوز للمسافر قصر الصلاة الرباعية لمشقة السفر .
2 ـ يجوز للطبيب النظر إلى موضع الألم في جسم المرأة المريضة للحاجة .
3 ـ التخفيف عن المريض والمسافر بالإفطار في رمضان المبارك للمشقة
4 ـ جواز المسح على الخفين بشروطه لما في نزعهما من المشقة
5 ـ النهي عن الصلاة في الهاجرة وذلك لمشقة الحر الشديد .
6 ـ يجوز للحائض والنفساء قراءة القرآن للضرورة والمشقة .
للقاعدة فروع كثيرة جداً مبثوثة في العبادات والمعاملات وأحكام الأسرة والجنايات وغيرها .
المطلب الثاني: أسباب المشقة في تخفيف الأحكام.
وقد ذكر طائفة من العلماء أسباب تخفيف المشقة في أحكام العبادات، والمعاملات كما فعل السيوطي وابن نجيم فحاولوا حصر هذه الأسباب في سبعة أنواع :
الأول: مشقة السفر
ولما كان السفر يغلب معه وقوع المشقة جعله الشارع سبباً من أسباب التيسير والتخفيف بمجرد حدوثه دون انتظار المشقة .
قال : الله تعالي)وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة(
وقال: تعالي)ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر(.
و قد ذكر السيوطي في الاشباه نقلا عن النووي أن رخص مشقة السفر ثمانية :
فمنها ما يختص بالطويل قطعاً وهو القصر والفطر والمسح أكثر من يوم وليلة .
ومنها ما لا يختص به قطعاً وهو ترك الجمعة وأكل الميتة .
ومنها ما فيه خلاف والأصح اختصاصه به وهو الجمع .
ومنها ما فيه خلاف والأصح عدم اختصاصه به وهو التنفل على الدابة وإسقاط الفرض بالتيمم .
الثاني: مشقة المرض.
وهو يدل في الأصل على كل ما يخرج به الإنسان من حد الصحة في أي شيء كان،
وقيل كل ما خرج بالكائن الحي عن حد الصحة و الاعتدال .
وفي الاصطلاح : حالة للبدن خارجة عن المجرى الطبيعي .
وقيل: عرض يطرأ على بدن الإنسان فيؤثر على طبيعته النفسية والخلقية ويؤدي إلى إضعاف البدن عن القيام بالمطلوب منه على الوجه المعتاد .
ويدل على اعتبار المرض سبباً للمشقة الموجبة للتيسير و التخفيف قول : الله تعالى ذكره )وإن كنتم مرضى أوعلى سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ( وقال : الله تعالى )فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك( .
وذكر السيوطي أن رخصه كثيرة، وسأذكر طرفا منها فيما يلي:
1ـ التيمم عند مشقة الماء، وعدم الكراهة في الاستعانة بمن يصب عليه أو يغسل أعضاءه.
2ـ القعود في صلاة الفرض، وخطبة الجمع، والاضطجاع في الصلاة والإيماء، والجمع بين الصلاتين على قول .
3ـ التخلف عن الجماعة والجمعة مع حصول الفضيلة.
4ـ الفطر في رمضان، وترك الصوم للشيخ الهرم مع الفدية، والانتقال من الصوم إلى الإطعام في الكفارة، والخروج من المعتكف، وعدم قطع التتابع المشروط في الاعتكاف .
5ـ الاستنابة في الحج، وفي رمي الجمار، وإباحة محظورات الإحرام مع الفدية.
6ـ التداوي بالنجاسات، وبالخمر على وجه، وإساغة اللقمة بها إذا غص بالاتفاق .
7ـ إباحة النظر إلى العورة والسوءتين.
الثالث: مشقة الإكراه.
ويدل على اعتبار الإكراه سببا من أسباب المشقة الموجبة للتيسير قوله الله تعالى)مَن كفر بالله مِن بعد إيمانه إلا مَن أُكره وقلبه مطمئِن بالإيمان( .
وقد خرج السيوطي في الأشباه جل طرق حديث ( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)
عن عدد من الصحابة عن ابن ماجه، وابن حبان، في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وغيرهم من حديث ابن عباس.
وقد حسن هذا الحديث بشواهد قوية تقضى للحديث بالصحة .
وقد اختلف علماء الأصول في تكليف المكره على قولين:
الأول: إذا وصل الإكراه إلى حد الإلجاء، لم يتعلق به حكم.
الثاني: إذا لم يصل إلى حد الإلجاء، فهو مختار، وتكليفه جائز شرعا وعقلا.
قال الغزالي : الإكراه يسقط أثر التصرف عندنا إلا في خمس مواضع، وذكر إسلام الحربي، والقتل، والإرضاع، والزنا، والطلاق.
وذكر النووي أنه يستثنى مائة مسألة لا أثر للإكراه فيها.
وقد ذكر السيوطي في (الأشباه) عددا من حالات الإكراه التي لا تسقط أثر التصرف على المكلفين .
وسأذكر طرفا منها فيما يلي :
1ـ الإكراه على الحدث لأنه من باب إتلاف الطهارة، والإكراه على إفساد الماء بالاستعمال، أو النجاسة، أو الإكراه على غسل النجاسة، أو تخليل الخمر، أو على ترك الطهارة أو الوضوء.
2ـ الإكراه على التحول عن القبلة في الصلاة فتبطل. أو فعل ينافي الصلاة فتبطل، أو الإكراه على ترك القيام في الفرض، أو الإكراه على تأخير الصلاة عن الوقت فتصير قضاء.
3ـ الإكراه على تأخر المتصارفين قبل القبض فيبطل، أو الإكراه على إتلاف مال الغير، فيطالب بالضمان، أو إتلاف الصيد.
4ـ الإكراه على منافيات الصوم او الإعتكاف، أو منافيات الحج.
5ـ إكراه الحربي على الإسلام، أو المرتد، أو الذمي.
6ـ الإكراه على القتل، أو الزنا، أو شهادة الزور، أوالحكم بالباطل، أو السرقة، أو الإرضاع، أو القذف.
الرابع:مشقة النسيان.
قال : الله تعالى)ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا(
ولحديث ابن عباس المتقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )
وقد ذكر السيوطي أن القاعدة الفقهية تقتضي أن النسيان والجهل مسقطان للإثم مطلقا .
وأما الحكم فإن وقع في ترك مأمور لم يسقط، بل يجب تداركه، أو وقع في فعل منهي ليس من باب الإتلاف فلا شيء فيه، أو فيه إتلاف لم يسقط للضمان. الخ.
لذا يجب تدارك جملة من الأحكام والمسائل، فمن هذه المسائل على سبيل المثال ما يلي:
1ـ يجب تدارك الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والكفارة، والنذر، والوقوف بعرفة، بالقضاء بلا خلاف.
2ـ نسي الماء في الرحل وصلى بالتيمم ثم ذكره أعاد، أو صلى بنجاسة غير معفو عنها ناسيا أو جاهلا بها .
3ـ صلى ناسيا الفاتحة، أو صلى لسواد ظنه عدوا فبان خلافه، أو دفع الزكاة لمن ظنه فقيرا فبان غنيا... إلخ .
وقد ذكر السيوطي أن الصحيح في هذه المسائل عدم الإجراء، ووجوب الإعادة.
ف { ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج }، فخضعت لدين الله الأعناق بغير أوهام، وانقادت له العقول و الأفهام.
فعنت وجوه الخلق لرسول رب العالمين، فقال: [إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين].
فأمرهم بتوحيد ذي الجلال والإكرام، وبين لهم أصول الدين وقواعد الإسلام، ونور البصائر وهدى الأنام، فعم اليسر وانتفى العسر، وقال مبشرا: [إن الدين يسر]، {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.
ثم الصلاة على خير الورى وعلى ساداتنا آله وصحبه الفضلا
و بعد: ف {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا} بل وضع دينه سمحا سهلا معتدلا بين الديانات الغابرة وسطا بين الإفراط والتفريط.
فليس للرهبانية فيه مرغب، ولا للتكلف والتعسف فيه مذهب، ولا للتشديد والتنطع فيه مطلب.
{ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين}، { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}.
ولأحكام شرائع الإسلام، قواعد جاءت في دين الله الحكيم العلام، فكان للاعتدال فيها مقاصد، و فيها للمصالح جلب ودرء مفاسد، وفيها للعقول محاسن، وللنظر فيها تطبيقات ومناهج.
ومن أوسع وأعظم قواعد الإسلام في التخفيف والتيسير، قاعدة [ المشقة تجلب التيسير].
فكانت من أعظم قواعد هذه الشريعة الحنفية السمحة، في بناء الفروع الفقهية وتخريجها على القواعد الإجمالية، وربط بعضها ببعض في الاستنباط للأحكام، والإحاطة بها في شتى أبواب العبادات والمعاملات.
مما يدل على أهمية هذه القاعدة، وأنها جديرة بالبحث والدرس.
فكانت لذلك قصد اختياري ومحط بحثي ومنبع دراستي.
وقد سميت هذا البحث ب[المشقة ودورها في تخفيف الأحكام الطهارة نموذجا].
دوافع البحث ومشاقه.
وقد كان لاختيار البحث في جوانب هذه القاعدة جملة من الدوافع والاختيارات، كما كانت العثرات واضحة على جوانب من طرق هذا البحث، فلم يكن سهل المنال بل كان الولوج في هذا النوع من البحوث صعبا لا يرتقي إليه سوى المختصين والباحثين المقتدرين لما يحتاج له هذا النوع من الممارسة المعرفية والمرونة العلمية.
إلا أن صدود الباحثين عن خوض غمار هذا النوع من البحوث جعله عرضة لأولئك الذين لا يعرفون حقيقة ممارسة البحث، ولا يدركون أهميته، لذلك أفسدوا أكثر مما أصلحوا.
وأوجز تلك الدوافع فيما يلي:
1 ــ أن القواعد الفقهية تتبوأ مكانة سامية في الشريعة لقربها من الوحي، وضبطها لمسائل الشريعة، حتى حكي عن القرافي قوله " الاشتغال بالقواعد أهم من الاشتغال بالفروع" وقال السيوطي: "الفقه معرفة النظائر" .
وأيضا فإن كل مباحث الأصول وحججه المتشعبة لا تعدو فائدتها كونها وسيلة لاستنباط الأحكام من أدلتها، ولذا ففائدته لغير المجتهد أن يعرف بعض أجزاء وسيلة من استنباطات مفككة ومنثورة، فاقدة لركن معرفة مقاصد الشريعة، بخلاف قواعد الفقه فهي أقرب إلى فهم مقاصد الشريعة .
2 ــ أن القواعد الفقهية لا تقل عن القواعد الأصولية أهمية في استنباط الأحكام الفقهية، والربط بينها.
فبقدر إحاطة الفقيه بها يعلو قدره ويكون على درجة من الإحكام لزمام الفروع، فلا تتعارض ولا تختلف مع غيرها من الأحكام.
3 ــ أن القواعد الفقهية أسهل فهما وانقيادا من قواعد الأصول لغلبة الأدلة العقلية عليها، وميل أهلها إلى الاعتماد على المقدمات المنطقية.
4ــ أهمية البحث في هذه القاعدة، يأتي من حيث كون البحث فيها يستغرق جل معاني قواعد الفقه الكلية، لأنها تؤل إليها، وترجع إليها في النهاية.
ولاشك أن لإعداد البحوث كثيرا من المشاق والمصاعب كفيلة بعرقلة الباحث وإعاقته عن إكمال بحثه على الوجه اللائق للبحث أو ما كان يتوقع له في الغاية من الكماليات، فليس الكمال في البداية والنهاية إلا لله وحده سبحانه وتعالى خالق البداية والنهاية.
وهذه المشاق وإن كانت حرية بالذكر فإنها أيضا وسيلة للترقي لمصاعب أخرى يحوز بنيلها على بعض الكماليات.
ومن أهم هذه المصاعب ما يلي:
1 ــ قلة مصادر قواعد الفقه في هذه البلاد، وندرة المراجع فيها، خصوصا من المذهب المالكي الذي هو أجدى بالبحث في هذه البلاد حرسها الله تعالى.
