مشاركة رئيس المركز في الندوة الدولية بالمركز الجامعي لدراسات التطرف العنيف، بالجامعة الإسلامية بلعيون الذي اقامها هذه السنة تحت شعار : المواطنة، الدين، التطرف...
وكانت مشاركته بعنوان:
المقاربة الفكرية ودورها في
التصدي لظاهرة التطرّف العنيف
المقدمة:
الحمد لله الذي شمل عباده برحمته ونجاهم من الكفر وظلمته وجعلهم وسطا لعظيم حكمته، والصلاة والسلام على من الامن والسلام وجعلهم أمة وسطاً لعظيم حكمته، والصلاة والسلام على
الكون بمبعثه، ليبلغ شرع ربه، فينهاهم عن الغلو والعنف والإفساد والتطرف وكل شر، ويأمرهم بالعدل والقسط وكل خير.
أما بعد: فقد صار الحديث عن التطرّف والإرهاب والغلو، والانحراف الخطير، ونحو ذلك من التغيرات الفكرية، هو شغل الناس الشاغل، حتى إن النفس صارت تمجه لكثرة ترديده سواء في الإعلام بأنواعه: المرئي والمسموع والمقروء، أم في أحاديث الناس ومجالسهم، فلا تكاد تقع عينك أو تسمع أذنك وأنت تقلب وسائل الاتصال إلا على مشاهد مروعة لضحايا هذا الانحراف الخطير، والتشوه الكبير في الفطرة الإنسانية، والذي لا يفرق بين صغير وكبير وغني وفقير ومسلم وغير مسلم، فليس للإنسانية والرحمة أي اعتبار عند أصحابه فهم يتقربون -بزعمهم- إلى الله بإراقة الدماء وقتل الأبرياء والإفساد في الأرض، والله لا يحب الفساد، كما قال جل وعلا: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}. البقرة: (٢٠٥).
وفي هذا العصر فإن المسلمين هم أكثر من اكتوى بنار التطرف والإرهاب، فها هي دماؤهم ومخيماتهم وأشلاء أطفالهم وبكاء نسائهم، ونهب مقدراتهم وضياع حاضرهم ومستقبلهم وتشتتهم في أصقاع الأرض تشهد على الوجه القبيح للغلو والإفساد والتطرف، وما فعل بهم على أيدي أبناء جلدتهم، فهل يعقل أن يكون هذا من تسلط الأعداء أو من ظلم الأقرباء.
وبعد ذلك يتهم الإسلام بأنه دين إرهاب وإفساد وتطرف، محتجين بأفعال هؤلاء القتلة، والإسلام يجرم أصحابها، ويبرأ من إجرامها، بل لا بد من النهوض بواجب دفع هذه التهمة عن ديننا الحنيف، وبيان صورة الإسلام الناصعة ورسالته الخالدة في إصلاح الكون وعمارته لا إفساده وتخريبه..
الإشكالية:
أيها الحضور الكرام: إن واقعنا الْيَوْم يشهد تخبطا وفوضى في المظاهر والأفكار والمفاهيم وتشويه التاريخ، والمصطلحات والتشريعات والفتوى بل واجترأ عليها ممن ليسوا لها بأهل، ودعوى الخروج على الحكام، والمرجعيات العلمية، وانتشار اللامذهبية، وانحسار أثر هذه المذاهب، فلو قامت الدعوة للإصلاح وتطوير وسائل الخطاب الديني بما يتوافق مع مراعاة مقاصد الشريعة السمحة، ووسطيته، ومتطلبات العصر وتغيراته المتلاحقة لم يصل الامر الى ما وصل اليه الْيَوْم، من تهمة الإسلام، وإلحاق المفاهيم والتشويه المضللة به..
ولبيان موقف الإسلام من الغلو والتطرف والإرهاب كان لزاماً علينا إذا أردنا دفع التهمة عن ديننا الحنيف وتشريعنا السمح أن نحرر المصطلحات وندقق فيها ولا يبقى دورنا مقتصراً على ترديد ما يقوله الآخرون، وهذه مسؤولية الجميع وعلى رأسهم العلماء، ونخبة المجتمع، والإعلام..
ومن هذه المصطلحات ما يلي:
مصطلح المقاربة الفكرية، ظاهرة التصدي، التطرّف، الغلو، التعصب، الإفساد، الاٍرهاب، الوسطية،
ونبدأ في شرح هذه المصطلحات وتوضيح مفاهيمها، وذلك فيما يلي:
أولا: تحديد مفهوم المقاربة.
يتحدد مفهوم المقاربة، بأنها: أساس نظري يتكون من مجموعة من المبادئ يتأسس عليها البرنامج أو المنهاج، وبناء عليه فالمقاربة هي الطريقة التي يتناول بها الدارس أو الباحث الموضوع، أو هي الطريقة التي يتقرب بها من الشيء المراد دراسته.