2 ـــ وإن كنت أشيد بما قدمه لنا أوائلنا في هذه المادة العلمية من مؤلفات مهمة لعلماء الإسلام، وفحول الغرب الإسلامي ، وأعلام الشناقطة أجدادنا ومشايخنا، إلا أنه من الأسف البالغ عدم ظهور مساهمات لهؤلاء العلماء، إما من قلة مؤلفات مطبوعة، أو بحوث مخرجة، أو معلومات تشير إلى مساهماتهم في أجل القضايا الأساسية في الفقه الإسلامي، حتى ظلت مؤلفاتهم مجهولة أو حبيسة لرفوف المخطوطات حيث النسيان، والضياع، والإهمال.
3 ــ صعوبة الإحكام والضبط وتعذره في علم القواعد، إذ هو أساس العلوم لذا فهو من أشدها تعقيدا وصعوبة، خصوصا على مبتدئي البحث، ولهذا فلا بد من عثرات وتجاوزات على طرق وجوانب في مثل هذه البحوث، إلا من عصمه الله من الوقوع في الهفوات.
وقد صدق أبو الطيب المتنبئ حيث يقول:
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال
منهج البحث وخطته.
وقد رسمت لخطة هذه الرسالة المنهجية الآتية:
أولا: اشتملت هذه الرسالة على مقدمة، وتمهيد، وفصلين اثنين، وخاتمة، ومصادر.
ثانيا: المقدمة، وهي هذه، وقد تناولت فيها جملة من الاختيارات والمصاعب التي اعترضتني من خلال القيام بهذا البحث المقتضب لإنجاز هذه الرسالة.
كما اشتملت على بيان الخطة المرسومة في هذه الرسالة، وعلى بيان المنهج المتبع في سبك نظام هذا البحث، وتمهيد المصادر، والفرق بينها وبين المراجع... إلخ.
ثالثا: تمهيد، وقد أشفعت البحث ببيان أسس ومقاصد الشريعة الإسلامية، وبيان خصائصها، ومرونتها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
رابعا: الفصل الأول: مفهوم المشقة في الشريعة الإسلامية.
وفيه مباحث:
المبحث الأول: تعريف المشقة.
المبحث الثاني: مفهوم قاعدة المشقة تجلب التيسير.
وفيه مطالب:
المطلب الأول: تعريف قاعدة المشقة.
المطلب الثاني: الحجية والاستدلال.
المطلب الثالث: أهمية هذه القاعدة ونشأتها.
المبحث الثالث: رفع الحرج في الشريعة.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الحرج في اللغة.
المطلب الثاني: تعريف الحرج في الاصطلاح.
خامسا: الفصل الثاني: دور المشقة في تخفيف الأحكام.
وفيه مباحث:
المبحث الأول: ضوابط المشقة وأسباب تخفيفها.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ضوابط المشقة.
المطلب الثاني: أسباب المشقة في تخفيف الأحكام.
المبحث الثاني: نماذج من تخفيف أحكام الطهارة.
المبحث الثالث: مخارج القواعد من المشقة.
سادسا: الخاتمة وقد ذكرت فيها جملة من نتائج هذه الرسالة، والإشارة إلى بعض مسائلها التي وردت من خلالها لعل الناظر يجد فيها ما يشير إلى مجملها ومقاصد فحواها.
سابعا: المصادر والمراجع المعتمد عليها.
وقد اعتنيت في هذه الرسالة بأهمية الرجوع إلى المصادر الأولى التي تشير إلى هذا الموضوع بالأساس، ولا بأس أن أشير إلى أهمها فيما يلي:
ـ كتاب الموافقات في أصول الشريعة، للإمام أبي إسحاق الشاطبي الغرناطي المالكي ت 790هـ.
ـ كتاب الأشباه والنظائر، للإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي ت 911هـ.
ـ إيضاح المسالك إلى قواعد مذهب الإمام مالك، لأحمد بن يحي الونشريسي، ت 914هـ.
ـ كتاب المنهج المنتخب، لعلي بن قاسم الزقاق الفاسي، ت 912هـ، مع شرحه للعلامة محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني، ت 1325هـ.
ـ الفروق، للإمام القرافي المالكي ت684هـ، وفي علم الاصول في كتابه تنقيح الفصول، وإحكام الاحكام للأمدي، وغيرها.
ومن المراجع التي استفدت منها في هذه الرسالة المباركة مؤلفات عديدة وبحوث معاصرة، وشروح، وفتاوى، ونوازل.
وكتب أخرى مختلفة في موضوع هذا الفن ومراجعه، سيأتي ذكرها ـ إن شاء الله ـ في آخر البحث حيث الفهارس.
ثامنا: المنهج المتبع في البحث.
وقد نهجت خلال هذا البحث الطريقة المعتبرة في نهج البحث العلمي ـ حسب المستطاع ـ في التوثيق والترجمة لغير المشهورين، وإخراج الآثار، والسور، والتعريف بالمصادر المعتمد عليها في هذه الرسالة، والإتيان بفهارس علمية، وتقسيمها إلى فهارس الآيات، والآثار، والأعلام، والمصادر، والموضوعات.
والأخذ في ذلك كله بعين الاعتبار، وإن لم يوجد من التوثيق شيء حيث اتضح المصدر، فذلك عائد لمصادري الأساسية التي نبهت عليها آنفا، وهذا هو فائدة ذكرها، إذ أن بعض الباحثين يهتم بتوثيق كل معلومة، ويرى ذلك من التفوق، والتقدم في البحث، وقد قيل: (عزو الواضح من الفاضح).
ولست بمدع الكمال فيما أقوم به، بل الحق أقول، لست من أهل هذا الفن، وما كنت أعلم عنه إلا القليل جدا، ولكني أعملت فكري وطالعت فسجلت، وتدبرت فلخصت ما كتبت، وحللت ما فهمت، مع التقصير فيه، وضيق الوقت، وكثرة الانشغالات، فإن أخطأت مع الاجتهاد، فلي أجره، وإن أصبت فلله نعماه وفضله وعلمه عنده يعطيه من يشاء. والله يوفقنا ويكلؤنا وإليه مرجعنا ومصيرنا.
تمهيد:
في بيان مقاصد الشريعة وخصائصها، ومرونتها لكل زمان ومكان، وتيسيرها على المكلفين.
لا يخفى أن الغاية من خلق المكلفين إنسهم وجنهم، هو تكليفهم بعبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} الاية.
ولكن الله تعالى خلق الخلق غير عالمين بوجوه مصالحهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة، كما قال تعالى ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا )
ثم وضع فيهم العلم بسنة التدرج والتربية وتارة بالإلهام كما يلهم الطفل التقام الثدي ومصه.
وتارة بالتعلم والتعليم لجميع ما يستجلب به المصالح ، وكافة ما تدرأ به المفاسد إنهاضا لما جبل فيهم من تلك الغرائز الفطرية والمطالب الإلهامية، لأن ذلك كالأصل للقيام بتفاصيل المصالح ـ كان ذلك من قبيل الأفعال أو الأقوال أو العلوم والاعتقادات أو الآداب الشرعية أو العادية.
ثم إنه تعالى خاطب الناس في ابتداء التكليف خطاب التعريف بما أنعم عليهم من الطيبات والمصالح، التي بثها في هذا الوجود لأجلهم، ولحصول منافعهم ومرافقهم التي يقوم بها عيشهم، وتكمل بها تصرفاتهم، كقوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} وقوله { هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون} .
وقد نبه الإمام الشاطبي رحمه الله إلى جوانب مهمة من مقاصد الشريعة ومراعاتها لمصالح الإنسان، وضرورة التيسير في تشريع الأحكام على المكلفين، ومجانبتها لتكليفهم بما لا يطاق .
وأشير إلى بعض تلك المقاصد بتغيير واختصار حتى يتسنى للناظر أهمية النظر في فهم مقاصد الشريعة، ومسايرتها للزمان والمكان، ومرونتها في التدرج والتيسير على المكلفين.
وذلك فيما يلي:
1ـ إن تكاليف الشريعة الإسلامية ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد إما أن تكون ضرورية، أو حاجية، أو تحسينية.
فالضرورية: هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تبقى مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم.
وحفظها يكون بقيام أركانها وثبوت قواعدها، كما يكون برعايتها من جانب الاختلال من العدم.
فأصول العبادات راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود من وجوب جهاد، وصلاة وزكاة، وصيام، وعقوبة داعي البدع ونطق الشهادتين. وغير ذلك.
والعادات راجعة إلى حفظ النفس والعقل.
والمعاملات: ما كان راجعا إلى مصلحة الإنسان مع غيره كانتقال الأملاك بعوض أو بغير عوض، بعقد على الرقاب أو المنافع أو الأبضاع.
والضروريات خمسة: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل.
وأما الحاجيات: فما يفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوات المطلوب.
فإذا لم تراع وقع المكلفون في الحرج والمشقة.
ففي العبادات : كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر.
والعادات: كالتمتع بالطيبات مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا مما هو حلال، وكإباحة الصيد.
والمعاملات: ككل معاملات لا يتوقف عليه حفظ النفس من قراض ومساقات، وسلم، وكإلغاء توابع العقد على متبوعه، كثمر الشجر، ومال العبد.
والجنايات: كالحكم بالقسامة، وضرب الدية على العاقلة، وتضمين الصناع.
وأما التحسينات: فهي: الأخذ بالأحسن من العادات، وتجنب الأحوال التي تأنفها الراجحات، والمراد به قسم مكارم الأخلاق.
ففي العبادات: كإزالة النجاسة، وستر العورة، وأخذ الزينة، والتقرب نبوافل الخيرات والصدقات.
وفي العادات: كآداب المأكل والمشرب وتجنب المستخبثات منهما، والإسراف والإقتار.
وفي المعاملات: كمنع بيع النجاسات، وزيادة الماء والكلإ، وسلب المرأة منصب الإمامة، وإنكاح نفسها.
وفي الجنايات: كمنع قتل الحر بالعبد، أو قتل النساء، والصبيان، والرهبان في الجهاد.
2ـ المقاصد الضرورية أصل على الحاجية والتحسينية فلو اختل الضروري بإطلاق لا اختلا باختلاله، ولا يلزم من اختلالهما اختلال الضروري بإطلاق.
3ـ مقصد الشرع في الشريعة أن تكون عامة مطلقة، لا تختص بباب أو محل أو بمحل وفاق دون محل خلاف.
وبالجملة فالأمر بالمصالح مطرد مطلقا في كليات الشريعة وجزئياتها.
4ـ أن هذه الشريعة المباركة معصومة، كما أن صاحبها معصوم صلى الله عليه وسلم، كذلك ما اجتمعت عليه أمته صلى الله عليه وسلم معصوم.
لقوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وقوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}
5ـ إذا ثبتت قاعدة كلية في الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات فلا ترفعها آحاد الجزئيات فلا بد من المحافظة عليها بالنسبة إلى ما يقوم به الكلي وذلك الجزئي.
فالجزئيات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي أن لا يتخلف الكلي، فتتخلف مصلحته المقصودة بالتشريع.
6ـ الشريعة أمية لأن أهلها كذلك، فلا تحتاج في فهمها ومعرفة أوامرها ونواهيها إلى التوغل في العلوم الكونية من رياضيات وغيرها، فلذلك وسعت جمهور الخلق من عرب وغيرهم.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أمي، وأمته أمية كذلك، لقوله: [ بعثت إلى أمة أمية]، وقوله تعالى: { فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يومن بالله وكلماته}، وقوله صلى الله عليه وسلم: [نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا].
فليس لهم علم بالحساب ولا بالكتب القديمة، قال تعالى: { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك}.
وفي بيان هذه الأصول، والخصائص الأساسية في التخفيف على المكلف وتيسيره عليه، والتي راعها الشارع من خلال تكليف الإنسان بشرعه على وفق ما شرع وبين، حيث أتى المكلف بأدوات التخفيف والتيسير المأمور بها في محلها، كفاية وفائدة لمن تدبر ووعى.
وقد قيل: وقد يحوي التفاصيل من يستحضر الجملا.
الفصل الأول: مفهوم المشقة في الشريعة الإسلامية ، وفيه مبحثان :
المبحث الأول: تعريف المشقة.
1 ـ المشقة لغة: بالتحريك وتشديد القاف مصدر شق، يقال: شق عليه الأمر يشق شقا ومشقة أي ثقل عليه. قال ابن سيده: والشق والمشقة: الجهد والعناء.
وأصل اللفظ في المحسات، ثم استعمل في المعنويات، فقال أهل اللغة: شق عليه الامر صعب، وهم بشق من العيش ـ بكسر الشين ـ إذا كانوا في جهد .
قال ابن فارس: "الشين والقاف أصل واحد صحيح، يدل على انصداع في الشيء... إلخ. يقال: أصاب فلانا شق ومشقة؛ وذلك الأمر الشديد، كأنه في شدته يشق الإنسان شقا. قال الله تعالى: "وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس" . وقوله صلى الله عليه وسلم: {لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة}أي لولا أن أثقل عليهم من المشقة، وهي: الشدة.
2 ـ المشقة: اصطلاحا.
أما المشقة اصطلاحا، فقد يبدو هناك تقارب ما، بين المعنى اللغوي والاصطلاحي إذ لم أقف على تعريف فقهي خاص للمشقة اشتهر عن المتقدمين.
وربما كان غياب وجود تعريف للمشقة أدى لاستغنائهم بالمعنى اللغوي عن وضع تعريف اصطلاحي لها. ولما كان هناك عدم تفرقة بين المعنيين كانت إطلاقات تسمية الواجبات الشرعية تكليفا لما فيها من الكلفة، وهي المشقة، لأن التكاليف كلها شاقة وثقيلة.
وحين لم ينقل عنهم في ذلك تعريف مشهور، فقد عثرت على بعض الباحثين المتأخرين اعتمد تعريفات للمشقة استقوها في رأيي من المعنى اللغوي لعدم خروجها عن المقصود بالمعنى اللغوي العام.
ولذا فقد عرف بعض هؤلاء الباحثين المشقة بما يلي:
أ ـ " كل أمر يثقل فعله أو تركه، وهذا أمر منصرف إلى كل متعب وشاق ".
ويمكن وضع تعريف فقهي لها على وجه التقريب لا التحديد، فيقال هي:
ب ـ "التكاليف الشرعية التي فيها على النفس كلفة زائدة على المعتاد".
ويمكن أيضا تعريفها بأنها:
ج ـ "كل ما فيه صعوبة و شدة وثقل عند القيام به".
3 ـ التحليل : وإذا تمعن الناظر إلى ماهية هذه التعاريف لم يجد لها اختلافا، أو تباينا عن المعنى اللغوي.
سيما وأنها لم تخرج عن بعض معانيها اللغوية كالعناء، والجهد، والمشقة، والثقل، والصعوبة، وحدود الطاقة، وضيق الوسع ...
كما أنه من المعلوم أن الشرع لم يأت بما يشق على المكلفين أو يثقل عليهم، بل كلفهم من الأعمال بما يطيقون، مع التوسيع عليهم في دائرة الرخص.
ولكن معلوم أنه ما سميت الأوامر تكليفا إلا لما فيها من المشقة.
فالكلفة التي تلحق صاحبها بالعناء والجهد مثل الجهاد، والتعزير، والرجم، لا يشك في الجهد اللاحق بسبب ذلك.
فالتكليف : ما فيه إلزام مشقة على النفس، أو ما فيه طلب مشقة، على قولين.
وقد يقال بأنه لا يخلو عمل مطلوب شرعا من المشقة ولو لم يكن فيه إلا مجانبة الهوى ومخالفته لكان كافيا.
ومشقة المطلوبات الشرعية في سائر الأحوال والظروف معتادة لدخولها في حدود الاستطاعة كما قال تعالى:
{ فاتقوا الله ما استطعتم } وقوله عز وجل : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }
والله أعلم.
المبحث الثاني: مفهوم "قاعدة المشقة تجلب التيسير"وفيه مطلبان :
المطلب الأول : تعريف قاعدة المشقة.
فالقواعد: جمع قاعدة، وهي: الأساس الذي ينبني عليه الشيء سواء كان ذلك معنويا كقواعد الدين، وقواعد النحو، وقواعد الفقه، أو حسيا كقواعد البيت، ومنه قوله تعالى { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل }.
وفي مادة القاف في لسان العرب قال الزجاج: القواعد أساطين البنيان التي تعمده.
وفي الاصطلاح : فهي قانون يضبط أحكام عدد من المسائل لا حصر لها، وغالبا ما تصاغ بألفاظ قليلة أسلوبها موجز، ومعانيها واسعة.
وقد عرفها بعضهم بقوله:
" قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها "
فالقواعد إذن مجموعة من الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى قياس واحد يجمعها، أو إلى ضابط فقهي يربطها، فهي مبنية على الجمع، بين المسائل المتشابهة من الأحكام الفقهية.
والغرض منها تقريب المسائل الفقهية وتسهيلها.
يقول ناصر السعدي في تفسيره: بعد الكلام على قوله تعالى { وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم} قال: (وربما توهم متوهم أن هذا من باب تكليف ما لا يطاق، أو تكليف ما يشق، احترز منه بقوله: { وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي مشقة وعسر، بل يسره غاية التيسير، وسهله بغاية السهولة، فأولا ما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس، لا يثقلها ولا يؤدها، ثم إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف خفف ما أمر به، إما بإسقاطه أو إسقاط بعضه).
ثم قال: ويؤخذ من هذه الآية: (قاعدة شرعية ، وهي أن [ المشقة تجلب التيسير]، [والضروريات تبيح المحظورات] فيدخل في ذلك من الأحكام الفرعية شيء كثير معروف في كتب الأحكام).
و يقول الإمام الشاطبي: ( المقصد الشرعي من وضع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا).
وقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: [ لا يومن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به].
فالمقصود من هذه القاعدة أن المشقة المنتفية هي المشقة الحقيقية غير المعتادة التي ليس للشارع مقصد عن التكليف بها.
فليس كل ما يسميه فرد من الناس حرجا أو مشقة يكون معتبرا أو مستجلبا للتخفيف.
يذكر الشاطبي: ـ في مقصد الشارع من الرخص ـ أن رفع الحرج مقصود للشارع في الكليات، فلا تجد كلية شرعية مكلفا بها وفيها حرج كلي أو أكثري ألبتة، وهو مقتضى قوله: { وما جعل عليكم في الدين من حرج}.
ثم يقول: فإذا وجد في الجزئيات النوادر حرجا ومشقة، ولم يشرع فيه رخصة، ذلك أن اعتناء الشارع إنما هو منصرف إلى الكليات، لأن الرخص ليست بكليات، وإنما هي جزئيات.
وهذه القاعدة لا يدخل فيها من المشقة ما هو معارض به مما هو أعظم منها في دفع المشقات أو جلب المصالح، مما اعتبره الشرع ودعا إليه، سواء في ذلك الأمور العامة، كمشقة الجهاد أو الأمور الخاصة، كتطبيق الحدود والغرامات المالية، والعقوبات على الجنايات .
ويستحسن هنا قول أبي الطيب المتنبئ :
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال
المطلب الثاني: الحجية والاستدلال
إن قاعدة المشقة تجلب التيسير من القواعد المتفق عليها في الشريعة الإسلامية .
وقد تواترت الأدلة عليها من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ومن تتبع سيرة الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين لهم بإحسان، وجد أنهم أخذوا بمبدأ التيسير وابتعدوا عن الأعمال الشاقة.
وقد استدل الإمام الشاطبي في الموافقات لهذه القاعدة قائلا:
إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع، كما قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}.
وكل ما يدل على هذا المعنى، كقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقوله تعالى { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} وقوله تعالى : { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} .
2 ـ ومن السنة:
وقد كثرت أدلة قاعدة رفع الحرج والمشقة عن هذه الأمة في السنة المطهرة.
وقد أشار كل من الإمام ألشاطبي والحافظ السيوطي لكثير من هذه الأحاديث نشير لطرف منها فيما يلي :
1 ـ أخرج البخاري ومسلم ومالك والترمذي وغيرهم أنه صلى الله عليه وسلم [ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما]
2 ـ أخرج البخاري عنه صلى الله عليه وسلم قوله حين جاءه رجل فقال والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من اجل فلان مما يطيل لنا، قال فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبا منه يومئذ، ثم قال:[إن منكم منفرين].
وفي إحدى رواياته أيضا قوله صلى الله عليه وسلم [إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين].
3 ـ وقد جاء في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم [يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا].
4 ـ ومنه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم [ ليس من البر الصيام في السفر]، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم [ ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد ].
وإذا كان الشرع قد رفع الحرج وخفف من المشاق الكثير فإنه أيضا نهى عن التكلف والتعمق والتشديد في العمل في كل ما يشق على المكلفين، لأن التزام المشاق تكليف وعسر منهي عنه، كما جاء في قوله تعالى:
( قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ) وقوله (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) .
وقد جاء في السنة ما روي عن ابن عباس في قصة بقرة بني إسرائيل أنه قال: ( لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم).
وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم قوله
وقد نهى صلى الله عليه وسم : عن التبتل في العبادة، وقال ( من رغب عن سنتي فليس مني).
كما أمر صلى الله عليه وسلم بالترخيص قائلا
وقد رفض صلى الله عليه وسلم الإذن لمن عزموا على صيام النهار وقيام الليل واعتزال النساء فأمرهم بالتخفيف في أنواع الشدة والأغلال التي كانت في الأمم السابقة.
وقد روي عنه القصر والفطر في السفر والصلاة جالسا وكثير غيرها من الرخص الأخرى.
وجرى أصحابه صلى الله عليه وسلم على ذلك المجرى من الأخذ بالرخص ولا يعيب بعضهم على بعضهم.
فهذه الأدلة وغيرها تدل على أن أصل العزيمة وإن كان قطعيا، فإن أصل الترخيص قطعي أيضا.
وإن كان أصل الرخصة جزءا من العزيمة فذلك غير مؤثر، لأن الجزئي المستثنى من كلي معتبر في نفسه، لأنه من باب التخصيص للعموم أو تقييد المطلق، أو تخصيص قطعي بقطعي، لأن ورود الرخصة مقطوع به.
يقول شهاب الدين القرافي المالكي ت 684هـ في تنقيح الفصول في مبحث تعريف الرخصة والعزيمة:
بأن الرخصة لغة: ( مشتقة من الترخص، والرخص: هو اللين.
فهي: من حيث الجملة من السهولة والمسامحة واللين.
و اصطلاحا: عرفها بقوله: ( جواز الإقدام على الفعل مع اشتهار المانع منه شرعا).
معترضا على تعريف فخر الدين الرازي ت 606هـ للرخصة بقوله
وقد عرف العزيمة بأنها: ( جواز الإقدام مع عدم المانع ).
المطلب الثالث: أهمية هذه القاعدة ونشأتها
وهذه القاعدة أعني (المشقة تجلب التيسير) هي: المقصودة في الجملة بالبحث من خلال عنوان هذه الرسالة المباركة إن شاء الله تعالى.
وسوف أتوقف على الكلام على بعض جوانب مختلفة من هذه القاعدة المهمة، كما سأشير إلى مجمل مسائلها الفقهية فروعا وتطبيقا، إما بالتصريح أو التلويح.
ومن المعلوم أن مسائل هذه القاعدة لا تحصى وفروعها لا تستقصى، بل إن جميع القواعد قد ترجع إلى هذه القاعدة لعظمها في الشريعة الإسلامية ودلالتها على الكثير من نصوص الشريعة وأصولها.
ولذا فقد دلت الشريعة في كثير من نصوصها على رفع الحرج والمشقة عن المكلفين وتخفيفها عليهم.
فلم تكن التكاليف الشرعية بما فيه مشقة فادحة على المكلفين، ولو كان يقدر عليها ببذل جهود كبيرة.
و منشأ هذه القاعدة: فضل الله ورحمته بهذه الأمة فليس في هذه التكاليف الشرعية نحو قتل الإنسان نفسه، أو التصدق بجميع ماله .