ويقول د. محمد المرجان: المقاربة هي: محاولة من أجل التدخل، من خلال اعتمادها على المناهج الملائمة التي يمكن أن تسهم في تقديم مقترحات تفسيرية بغرض إيجاد حل مقبول لظاهرة أو مشكلة اجتماعية أثيرت في المجتمع، وهي تسعى إلى تنظيم عالم غير مرتب عبر البحث عن القوانين التي تنظم الظاهرة وآليات اشتغالها وأشكال تطورها والتأثيرات التي تحدثها.
ولا بد في مفهوم المقاربة من مراعاة تحقيق أربعة عناصر متعارف عليها، وهي: التشخيص، والنقد، والمعالجة، والتوجيه، فإذا اردنا ان نتحدث من موضوع معالجة قضايا: التطرّف العنيف في بلد معين، فإننا بحاجة الى الاقتراب منه.
وهذا الاقتراب هو ما يسمى بالمقاربة، فهناك مقاربة تاريخية، ومقاربة سياسية، ومقاربة ثقافية، ومقاربة فكرية...إلى آخره.
إن بناء تصور صحيح عن "أبعاد التطرّف ودور التصدي له" يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تأخذ في الاعتبار المؤشرات التنظيرية وأبعادها الفكرية...
بناء على ماسبق يمكن القول بان المقاربة هي طريق يقربنا من الموضوع الذي نريد ان ندرسه.
وبعبارة تحليلة فإن المقاربة هي : مفتاح قراءة للواقع ...
تعريف معنى المقاربة لغة واصطلاحا:
قال في معجم المعاني: مُقارَبة: اسم مصدر قَارَب مقاربة، فمُقَارَبَةُ النَصٍّ، النَّظَرُ فِيهِ ، وتَحْلِيلُهُ لِمَعْرِفَةِ أَوْجُهِهِ.
أ - فالمقاربة في اللغة: مصدر غير ثلاثي على وزن مفاعلة، فعله قارب، على وزن فاعل، المضارع منه يقارب، ومثله قاتل، يقاتل، مقاتلة، خاصمه، يخاصمه، مخاصمة، وكلمة "قارب" في دلالتها اللغوية تعني: دناه، وحادثه بكلام حسن، فهو قربان، وهي قربى، ومنها تقاربا، ضد تباعدا.
ب - المقاربة اصطلاحا: يقصد بها الكيفية العامة، أو الخطة المستعملة لنشاط ما (مرتبطة بأهداف معينة)، والتي يراد منها دراسة وضعية، أو مسألة، أوحل مشكلة، أو بلوغ غاية معينة، أو الانطلاق في مشروع ما..
وعلى هذا فالمقاربة الفكرية: أساس لتطوير أساليب وأعمال فكرية قابلة لإنجاز شيء ما..
ج - فالمقاربة هي: الطريقة التي يتناول بها الشخص أو الدارس أو الباحث، الموضوع أو الطريقة التي يتقدَّم بها في الشيء.
ويمكن القول أيضا، بأن: المقارَبة أساس نظري يتكون مِن مجموعة من المبادئ يتأسَّس عليها برنامج نظري...
ثانيا: توجيه الظاهرة:
فالظاهرة نظرية أو مظهَر مِن مظاهر النشاط العقلي، هدفه إيجاد تفسير معقول للظاهرة أو الشيء أو الحدث المطلوب دراسته.
فالإنسان حينما يلاحِظ ظاهرة مِن الظواهر أو حدثًا مِن الأحداث، فإن العقل يقوم بعملية التصورات العقلية أو التخيُّلات الحدسية؛ واستعمال الأمور النقلية كي يستعين بها في تفسير ملاحظاته..
فالمقاربة من الناحية النظرية تعد مركز العلم ومحوَرَه ونواته، ولا بدَّ للنظرية أن تقوم بمهمة الشرح والتفسير والتنبؤ لهذه الظاهرة الفكرية حتى تودي دورَها كاملة.
فالنظرية بُنيان مِن المفاهيم المترابطة والتعريفات والمقولات التي تُقدِّم نظرة نظامية إلى الحوادث عن طريق تحديد العلاقات بين التحولات بهدف تفسير الحوادث والتنبؤ بها..
ثالثا: مفهوم التطرف وأنواعه
تُعد مشكلة التطرف من القضايا الرئيسية التي يهتم بها الكثير من المجتمعات المعاصرة، فهي قضية يومية تتعلق بحياة الانسان، وتمتد جذورها في التكوين الهيكلي للأفكار والمُثل والأيديولوجية التي يرتضيها المجتمع.
فالفكر المتطرف شأنه شأن أي نسق معرفي، فهو ظاهرة اجتماعية تتأثر، وتؤثر في غيرها من ظواهر مرتبطة إلى حد كبير بالظروف التاريخية والسياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من ظروف يتعرض لها المجتمع.
يُعد مفهوم التطرف من المفاهيم التي يصعب تحديدها أو إطلاق تعميمات بشأنها، نظراً إلى ما يُشير إليه المعنى اللغوي للتطرف من تجاوز لحد الاعتدال. وحد الاعتدال نسبي، يختلف من مجتمع إلى آخر وفقاً لنسق القيم السائدة في كل مجتمع.