يقول الشنقيطي: إن هذه الشريعة الحنيفية السمحة مبينة على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج، وقد رفع الله فيها الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا .
ثم قال: وهي إحدى القواعد الخمس، التي بنى عليها الفقه الإسلامي.
وقد قال ابن العربي في أحكام القرآن: ( هذا أصل عظيم في الدين وركن من أركان الشريعة، شرفت به أمتنا على الأمم فلم يحملنا إصرا، ولا كلفنا في مشقة أمرا، وقد كان من سلف بني إسرائيل إذا أصاب البول ثوب أحدهم قرضه بالمقراض فخفف الله الحرج عن هذه الأمة ورفعه عنهم.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه} .
وقد تقدم عن الإمام الشاطبي(أن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع، كما قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج )
ومن أهم هذه القاعدة أن كثرة تشعب مباحثها يقضي على أن مآل القواعد الفقهية يرجع إليها في النهاية.
ومن هذا ما ذكره الإمام السيوطي في الأشباه والنظائر: أن بعض أئمة الحنفية رد مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة، فبلغ ذلك القاضي حسينا فرد جميع مذهب الشافعي إلى أربع قواعد :
القاعدة الأولى: المشقة تجلب التيسير. للآية المذكورة آنفا، والحديث : { بعثت بالحنيفية السمحة) .
القاعدة الثانية: الضرر لا يزال. لقوله صلى الله عليه وسلم : لا ضرر وضرار .
القاعدة الثالثة: العادة محكمة. لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ) .
القاعدة الرابعة: اليقين لا يزال بالشك. وأصله قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته فيقول له أحدثت، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ).
وقد زاد بعض الفضلاء قاعدة أخرى وهي:
القاعدة الخامسة: الأمور بمقاصدها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات ).
وهو حديث: يدخل فيه ثلث العلم كما يروى عن الشافعي رحمه الله.
فتصير القواعد خمسا، مثل ما بنيت أركان الإسلام على خمس .
وقد درج على ذكر هذه القواعد الأربع مع زيادة الخامسة الشيخ سيد عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي الشنقيطي في مراقي السعود بقوله:
قد أسس الفقه على رفع الضرر وأن ما يشق يجلب الوطر
ونفي رفع القطع بالشك وأن يحكم العرف وزاد من فطن
كون الأمور تبع المقاصد ومع تكلف ببعض وارد
يقول: الفقيه الولاتي في رجوع المسائل الفقهية إلى هذه القواعد الخمس (وارد مع التكلف والتعسف).
ولو أريدت الأصول التي يرجع إليها جميع فروع الفقه مع وضوح الدلالة لزادت على المئين.
وقال تاج الدين السبكي : [ التحقيق عندي أنه إن أريد رجوع الفقه إلى هذه الخمس بتعسف وتكلف ، وقول جملي، فالخامسة داخلة في الأخيرة .
بل رجع العز بن عبد السلام الفقه كله إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد].
وقد ذكر السيوطي أنه بإمكان الكل الرجوع إلى اعتبار المصالح، لأن درء المفاسد من جملتها .
والأشبه عنده أن القاعدة التي تكفي عن هؤلاء القواعد كلها، هي قاعدة الضرر يزال، إذا قصد الرجوع للأصل.
وأما رجوعها بوضوح فقد تربو على الخمسين أو المئين.
وقبل أن أدخل في تطبيقات الأحكام في تخفيف المشقة في الشريعة الإسلامية ودورها في تخفيف أعباء الواجبات وتسهيلها على المكلفين لا بد من إلقاء نظرة على تعريف الحرج في مفهوم الشريعة الإسلامية.
باعتباره من لوازم المشقة إذ دلت عليه نصوص من الوحي كقوله تعالى : {وما جعل عليكم في الدين من حرج }... إلخ .
وسوف أتطرق في هذا المبحث على الكلام على مفهوم الحرج على مستوى اللغة والاصطلاح وهو :
المبحث الثالث: رفع الحرج في الشريعة ، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الحرج في اللغة
فالحرج: بفتح الراء وكسرها، ـ المكان الضيق الكثير الشجر لا تصل إليه الرعية، يقال : دخلوا في الحرج، وهو مجتمع الشجر ومتضايقه، وهم في حرجة ملتفة، وحرجات وحرج.
قال مجنون ليلى:
أيا حرجات الحي حين تحملوا بذي سلم لا جادكن ربيع
وأصل الكلمة اللغوي في المحسات، وهو: المكان الضيق الذي فيه شجر كثير ملتف، ثم وقع توسع في استعماله في المعنويات.
وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في أكثر من موضع، كما قال تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج }
و قوله: { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا من ما قضيت ويسلموا تسليما}
وقوله تعالى: {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له}.
المطلب الثاني: الحرج اصطلاحا.
فالحرج: اصطلاحا.
يبدو أنه ليس للحرج اصطلاح معروف، عن المتقدمين حتى نرجع إليه، وربما كان ذلك لتقارب المعنيين اللغوي والاصطلاحي
وقد يوجد له تفسير لبعض الباحثين يقرب جعله تعريفا، وربما كان تعريفا مستقى من المعنى اللغوي.
فقد ذكر بعض الباحثين أن الحرج الشرعي المعتبر هو:
( كل ما أدى إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالا أو مآلا ) .
يقول الامام الشاطبي: ـ في مبحث العام الجاري على عمومه على كل حال من غير تخصيص بشرط إذا اتحد ، وانتشر ، وتكرر في أبواب الشريعة، بدليل ثبوت الاستقراء ـ قائلا:
[ إن الشريعة قررت أن لا حرج علينا في الدين في مواضع كثيرة، ولم تستثن منه موضعا ولا حالا].
فعده علماء الملة أصلا مطردا ، وعموما مرجوعا إليه من غير استثناء ، ـ يعني من قولهم "ما من عام إلا وخصص" ـ ولا طلب مخصص، ولا احتشام من إلزام الحكم به ، ولا توقف في مقتضاه.
وليس ذلك إلا لما فهموا من تكرار أو تأكيد لأجل قصد التعميم التام ] " .
وقد ذكر ـ رحمه الله ـ في مبحث الحرج، ـ في كتاب المقاصد، طرفا من بيان تفسير الحرج ـ وسأذكر من كلامه ـ بتلخيص ـ ما يرسم المعنى الحقيقي للحرج، سيما وأنه أسند إلى ابن عباس تفسيره للآية حيث يقول: قال ابن عباس في قوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج} ( إنما ذلك سعة الإسلام ما جعل الله من التوبة والكفارات.
وقال عكرمة: ما أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع.
وعن عبيد بن عمير أنه جاء في أناس من قومه إلى ابن عباس فسأله عن الحرج، فقال أو لستم العرب؟ ثم قال ادع لي رجلا من هذيل فقال ما الحرج فيكم؟ قال: (الحرجة من الشجر ما ليس له مخرج ).
قال ابن عباس: ( ذلك الحرج ما لا مخرج له )، فانظر كيف جعل الحرج ما لا مخرج له، وفسر رفعه بشرع التوبة والكفارات،
ثم قال : (وأصل الحرج الضيق، فما كان من معتادات المشقات في الأعمال المعتاد مثلها فليس بحرج لغة ولا شرعا).
والله تعالى أعلم، وهو الموفق للصواب.
الفصل الثاني : دور المشقة في تخفيف الأحكام ، وفيه مباحث
تمهيد :
لا شك أن للمشقة دورا كبيرا جدا في تخفيف بعض الأحكام عن المكلفين وتيسيرها.
ولذلك كثرت أسبابها وتنوعت مع أنها ينطبق عليها كلها وجود جنس المشقة.
فكان لتخفيف الأحكام مجالات وأسباب ناطها الشارع بها, وإن كان يصعب استقصاء هذه الاسباب لكثرتها وتنوعها.
ولكن سأذكر ـ إن شاء الله طرفا من هذه الأنواع حتى يتسنى للقارئ فحوى أسباب المشقة ليعرف مدى تخفيف أحكام الشريعة الاسلامية على المكلفين وتيسيرها عليهم رغم صعوبة تحديد وصف طائفة منها على وجه الدقة.
فبعض موجبات التيسير لا عسر في تحديده كما في نقص الرق، وأما غيره فيتفاوت أمر تحديده صعوبة وسهولة، لا سيما في عموم البلوى والنسيان.
فإن الشريعة الإسلامية ، لم تعلق التخفيف في بعض أحكامها على وجود المشقة أو عدمها.
وذلك لأن المشاق تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، والمشاق بالقوة والضعف، بحسب الأحوال، وبحسب قوة العزائم، وضعفها، وبحسب الأزمنة، وبحسب الأعمال.
فليس سفر الإنسان راكبا على الدابة أو ماشيا على الأقدام كسفره على السيارة أو الطيارة.
كما أن الأشخاص في تحمل المشاق يختلفون، فرب رجل جلد يصبر على قطع المسافة حتى صار ذلك عادة له، وآخر بخلافه، وكذلك يتحمل أحدهما في مرضه ما لا يتحمل الآخر.
وإذا كان الأمر كذلك، فليس للمشقة المعتبرة في التخفيف ضابط مخصوص ولا حد محدود يطرد في جميع الناس.
لذلك أقام الشارع السبب مقام العلة، فاعتبر السفر مثلا لأنه أقرب مظان وجود المشقة، وترك كثيرا منها موكولا إلى اجتهاد الشخص.
فمن المشاق ما ربطه الشارع بأسباب معينة، بحيث يدور التخفيف معها وجودا وعدما، كربط التخفيف ب السفر والإكراه والمرض والنسيان... الخ..
فالترخص في مثل هذا مطلوب لقوله ( ليس من البر الصيام في السفر ) .
ومنها مشاق أخرى لم يرد بشأنها من الشارع ضبط ولا تحديد.
ولهذه أنواع ، سيتم تحديدها في الضوابط الآتية إن شاء الله تعالى .
المبحث الأول: ضوابط المشقة وأسباب تخفيفها ، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ضوابط المشقة .
قال العز بن عبد السلام: (من المشكل ضبط المشقة المقتضية للتخفيف كالمرض في الصوم فإنه إن ضبط بالمشقة فالمشقة غير مضبوطة).
ثم قال: (ومن ضبط ذلك بأقل مما ينطبق عليه الإسم كأهل الظاهر خلص من هذا الإشكال ) .
ويقول: في أهمية اختلاف المشاق التي اعتبرها الشارع ( وتختلف المشاق باختلاف العبادات باهتمام الشرع.
( فما اشتد اهتمامه به، شرط في تخفيفه المشاق الشديدة أو العامة، وما لم يهتم به خففه بالمشاق الخفيفة) ،
وقد تخفف مشاقه مع شرفه وعلو مرتبته لتكرر مشاقه، كي لا يؤدي إلى المشاق العامة الكثيرة الوقوع ).
ويمكن تفصيل الكلام في هذا المطلب حتى تتضح ضوابط المشقة المقتضية للتخفيف .
يقول الفقيه الولاتي : في تقسم ضابط المشقة من حيث تخفيف الأحكام على المكلفين إلى مشقتين:
المشقة الاولى :
مشقة لا تنفك عنها العبادة، فلا يوجب تخفيفا, لأنها قررت معه كالوضوء في البرد، والصوم في الحر.
المشقة الثانية:
مشقة نتفك عنها العبادة, وهو ثلاثة أقسام:
القسم الأول: إن كان في مرتبة الضروريات عفي عنه إجماعا. ككونه في هلاك نفس، أو عضو.
القسم الثاني: إن كان في مرتبة التتميمات لم يعف عنه إجماعا، كوجود جهد خفيف فغير معتبر.
القسم الثالث: إن كان في مرتبة الحاجيات، فهو محل خلاف بين العلماء، كوجود مرض خفيف .
بعد هذا التقسيم المشقة الأولى : مشقة لا تنفك عنها العبادة غالباً .
المشقة الثانية: مشقة تنفك عنها العبادات غالباً .
المشقة الأولى :
وهي المشقة التي لا تنفك عنها العبادة غالباً.
ونشير لأمثلة منها كما يلي:
1ـ مشقة البرد و الوضوء والغسل .
2ـ مشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار .
3ـ مشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها .
4 ـ مشقة ألم الحدود ورجم الزناة، وقتل الجناة.
فلا أثر لهذه المشقة المذكورة في إسقاط العبادات في كل الأوقات.
المشقة الثانية:
وهي التي تنفك عنها العبادة غالبا .
وقد قسم السيوطي هذه المشقة المذكورة على مراتب :
المرتبة الأولى: مشقة عظيمة فادحة : مثل ما يلي :
1ـ مشقة الخوف على الأنفس .
2ـ مشقة الأطراف ومنافع الأعضاء .
فهذه موجبة للترخيص والتخفيف قطعا، لأن حفظ النفوس والأطراف لإقامة مصالح الدين، أولى من تعريضها للفوات في عبادة يفوت بها أمثالها.
المرتبة الثانية : مشقة خفيفة لا وقع لها، مثل ما يلي:
1ـ مشقة أدنى وجع بالأصبع أو أدنى وجع ببعض الأعضاء الأخرى .
2ـ أدنى صداع في الرأس أو سوء مزاج خفيف، فلا أثر لها .
المرتبة الثالثة :
مشقة متوسطة بين هاتين المرتبتين ، فما دنا من المرتبة العليا أوجب التخفيف ، وما دنا من المرتبة الدنيا لم يوجبه .
وذلك كحمى خفيفة ووجع الضرس اليسير .
وأما ما تردد في إلحاقه بأيهما اختلف فيه، ولا ضابط لهذه المراتب إلا بالتقرب.
وقد ذكر السيوطي في كتابه الأشباه نقلا عن العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام أن تخفيفات الشرع ستة أنواع .
وأشير لطرف منها فيما يلي :
الأولى : تخفيف إسقاط.
مثل إسقاط صلاة الجمعة، والحج والعمرة، والجهاد بالأعذار
كالحائض و النفساء، وعدم وجوب الحج عمن لم يجد طريقا سوى البحر .
وكان الغالب عدم السلامة، وكذلك إسقاط وجوب الحج عن المرأة إذا لم تجد محرما.ً
الثاني : تخفيف تنقيص :
كقصر الصلاة الرباعية في السفر .
الثالث: تخفيف إبدال:
كإبدال الوضوء و الغسل بالتيمم عند عدم وجود الماء أو عدم القدرة على استعماله .
الرابع: تخفيف تقديم:
كالجمع بعرفات وتقديم صلاة العصر في وقت الظهر وصلاة العشاء في وقت المغرب .
الخامس: تخفيف تأخير:
كالجمع بمزدلفة وتأخير صوم رمضان للمريض والمسافر .
السادس: تخفيف اضطرار:
كشرب الخمر للغصة وأكل الميتة عند المسغبة وخشية الموت جوعاً
السابع: تخفيف تغيير: كتغيير نظم الصلاة للخوف .
أقسام الرخص خمسة أقسام :
القسم الأول : ما يجب فعله : كأكل الميتة للمضطرب والفطر لمن خاف الهلاك بغلبة الجوع والعطش وإن كان مقيماً صحيحاً وإساغة الغُصَّةِ بالخمر .
القسم الثاني: ما يندب فعله كالقصر في السفر والفطر لمن يشق عليه الصوم في السفر أو المرض، وجواز النظر إلى المخطوبة.
القسم الثالث : ما يباح فعله : كالسلم ،
القسم الرابع : رخص الأولى بالمكلف أن يفعلها : كالمسح على الخف والجمع، والفطر لمن لا يتضرر، و التيمم لمن وجد ماء يباع بأكثر من ثمن المثل وهو قادر عليه .
القسم الخامس : رخص يكره فعلها : كالقصر في أقل من ثلاث مراحل .
1 ـ يجوز للمسافر قصر الصلاة الرباعية لمشقة السفر .
2 ـ يجوز للطبيب النظر إلى موضع الألم في جسم المرأة المريضة للحاجة .
3 ـ التخفيف عن المريض والمسافر بالإفطار في رمضان المبارك للمشقة
4 ـ جواز المسح على الخفين بشروطه لما في نزعهما من المشقة
5 ـ النهي عن الصلاة في الهاجرة وذلك لمشقة الحر الشديد .
6 ـ يجوز للحائض والنفساء قراءة القرآن للضرورة والمشقة .
للقاعدة فروع كثيرة جداً مبثوثة في العبادات والمعاملات وأحكام الأسرة والجنايات وغيرها .
المطلب الثاني: أسباب المشقة في تخفيف الأحكام.
وقد ذكر طائفة من العلماء أسباب تخفيف المشقة في أحكام العبادات، والمعاملات كما فعل السيوطي وابن نجيم فحاولوا حصر هذه الأسباب في سبعة أنواع :
الأول: مشقة السفر
ولما كان السفر يغلب معه وقوع المشقة جعله الشارع سبباً من أسباب التيسير والتخفيف بمجرد حدوثه دون انتظار المشقة .
قال : الله تعالي)وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة(
وقال: تعالي)ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر(.
و قد ذكر السيوطي في الاشباه نقلا عن النووي أن رخص مشقة السفر ثمانية :
فمنها ما يختص بالطويل قطعاً وهو القصر والفطر والمسح أكثر من يوم وليلة .
ومنها ما لا يختص به قطعاً وهو ترك الجمعة وأكل الميتة .
ومنها ما فيه خلاف والأصح اختصاصه به وهو الجمع .
ومنها ما فيه خلاف والأصح عدم اختصاصه به وهو التنفل على الدابة وإسقاط الفرض بالتيمم .
الثاني: مشقة المرض.
وهو يدل في الأصل على كل ما يخرج به الإنسان من حد الصحة في أي شيء كان،
وقيل كل ما خرج بالكائن الحي عن حد الصحة و الاعتدال .
وفي الاصطلاح : حالة للبدن خارجة عن المجرى الطبيعي .
وقيل: عرض يطرأ على بدن الإنسان فيؤثر على طبيعته النفسية والخلقية ويؤدي إلى إضعاف البدن عن القيام بالمطلوب منه على الوجه المعتاد .
ويدل على اعتبار المرض سبباً للمشقة الموجبة للتيسير و التخفيف قول : الله تعالى ذكره )وإن كنتم مرضى أوعلى سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ( وقال : الله تعالى )فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك( .
وذكر السيوطي أن رخصه كثيرة، وسأذكر طرفا منها فيما يلي:
1ـ التيمم عند مشقة الماء، وعدم الكراهة في الاستعانة بمن يصب عليه أو يغسل أعضاءه.
2ـ القعود في صلاة الفرض، وخطبة الجمع، والاضطجاع في الصلاة والإيماء، والجمع بين الصلاتين على قول .
3ـ التخلف عن الجماعة والجمعة مع حصول الفضيلة.
4ـ الفطر في رمضان، وترك الصوم للشيخ الهرم مع الفدية، والانتقال من الصوم إلى الإطعام في الكفارة، والخروج من المعتكف، وعدم قطع التتابع المشروط في الاعتكاف .
5ـ الاستنابة في الحج، وفي رمي الجمار، وإباحة محظورات الإحرام مع الفدية.
6ـ التداوي بالنجاسات، وبالخمر على وجه، وإساغة اللقمة بها إذا غص بالاتفاق .
7ـ إباحة النظر إلى العورة والسوءتين.
الثالث: مشقة الإكراه.
ويدل على اعتبار الإكراه سببا من أسباب المشقة الموجبة للتيسير قوله الله تعالى)مَن كفر بالله مِن بعد إيمانه إلا مَن أُكره وقلبه مطمئِن بالإيمان( .
وقد خرج السيوطي في الأشباه جل طرق حديث ( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)
عن عدد من الصحابة عن ابن ماجه، وابن حبان، في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وغيرهم من حديث ابن عباس.
وقد حسن هذا الحديث بشواهد قوية تقضى للحديث بالصحة .
وقد اختلف علماء الأصول في تكليف المكره على قولين:
الأول: إذا وصل الإكراه إلى حد الإلجاء، لم يتعلق به حكم.
الثاني: إذا لم يصل إلى حد الإلجاء، فهو مختار، وتكليفه جائز شرعا وعقلا.
قال الغزالي : الإكراه يسقط أثر التصرف عندنا إلا في خمس مواضع، وذكر إسلام الحربي، والقتل، والإرضاع، والزنا، والطلاق.
وذكر النووي أنه يستثنى مائة مسألة لا أثر للإكراه فيها.
وقد ذكر السيوطي في (الأشباه) عددا من حالات الإكراه التي لا تسقط أثر التصرف على المكلفين .
وسأذكر طرفا منها فيما يلي :
1ـ الإكراه على الحدث لأنه من باب إتلاف الطهارة، والإكراه على إفساد الماء بالاستعمال، أو النجاسة، أو الإكراه على غسل النجاسة، أو تخليل الخمر، أو على ترك الطهارة أو الوضوء.
2ـ الإكراه على التحول عن القبلة في الصلاة فتبطل. أو فعل ينافي الصلاة فتبطل، أو الإكراه على ترك القيام في الفرض، أو الإكراه على تأخير الصلاة عن الوقت فتصير قضاء.
3ـ الإكراه على تأخر المتصارفين قبل القبض فيبطل، أو الإكراه على إتلاف مال الغير، فيطالب بالضمان، أو إتلاف الصيد.
4ـ الإكراه على منافيات الصوم او الإعتكاف، أو منافيات الحج.
5ـ إكراه الحربي على الإسلام، أو المرتد، أو الذمي.
6ـ الإكراه على القتل، أو الزنا، أو شهادة الزور، أوالحكم بالباطل، أو السرقة، أو الإرضاع، أو القذف.
الرابع:مشقة النسيان.
قال : الله تعالى)ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا(
ولحديث ابن عباس المتقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
وقد ذكر السيوطي أن القاعدة الفقهية تقتضي أن النسيان والجهل مسقطان للإثم مطلقا .
وأما الحكم فإن وقع في ترك مأمور لم يسقط، بل يجب تداركه، أو وقع في فعل منهي ليس من باب الإتلاف فلا شيء فيه، أو فيه إتلاف لم يسقط للضمان. الخ.
لذا يجب تدارك جملة من الأحكام والمسائل، فمن هذه المسائل على سبيل المثال ما يلي:
1ـ يجب تدارك الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والكفارة، والنذر، والوقوف بعرفة، بالقضاء بلا خلاف.
2ـ نسي الماء في الرحل وصلى بالتيمم ثم ذكره أعاد، أو صلى بنجاسة غير معفو عنها ناسيا أو جاهلا بها .
3ـ صلى ناسيا الفاتحة، أو صلى لسواد ظنه عدوا فبان خلافه، أو دفع الزكاة لمن ظنه فقيرا فبان غنيا... إلخ .
وقد ذكر السيوطي أن الصحيح في هذه المسائل عدم الإجراء، ووجوب الإعادة.
الخامس: مشقة الجهل:
وهو ضد العلم، والمقصود به هنا عدم العلم بأحكام الشريعة كلها أو بعضها .
وسأذكر طرفا من أحكام الجهل تبعا للإمام السيوطي فيما يلي:
1ـ من شرب خمرا جاهلا، فلا حد، ولا تعزير.
2ـ الإتيان بمفسدات العبادة ناسيا أو جاهلا، كالأكل في الصلاة، والصوم، وفعل ما ينافي الصلاة، من كلام وغيره، وجميع مفسدات الصوم، و الاعتكاف، والإحرام،
3ـ الاقتداء بمحدث وذي نجاسة .
وقد قرر السيوطي في هذه المسائل المذكورة عدم الإفساد، وعدم الكفارة، والفدية ...إلخ .
السادس: مشقة النقص :
فإنه نوع من المشقة فناسب التخفيف ، لأن النفوس مجبولة على حب الكمال
فمن تلك التخفيفات لداعي مشقة النقص مسائل أجمل الكلام عليها فيما يلي:
1ـ عدم تكليف الصبي والمجنون ، ففوض أمر أموالهما إلى الولي ووتربيته وحضانته إلى النساء رحمة عليه ولم يجبرهن على الحضانة تيسيرا عليهن .
2ـ عدم تكليف النساء بكثير مما يجب على الرجال كالجماعة والجمعة، الجهاد، والجزية، وتحمل العقل، ولبس الحرير.
3ـ عدم تكليف الأرقاء بكثير مما على الأحرار حتى صار كالنصف من الحر، في الحدود والعدد. إلخ .
السابع: مشقة العسر وعموم البلوى.
العسر: هو أن يجد الإنسان مشقة في تجنب الشيء و الاحتراز عنه.
أما عموم البلوى فهي شيوع البلاء بحيث يصعب على المرء التخلص منه أو الابتعاد عنه.
مثال : كصحة الصلاة مع وجود نجاسة . كدم القروح و الدمامل وغيرها مما يصعب على الإنسان التخلص منها .
لما جاء في البخاري عن ابن شهاب قال : حدثني حمزة بن عبدالله عن أبيه قال : كانت الكلاب تبول وتٌقبِل و تدبر في المسجد في زمان رسول الله فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك .
ويدخل في عموم البلوى والإكراه والجهل والنسيان أكثر مسائل الشرع وأصوله تخفيفا .
وجلها في مباحث رخص التخفيف و مسائلها .
وقد أشار السيوطي في الأشباه الى الكثير من هذه المسائل.
و سنذكر باختصار وتفسير طرفا منها فيما يلي :
1ـ الجمع في المطر، وترك الجماعة والجمعة بالأعذار المعروفة.
2ـ جواز تقديم نية الصوم على أوله.
3ـ إباحة لبس الحرير للحكة والقتال.
4ـ بيع الرمان والبيض في قشره الموصوف في الذمة وهو السلم، مع النهي عن بيع الغرر.
والاكتفاء برؤية ظاهر الصبرة وبارز الدار عن أسها.
5ـ مشروعية الخيار في البيع لما كان يقع غالبا من غير ترو، ويحصل فيه الندم فيشق على العاقد.
فسهل الشارع ذلك عليه بجواز الفسخ في مجلسه، فشرع الخيار ثلاثة أيام.
6ـ ومن التخفيف مشروعية الرد بالعيب والتحالف، والإقالة، و الحوالة، والرهن، والضمان، والإبراء والقرض.
ومنه أيضا الشركة، والصلح، والحجر، والوكالة، والإجارة، والمساقاة، والقراض، والمزارعة، والعارية، والوديعة.
يقول السيوطي قد جاء التخفيف في هذه المسائل للمشقة العظيمة في (أن كل أحد لا ينتفع إلا بما هو ملكه ولا يستوفي إلا بمن عليه حقه، ولا يأخذه إلا بكماله، ويتعاطى أموره بنفسه).
فخفف الأمر بإباحة الانتفاع بملك الغير بطريق الإجارة، أو الإعارة، أو القراض.
7ـ ومن التخفيف الاستعانة بالغير وكالة وإيداعا، وشركة وقراضا ومساقاة .
8ـ وبالاستيفاء من غير المديون حوالة، وبالتوثق على الدين برهن وضامن وكفيل وحجر وبإسقاط الدين صلحا أو كله إبراء.
9ـ ومن التخفيف أيضا جواز العقود الجائزة.
وفيما ذكرت من فروع هذا البحث وتطبيقاته كفاية وفائدة لمن تفهم.
المبحث الثاني: نماذج من تخفيف الأحكام في الطهارة
والكلام في أصل التخفيف ورفع الحرج يستوي فيه كل من أصناف المكلفين عموما، كما يشترك في عموم التكاليف الرجل والمرأة، فهما على حد سواء في أصل التكاليف على الجملة، وقد يقع فيه نوع من التخصيص والتفرقة كالجمعة، والجهاد، والإمامة ولو في النساء، ومنه التفرقة بين بول الصبي والصبية.
وقد يفترقان بالتكليف اللائق بكل واحد منهما، مثل الحيض، والنفاس، والعدة، وغير ذلك، بالنسبة للمرأة .
إذا فالتخفيف في التكليف يستويان فيه تقريبا على حد سواء.
ويتفرع من قاعدة (المشقة تجلب التيسير) كثير من المسائل الفقهية التي تتعلق بأغلب أبواب الفقه من عبادات ومعاملات.
وقد ذكرت كثيراً من فروع هذه القاعدة، من العبادات و المعاملات، عند بيان أسباب المشقة وضوابطها وأنواعها.
وسأذكر هنا مسائل من تخفيف الأحكام وتطبيقاتها في باب الطهارة تندرج ضمن هذه القاعدة، وذلك لسببين اثنين :
1ـ الدلالة على نموذج تطبيقي يتم به طروق بعض جوانب هذه القاعدة، كمثال على كثير من المسائل لم يتم الطروق إليها، إما لعدم اتساع الوقت، أو لخوف الخروج إلى التطويل.
وقد قيل: فما قل وأفاد خير مما كثر وزاد.
2ـ الدلالة على مرونة هذا الدين وتيسيره، فلا يختص عفوه عن المكلفين من أصحاب الأعذار، وإنما يعم جميع المكلفين في جوانب العبادات والمعاملات.
ومن هذه المسائل والتطبيقات ما يلي:
1ـ جعل التراب طهورا كالماء للتيمم عند مشقة استعمال الماء على حسب تفاصيله في الفقه وليس بمطهر كالماء.
2ـ التيمم لمن وجد ماء يباع بأكثر من ثمن المثل وهو قادر عليه.
3ـ إيجاب الغسل من خروج المني، دون المذي، والودي، والبول، وغيرها.
4 ـ سقوط الصلاة و الصوم عن الحائض، ثم قضاء الصوم دون الصلاة، لتكررها بخلاف الصوم.
5 ـ المسح على الجبائر .
6 ـ المسح على الخفين لمشقة النزع ورفع الضرر.
7 ـ العفو عن اليسير من طين الشوارع، ولو ظنت نجاستها، والرجوع إلى الظن في تطهير الأشياء إذا لم يمكن اليقين .
قال القرافي: ما يصنع الكفار من الأطعمة في أوانيهم وبأيديهم، وما يصنعه المسلمون الذين لا يتحفظون، الغالب نجاسته، والنادر سلامته، فألغى الشارع الغالب، واعتبر النادر لطفا بالعباد.
8 ـ إباحة استعمال النجاسة كإباحة الميتة للمضطر، ومال الغير مع ضمان البدل إذا اضطر، وإباحة ما تدعو إليه الحاجة .
9 ـ العفو عن الدم اليسير النجس من كل حيوان، إلا من الكلب والخنزير.
10 ـ العفو عن غسل ما دون الدرهم من الدم من الثوب فبقي غسله مندوبا قبل الدخول في الصلاة.
11 ـ الاكتفاء بالإستجمار الشرعي عن الاستنجاء .
12 ـ طهارة أفواه الصبيان، والاكتفاء بنضح بول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام لشهوة وقيئة.
قال القاضي عياض: يؤخذ من حديث أمامة [ التي كان صلى الله عليه وسلم يحملها في الصلاة] طهارة أبدان الصبيان وثيابهم.
قال ابن العربي: ليس بطاهر إن كان يتولى الغسل بنفسه، وإلا فهو طاهر إن كان له منظف.
قال في المنهج:
ونسج كافر وما قد صنعا كفاسق من كطعام وسعا
فيه، كلبس صبية ونقلا معافري نجس وقيل لا
إن استقل ولد بالغسل ....................إلخ.
ويجوز مس المصحف للصبي المحدث للتعلم ، بخلاف غير المتعلم .
13 ـ العمل بالأصل في طهارة الأشياء وحلها .
فالأصل في المياه والأراضي والثياب والأواني وغيرها الطهارة، حتى تعلم نجاستها، والأصل في الأطعمة و الأشربة الحل إلا ما نص الشارع على تحريمه.
14ـ الصلاة مع النجاسة المعفو عنها، كدم القروح والدمامل والبراغيث والقيح، والصديد، وطين الشوارع، وأثر نجاسة عسر زوالها، و ذرق الطيور إذا عم في المساجد والمطاف .
15ـ العفو عما لا يدركه الطرف، وما لا نفس له سائلة، وريق النائم وفم الهرة، وقليل الدخان والشعر النجس .
16ـ مشروعية الاستجمار بالحجر، وإباحة الإستدبار والاستقبال، في قضاء الحاجة في البنيان .
17ـ مسح الخف في الحضر لمشقة نزعه في كل وضوء.
وقد يجب المسح إذا كان عنده من الماء ما لا يكفيه لغسل كل أعضاء الوضوء، فيغسل أعضاءه ويمسح وجوبا على خفيه، خوفا من انتقاله من طهارة الوضوء إلى طهارة التيمم.
قال في دالية الألغاز:
وما متوض نزع خفيه لم يجز ومسحهما حتم عليه بلا رد
18ـ إباحة استعمال الماء مع طول المكث أو تغير بالطحلب أو السبخة أو الطين، وكل ما يعسر صونه عنه .
19ـ العفو عن لون النجاسة، أو ريحها، إذا عسر زواله إلا من الكلب والخنزير.
يقول الإمام السيوطي كل شيء يعفى عنه في المعفوات إلا في اثنين، وهما الكلب والخنزير.
20ـ الاستدبار في صلاة شدة الخوف، وإباحة النافلة على الدابة في السفر وإباحة القعود فيهما وكذا الاضطجاع .
21ـ الابراد بالظهر لشدة الحر بخلاف الجمعة لاستحباب التبكير .
للقاعدة فروع كثيرة جداً مبثوثة في العبادات والمعاملات وأحكام النكاح والجنايات وغيرها .
ونختم هذا البحث بما يلي:
أولا: يتبين أن السبب في رفع المشقة عن المكلفين هو الخوف من الانقطاع عن العبادة، أو نقصها، أو كراهة التكليف، أو الخوف من فساد، قد يحصل في عقله، أو جسمه، أو ماله، أو حاله، أو الخوف من التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع.
فربما كان التوغل في جزء منها يكون شاغلا عنها.
ثانيا: فالنهي لعلة معقولة المعنى مقصودة للشارع.
وإذا كان ذلك كذلك، فالنهي يدور مع العلة وجودا وعدما، فإذا وجد ما علل به الشارع، كان النهي موجودا وإذا لم توجد كان النهي مفقودا.
المبحث الثالث: مخارج القواعد من المشقة
من القواعد المتفرعة على قاعدة (المشقة تجلب التيسير)، ما يلي:
1ـ الضرورات تقدر بقدرها ، بشرط عدم نقصانها عنها .
أ ـ يدخل فيها جواز أكل الميتة عند المخمصة، وإساغة اللقمة بالخمر،
ب ـ التلفظ بكلمة الكفر، للإكراه، وإتلاف المال ، ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله.
2 ـ ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها.
ومن فروعها :
أ ـ المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر سد الرمق، يجوز أخذ نبات الحرم لعلف البهائم،الطعام بدار الحرب يؤخذ على سبيل الحاجة للضرورة.
ومنها:
ب ـ العفو: عن محل الإستجمار، وعن الطحلب في الماء، وعن ميت لا نفس له سائلة،
ج ـ أن لا يدخل في ستر الجبيرة ما كان صحيحا، ولا يظهر من المرأة للطبيب إلا لحاجة المرض.
فخرج منها العرايا، فهي للأغنياء والفقراء معا، والخلع، واللعان.
3 ـ الضرر لا يزال بالضر.
فمنها:
أ ـ عدم إجبار الجار على وضع الجذوع، وعدم إجبار السيد على نكاح العبد والأمة التي لا تحل له.
ب ـ لا يأكل مضطر طعام مضطر آخر، إلا نبيا، ولا أكل ولده أو عبده، أو قطع شيء من فخذه قصد أكله. فيه زيادات ....
4 ـ ارتكاب أخف الضررين.
فإذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما.
ونظير هذه القاعدة القاعدة المعروفة، وهي:
5 ـ درء المفاسد أولى من جلب المصالح .
فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالبا، لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.
قال السيوطي رحمه الله ومن هذا الحديث (سومح في ترك بعض الواجبات بأدنى مشقة، كالقيام في الصلاة والفطر والطهارة، ولم يسامح في الإقدام على المنهيات، وخصوصا الكبائر).
ومن فروع هذه القاعدة المذكورة ما يلي:
أـ المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة، ويكره للصائم.
ب ـ الصلاة مع اختلال شرط من شروطها كالطهارة، والستر والاستقبال، لما في ذلك من مفسدة الإخلال بجلال الله في أن لا يناجى إلا على أكمل الأحوال، ومتى تعذر ذلك جازت الصلاة بدونه تقديما لمصلحة الصلاة على هذه المفسدة.
ج ـ الكذب مفسدة محرمة، ومتى تضمن جلب مصلحة تربو عليه جاز.
كالكذب للإصلاح بين الناس، وبين الزوجين، لارتكاب أخف المفسدتين حقيقة.
5 ـ الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة أوخاصة، ومن فروعها إذا كانت عامة ما يلي:
أـ مشروعية الإجارة، مع ورود العقد فيها على منافع معدومة.
ومشروعية الجعالة، مع وجود الجهالة فيها. والحوالة، مع وجود بيع الدين بالدين. لشدة الحاجة لذلك، (والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة).
ب ـ إباحة الصلح، والنظر للمعاملة، والحاجة الخاصة، تنزل منزلة الضرورة.
مثل الأكل من الغنيمة في دار الحرب جائز للحاجة، وتضبيب الإناء بالفضة ، يجوز للحاجة.
وقد تقدم أن مسائل هذه القاعدة لا تحصى وفروعها لا تستقصى، بل إن غيرها من القواعد القواعد قد يعود إلى هذه القاعدة لعظمها في الشريعة الإسلامية ودلالتها على الكثير من نصوص الشريعة وأصولها.
وفيما ذكرنا كفاية لأولى النهى، ومن تدبر ووعى،
الخاتمة :
وباختتام الكلام وغض الطرف عن كثرة تعشب هذه القاعدة لا يسعني وأنا في نهاية ختام هذا البحث إلا أن أبين بعض ثمراته ونتائجه على سبيل الإيجاز ليأخذ القارئ لمحة موجزة عنه، وذلك فيما يلي:
1ـ أن (قاعدة المشقة) تدخل في كثير من بحوث وجوانب هذه القواعد، سيما وأنها تدل دلالة واضحة أنها تؤل في النهاية إلى هذه القاعدة لتداخلها في أكثر فروع الفقه الإسلامي ومباحثه.
2ـ أن وجود (قاعدة المشقة) كأساس في بنية الأحكام الشرعية تدل على أن الشريعة راعت جانبا مهما من جوانب مقاصدها، في رعاية مصالح العباد ودرء المفاسد عنها،
3ـ كما أنها راعت في مقاصدها حضور التيسير والتدرج والحكمة ومجانبة العسر، ودواعي الهوى.
4 ـ مشاق ربطها الشارع بأسباب معينة، بحيث يدور التخفيف معها وجودا وعدما، كربط التخفيف ب السفر والإكراه والمرض والنسيان... الخ.
5ـ مشاق لم يرد بشأنها من الشارع ضبط ولا تحديد، وهذه تتنوع إلى نوعين:
النوع الأول: مشاق ملازمة للعبادة، فلا يمكن تأدية العبادة بدونها كمشقة الوضوء مثلا، فهذه المشاق لا أثر لها في التخفيف.
النوع الثاني: مشاق منفكة عن العبادة في الغالب، وهذه ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: مشقة عظيمة كمشقة الخوف على النفوس، فهذه موجودة للتخفيف.
المرتبة الثانية: مشقة خفيفة كأدنى وجع الإصبع، فهذه لا أثر لها في التخفيف.
المرتبة الثالثة: مشقة واقعة بين المرتبتين، والضابط لها أنه ما كان منها قريب من المرتبة الأولى يلحق بها، فيكون مؤثرا في التخفيف، وما كان منها قريب من المرتبة الثانية يلحق بها فلا يكون مؤثرا في التخفيف، وما توسط بينهما، فمثل هذا النوع لا ضابط له، فيرجع فيه إلى العرف
و يتبين مما سبق في تقسيم المشاق، أن منها ما هو مانع من التكليف، كالمشقة الخارجة عن المعتاد، ومنها ما هو غير مانع من التكليف، كالمشقة الزائدة عن المعتادة، وهي المشقة الطبيعية التي يستطيع الإنسان تحملها دون إلحاق الضرر به.
وبالتطبيقات الفقهية على القاعدة تبين أن قاعدة (المشقة تجلب التيسير)، تحتل جزءا كبيرا في مجال التطبيق على الفروع الفقهية، فقد تأتي على جميع أبواب الفقه، فقلما يوجد باب من أبواب الفقه، إلا وللقاعدة أثر عليه، فما وجدت عزيمة إلا وجد في جانبها رخصة، إلا الشرك والقتل والزنا.
فهذه القاعدة تدخل جميع أبواب الفقه فمن كتاب الطهارة إلى كتاب القضاء، ولهذا فيجب الإدراك أن هذه القاعدة لها نصيب كبير في مجال فروع الفقه، ولكن أثرها في العبادات أكثر منه على المعاملات، ولذا فضلت البحث في فقه القواعد من خلال هذه القاعدة التي احتوت على غيرها فالبحث فيها يتطرق إليها جميعا لكثرة فوائدها.
فالحمد لله العلي الأجلل ... الواسع الفضل الكريم المجزل
وهو ضد العلم، والمقصود به هنا عدم العلم بأحكام الشريعة كلها أو بعضها .
وسأذكر طرفا من أحكام الجهل تبعا للإمام السيوطي فيما يلي:
1ـ من شرب خمرا جاهلا، فلا حد، ولا تعزير.
2ـ الإتيان بمفسدات العبادة ناسيا أو جاهلا، كالأكل في الصلاة، والصوم، وفعل ما ينافي الصلاة، من كلام وغيره، وجميع مفسدات الصوم، و الاعتكاف، والإحرام،
3ـ الاقتداء بمحدث وذي نجاسة .
وقد قرر السيوطي في هذه المسائل المذكورة عدم الإفساد، وعدم الكفارة، والفدية ...إلخ .
السادس: مشقة النقص :
فإنه نوع من المشقة فناسب التخفيف ، لأن النفوس مجبولة على حب الكمال
فمن تلك التخفيفات لداعي مشقة النقص مسائل أجمل الكلام عليها فيما يلي:
1ـ عدم تكليف الصبي والمجنون ، ففوض أمر أموالهما إلى الولي ووتربيته وحضانته إلى النساء رحمة عليه ولم يجبرهن على الحضانة تيسيرا عليهن .
2ـ عدم تكليف النساء بكثير مما يجب على الرجال كالجماعة والجمعة، الجهاد، والجزية، وتحمل العقل، ولبس الحرير.
3ـ عدم تكليف الأرقاء بكثير مما على الأحرار حتى صار كالنصف من الحر، في الحدود والعدد. إلخ .
السابع: مشقة العسر وعموم البلوى.
العسر: هو أن يجد الإنسان مشقة في تجنب الشيء و الاحتراز عنه.
أما عموم البلوى فهي شيوع البلاء بحيث يصعب على المرء التخلص منه أو الابتعاد عنه.
مثال : كصحة الصلاة مع وجود نجاسة . كدم القروح و الدمامل وغيرها مما يصعب على الإنسان التخلص منها .
لما جاء في البخاري عن ابن شهاب قال : حدثني حمزة بن عبدالله عن أبيه قال : كانت الكلاب تبول وتٌقبِل و تدبر في المسجد في زمان رسول الله فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك .
ويدخل في عموم البلوى والإكراه والجهل والنسيان أكثر مسائل الشرع وأصوله تخفيفا .
وجلها في مباحث رخص التخفيف و مسائلها .
وقد أشار السيوطي في الأشباه الى الكثير من هذه المسائل.
و سنذكر باختصار وتفسير طرفا منها فيما يلي :
1ـ الجمع في المطر، وترك الجماعة والجمعة بالأعذار المعروفة.
2ـ جواز تقديم نية الصوم على أوله.
3ـ إباحة لبس الحرير للحكة والقتال.
4ـ بيع الرمان والبيض في قشره الموصوف في الذمة وهو السلم، مع النهي عن بيع الغرر.
والاكتفاء برؤية ظاهر الصبرة وبارز الدار عن أسها.
5ـ مشروعية الخيار في البيع لما كان يقع غالبا من غير ترو، ويحصل فيه الندم فيشق على العاقد.
فسهل الشارع ذلك عليه بجواز الفسخ في مجلسه، فشرع الخيار ثلاثة أيام.
6ـ ومن التخفيف مشروعية الرد بالعيب والتحالف، والإقالة، و الحوالة، والرهن، والضمان، والإبراء والقرض.
ومنه أيضا الشركة، والصلح، والحجر، والوكالة، والإجارة، والمساقاة، والقراض، والمزارعة، والعارية، والوديعة.
يقول السيوطي قد جاء التخفيف في هذه المسائل للمشقة العظيمة في (أن كل أحد لا ينتفع إلا بما هو ملكه ولا يستوفي إلا بمن عليه حقه، ولا يأخذه إلا بكماله، ويتعاطى أموره بنفسه).
فخفف الأمر بإباحة الانتفاع بملك الغير بطريق الإجارة، أو الإعارة، أو القراض.
7ـ ومن التخفيف الاستعانة بالغير وكالة وإيداعا، وشركة وقراضا ومساقاة .
8ـ وبالاستيفاء من غير المديون حوالة، وبالتوثق على الدين برهن وضامن وكفيل وحجر وبإسقاط الدين صلحا أو كله إبراء.
9ـ ومن التخفيف أيضا جواز العقود الجائزة.
وفيما ذكرت من فروع هذا البحث وتطبيقاته كفاية وفائدة لمن تفهم.
المبحث الثاني: نماذج من تخفيف الأحكام في الطهارة
والكلام في أصل التخفيف ورفع الحرج يستوي فيه كل من أصناف المكلفين عموما، كما يشترك في عموم التكاليف الرجل والمرأة، فهما على حد سواء في أصل التكاليف على الجملة، وقد يقع فيه نوع من التخصيص والتفرقة كالجمعة، والجهاد، والإمامة ولو في النساء، ومنه التفرقة بين بول الصبي والصبية.
وقد يفترقان بالتكليف اللائق بكل واحد منهما، مثل الحيض، والنفاس، والعدة، وغير ذلك، بالنسبة للمرأة .
إذا فالتخفيف في التكليف يستويان فيه تقريبا على حد سواء.
ويتفرع من قاعدة (المشقة تجلب التيسير) كثير من المسائل الفقهية التي تتعلق بأغلب أبواب الفقه من عبادات ومعاملات.
وقد ذكرت كثيراً من فروع هذه القاعدة، من العبادات و المعاملات، عند بيان أسباب المشقة وضوابطها وأنواعها.
وسأذكر هنا مسائل من تخفيف الأحكام وتطبيقاتها في باب الطهارة تندرج ضمن هذه القاعدة، وذلك لسببين اثنين :
1ـ الدلالة على نموذج تطبيقي يتم به طروق بعض جوانب هذه القاعدة، كمثال على كثير من المسائل لم يتم الطروق إليها، إما لعدم اتساع الوقت، أو لخوف الخروج إلى التطويل.
وقد قيل: فما قل وأفاد خير مما كثر وزاد.
2ـ الدلالة على مرونة هذا الدين وتيسيره، فلا يختص عفوه عن المكلفين من أصحاب الأعذار، وإنما يعم جميع المكلفين في جوانب العبادات والمعاملات.
ومن هذه المسائل والتطبيقات ما يلي:
1ـ جعل التراب طهورا كالماء للتيمم عند مشقة استعمال الماء على حسب تفاصيله في الفقه وليس بمطهر كالماء.
2ـ التيمم لمن وجد ماء يباع بأكثر من ثمن المثل وهو قادر عليه.
3ـ إيجاب الغسل من خروج المني، دون المذي، والودي، والبول، وغيرها.
4 ـ سقوط الصلاة و الصوم عن الحائض، ثم قضاء الصوم دون الصلاة، لتكررها بخلاف الصوم.
5 ـ المسح على الجبائر .
6 ـ المسح على الخفين لمشقة النزع ورفع الضرر.
7 ـ العفو عن اليسير من طين الشوارع، ولو ظنت نجاستها، والرجوع إلى الظن في تطهير الأشياء إذا لم يمكن اليقين .
قال القرافي: ما يصنع الكفار من الأطعمة في أوانيهم وبأيديهم، وما يصنعه المسلمون الذين لا يتحفظون، الغالب نجاسته، والنادر سلامته، فألغى الشارع الغالب، واعتبر النادر لطفا بالعباد.
8 ـ إباحة استعمال النجاسة كإباحة الميتة للمضطر، ومال الغير مع ضمان البدل إذا اضطر، وإباحة ما تدعو إليه الحاجة .
9 ـ العفو عن الدم اليسير النجس من كل حيوان، إلا من الكلب والخنزير.
10 ـ العفو عن غسل ما دون الدرهم من الدم من الثوب فبقي غسله مندوبا قبل الدخول في الصلاة.
11 ـ الاكتفاء بالإستجمار الشرعي عن الاستنجاء .
12 ـ طهارة أفواه الصبيان، والاكتفاء بنضح بول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام لشهوة وقيئة.
قال القاضي عياض: يؤخذ من حديث أمامة [ التي كان صلى الله عليه وسلم يحملها في الصلاة] طهارة أبدان الصبيان وثيابهم.
قال ابن العربي: ليس بطاهر إن كان يتولى الغسل بنفسه، وإلا فهو طاهر إن كان له منظف.
قال في المنهج:
ونسج كافر وما قد صنعا كفاسق من كطعام وسعا
فيه، كلبس صبية ونقلا معافري نجس وقيل لا
إن استقل ولد بالغسل ....................إلخ.
ويجوز مس المصحف للصبي المحدث للتعلم ، بخلاف غير المتعلم .
13 ـ العمل بالأصل في طهارة الأشياء وحلها .
فالأصل في المياه والأراضي والثياب والأواني وغيرها الطهارة، حتى تعلم نجاستها، والأصل في الأطعمة و الأشربة الحل إلا ما نص الشارع على تحريمه.
14ـ الصلاة مع النجاسة المعفو عنها، كدم القروح والدمامل والبراغيث والقيح، والصديد، وطين الشوارع، وأثر نجاسة عسر زوالها، و ذرق الطيور إذا عم في المساجد والمطاف .
15ـ العفو عما لا يدركه الطرف، وما لا نفس له سائلة، وريق النائم وفم الهرة، وقليل الدخان والشعر النجس .
16ـ مشروعية الاستجمار بالحجر، وإباحة الإستدبار والاستقبال، في قضاء الحاجة في البنيان .
17ـ مسح الخف في الحضر لمشقة نزعه في كل وضوء.
وقد يجب المسح إذا كان عنده من الماء ما لا يكفيه لغسل كل أعضاء الوضوء، فيغسل أعضاءه ويمسح وجوبا على خفيه، خوفا من انتقاله من طهارة الوضوء إلى طهارة التيمم.
قال في دالية الألغاز:
وما متوض نزع خفيه لم يجز ومسحهما حتم عليه بلا رد
18ـ إباحة استعمال الماء مع طول المكث أو تغير بالطحلب أو السبخة أو الطين، وكل ما يعسر صونه عنه .
19ـ العفو عن لون النجاسة، أو ريحها، إذا عسر زواله إلا من الكلب والخنزير.
يقول الإمام السيوطي كل شيء يعفى عنه في المعفوات إلا في اثنين، وهما الكلب والخنزير.
20ـ الاستدبار في صلاة شدة الخوف، وإباحة النافلة على الدابة في السفر وإباحة القعود فيهما وكذا الاضطجاع .
21ـ الابراد بالظهر لشدة الحر بخلاف الجمعة لاستحباب التبكير .
للقاعدة فروع كثيرة جداً مبثوثة في العبادات والمعاملات وأحكام النكاح والجنايات وغيرها .
ونختم هذا البحث بما يلي:
أولا: يتبين أن السبب في رفع المشقة عن المكلفين هو الخوف من الانقطاع عن العبادة، أو نقصها، أو كراهة التكليف، أو الخوف من فساد، قد يحصل في عقله، أو جسمه، أو ماله، أو حاله، أو الخوف من التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع.
فربما كان التوغل في جزء منها يكون شاغلا عنها.
ثانيا: فالنهي لعلة معقولة المعنى مقصودة للشارع.
وإذا كان ذلك كذلك، فالنهي يدور مع العلة وجودا وعدما، فإذا وجد ما علل به الشارع، كان النهي موجودا وإذا لم توجد كان النهي مفقودا.
المبحث الثالث: مخارج القواعد من المشقة
من القواعد المتفرعة على قاعدة (المشقة تجلب التيسير)، ما يلي:
1ـ الضرورات تقدر بقدرها ، بشرط عدم نقصانها عنها .
أ ـ يدخل فيها جواز أكل الميتة عند المخمصة، وإساغة اللقمة بالخمر،
ب ـ التلفظ بكلمة الكفر، للإكراه، وإتلاف المال ، ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله.
2 ـ ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها.
ومن فروعها :
أ ـ المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر سد الرمق، يجوز أخذ نبات الحرم لعلف البهائم،الطعام بدار الحرب يؤخذ على سبيل الحاجة للضرورة.
ومنها:
ب ـ العفو: عن محل الإستجمار، وعن الطحلب في الماء، وعن ميت لا نفس له سائلة،
ج ـ أن لا يدخل في ستر الجبيرة ما كان صحيحا، ولا يظهر من المرأة للطبيب إلا لحاجة المرض.
فخرج منها العرايا، فهي للأغنياء والفقراء معا، والخلع، واللعان.
3 ـ الضرر لا يزال بالضر.
فمنها:
أ ـ عدم إجبار الجار على وضع الجذوع، وعدم إجبار السيد على نكاح العبد والأمة التي لا تحل له.
ب ـ لا يأكل مضطر طعام مضطر آخر، إلا نبيا، ولا أكل ولده أو عبده، أو قطع شيء من فخذه قصد أكله. فيه زيادات ....
4 ـ ارتكاب أخف الضررين.
فإذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما.
ونظير هذه القاعدة القاعدة المعروفة، وهي:
5 ـ درء المفاسد أولى من جلب المصالح .
فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالبا، لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.
قال السيوطي رحمه الله ومن هذا الحديث (سومح في ترك بعض الواجبات بأدنى مشقة، كالقيام في الصلاة والفطر والطهارة، ولم يسامح في الإقدام على المنهيات، وخصوصا الكبائر).
ومن فروع هذه القاعدة المذكورة ما يلي:
أـ المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة، ويكره للصائم.
ب ـ الصلاة مع اختلال شرط من شروطها كالطهارة، والستر والاستقبال، لما في ذلك من مفسدة الإخلال بجلال الله في أن لا يناجى إلا على أكمل الأحوال، ومتى تعذر ذلك جازت الصلاة بدونه تقديما لمصلحة الصلاة على هذه المفسدة.
ج ـ الكذب مفسدة محرمة، ومتى تضمن جلب مصلحة تربو عليه جاز.
كالكذب للإصلاح بين الناس، وبين الزوجين، لارتكاب أخف المفسدتين حقيقة.
5 ـ الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة أوخاصة، ومن فروعها إذا كانت عامة ما يلي:
أـ مشروعية الإجارة، مع ورود العقد فيها على منافع معدومة.
ومشروعية الجعالة، مع وجود الجهالة فيها. والحوالة، مع وجود بيع الدين بالدين. لشدة الحاجة لذلك، (والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة).
ب ـ إباحة الصلح، والنظر للمعاملة، والحاجة الخاصة، تنزل منزلة الضرورة.
مثل الأكل من الغنيمة في دار الحرب جائز للحاجة، وتضبيب الإناء بالفضة ، يجوز للحاجة.
وقد تقدم أن مسائل هذه القاعدة لا تحصى وفروعها لا تستقصى، بل إن غيرها من القواعد القواعد قد يعود إلى هذه القاعدة لعظمها في الشريعة الإسلامية ودلالتها على الكثير من نصوص الشريعة وأصولها.
وفيما ذكرنا كفاية لأولى النهى، ومن تدبر ووعى،
الخاتمة :
وباختتام الكلام وغض الطرف عن كثرة تعشب هذه القاعدة لا يسعني وأنا في نهاية ختام هذا البحث إلا أن أبين بعض ثمراته ونتائجه على سبيل الإيجاز ليأخذ القارئ لمحة موجزة عنه، وذلك فيما يلي:
1ـ أن (قاعدة المشقة) تدخل في كثير من بحوث وجوانب هذه القواعد، سيما وأنها تدل دلالة واضحة أنها تؤل في النهاية إلى هذه القاعدة لتداخلها في أكثر فروع الفقه الإسلامي ومباحثه.
2ـ أن وجود (قاعدة المشقة) كأساس في بنية الأحكام الشرعية تدل على أن الشريعة راعت جانبا مهما من جوانب مقاصدها، في رعاية مصالح العباد ودرء المفاسد عنها،
3ـ كما أنها راعت في مقاصدها حضور التيسير والتدرج والحكمة ومجانبة العسر، ودواعي الهوى.
4 ـ مشاق ربطها الشارع بأسباب معينة، بحيث يدور التخفيف معها وجودا وعدما، كربط التخفيف ب السفر والإكراه والمرض والنسيان... الخ.
5ـ مشاق لم يرد بشأنها من الشارع ضبط ولا تحديد، وهذه تتنوع إلى نوعين:
النوع الأول: مشاق ملازمة للعبادة، فلا يمكن تأدية العبادة بدونها كمشقة الوضوء مثلا، فهذه المشاق لا أثر لها في التخفيف.
النوع الثاني: مشاق منفكة عن العبادة في الغالب، وهذه ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: مشقة عظيمة كمشقة الخوف على النفوس، فهذه موجودة للتخفيف.
المرتبة الثانية: مشقة خفيفة كأدنى وجع الإصبع، فهذه لا أثر لها في التخفيف.
المرتبة الثالثة: مشقة واقعة بين المرتبتين، والضابط لها أنه ما كان منها قريب من المرتبة الأولى يلحق بها، فيكون مؤثرا في التخفيف، وما كان منها قريب من المرتبة الثانية يلحق بها فلا يكون مؤثرا في التخفيف، وما توسط بينهما، فمثل هذا النوع لا ضابط له، فيرجع فيه إلى العرف
و يتبين مما سبق في تقسيم المشاق، أن منها ما هو مانع من التكليف، كالمشقة الخارجة عن المعتاد، ومنها ما هو غير مانع من التكليف، كالمشقة الزائدة عن المعتادة، وهي المشقة الطبيعية التي يستطيع الإنسان تحملها دون إلحاق الضرر به.
وبالتطبيقات الفقهية على القاعدة تبين أن قاعدة (المشقة تجلب التيسير)، تحتل جزءا كبيرا في مجال التطبيق على الفروع الفقهية، فقد تأتي على جميع أبواب الفقه، فقلما يوجد باب من أبواب الفقه، إلا وللقاعدة أثر عليه، فما وجدت عزيمة إلا وجد في جانبها رخصة، إلا الشرك والقتل والزنا.
فهذه القاعدة تدخل جميع أبواب الفقه فمن كتاب الطهارة إلى كتاب القضاء، ولهذا فيجب الإدراك أن هذه القاعدة لها نصيب كبير في مجال فروع الفقه، ولكن أثرها في العبادات أكثر منه على المعاملات، ولذا فضلت البحث في فقه القواعد من خلال هذه القاعدة التي احتوت على غيرها فالبحث فيها يتطرق إليها جميعا لكثرة فوائدها.
فالحمد لله العلي الأجلل ... الواسع الفضل الكريم المجزل
التسميات :
بحوث المجلة الأكاديمية