فما يعتبره مجتمع من المجتمعات سلوكاً متطرفاً من الممكن أن يكون مألوفاً في مجتمع آخر، فالاعتدال والتطرف مرهونان بالمتغيرات البيئية والحضارية والثقافية والدينية والسياسية التي يمر بها المجتمع.
كما يتفاوت حد الاعتدال والتطرف من زمن إلى آخر، فما كان يُعد تطرفاً في الماضي ربما لا يكون كذلك في الوقت الحاضر، ومع ذلك حاول بعض الباحثين التوصل إلى تعريفات لمفهوم التطرف، نتناولها في ما يلي:
إن تعريف التطرف هو وصف لأعمال أو أفكار غير مبررة يستخدمها شخص ما، محاولاً إسكات الطرف الآخر، عبر وسائل العنف، محاولا لترويج قناعته.
وشاع استخدام مصطلحات التطرف بأنواع مختلفة ومتنوعة، ويطلق على الشخص اسم "متطرف" فيما لا يوجد جهة معينة تعتبر نفسها متطرفة علناً، ولكن قد تكون أفعالها تدعو للتطرف.
ويبدأ التطرف لدى الفرد أو مجموعة الأفراد بشكل عام من نظرة الرؤية الأحادية وعدم تقبل الطرف أو الأطراف الأخرى والاختلاف بينهما.
تعريف التطرف لغة واصطلاحا:
التطرف لغة: هو حد الشيء وحرفه، وعلى عدم الثبات في الأمر والابتعاد عن الوسطية والخروج عن المألوف البشري، ومجاوزة الحد والابتعاد عن الجماعة.
التطرف اصطلاحاً: هو الشدة، أو الإفراط بشيء، أو موقف معين، وهو أقصى الاتجاه أو النهاية والطرف، أو الحد الأقصى.
ويتم استخدام المطلحات المتعلقة بالتطرف، وتطلق على من يميلون لرؤية الاحتياج لتبني الأعمال المتطرفة بحالة معينة.
وحسب ما ورد في معجم الوسيط: فإن التطرف تم وصفه بعدم الاعتدال ومعنى "تطرف": تجاوز حد الاعتدال ولم يتوسط.
فالتطرّف لغة: الوقوف في الطرف، والطرف بالتحريك: جانب الشيء، ويستعمل في الأجسام والأوقات وغيرها.
واصطلاحاً: هو المغالاة السياسية أو الدينية أو المذهبية أو الفكرية، وهو أسلوب خطِر مدمر للفرد أو الجماعة.
والتطرف يقوم على التزمت في فهم النصوص الشرعية دون الرجوع لأهل الاختصاص، بل دون أن يملك أدنى مقومات التعامل مع تلك النصوص، وما يترتب على ذلك من انتصار لرأيه وفهمه، والدفاع عنه على أنه الإسلام وما سواه كفر..
هذا وقد نهى الشرع عن ذلك كله، قال صلى الله عليه وسلم: (وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أو لا).
وفي هذا توجيه نبوي شريف للمجتهد أن لا يتطرف ولا يتعصب لرأيه الذي أداه إليه اجتهاده فيراه أنه الحق والدين، وما خالفه الباطل والكفر.
أسباب التطرف:
هناك عدة أسباب تعزز من وجود التطرف وانتشاره لدى المجتمع أو لدى جماعة معينة عمن دونها، عندما تجد لذلك أرضية مناسبة.
ومن بين أبرز أسباب التطرف التي من شأنها أن تدعم وجود التطرف ما يلي:
أولا: الفقر، الذي يتفشى بين أفراد المجتمع حيث يتم استغلاله من قبل المتطرفين.
ثانيا: تفشي الظلم، وهو من الأسباب التي تزيد من انتشار التطرف كردة فعل.
ثالثا: الإقصاء، وهي من الأسباب التي تدعو أولئك الذين تم إقصاءهم للتطرف، بل وتدعو من يقصي الآخر للتطرف.
رابعا: الأزمات السياسية فهي من أبرز الأسباب التي تدعم تفشي التطرف بين أفراد المجتمع.
خامسا: المشاكل الاجتماعية المتنوعة التي تنتشر بين أفراد المجتمع وتدعو لحصول حالات تطرف لدى إحدى الجماعات.
أنواع التطرف
من خلال الرصد العام لمعاني التطرّف الفكرية، فإن أشكال التطرف وأنواعه متعددة ولا يمكن حصرها، ولكن نذكر بعض أنواعها المنتشرة في عالمنا، ويمكن تحديدها فيما يلي:
التطرف السياسي
ويقصد به التطرف الذي ينتهجه أفراد معارضون للدولة أو الدولة ذاتها.
ويحصل عندما تتجاوز الدولة المبادئ العامة الدولية والمواثيق والمعاهدات وتسلك طريق التطرف مستغلة السلطة التي بيدها.
أما التطرف الذي يحصل من المعارضين للدولة، فيحصل عندما يستخدم الأفراد أية وسائل أو طرق لمعارضة الدولة، ولا تبتعد هذه الطرق عن استخدام أعمال العنف.
التطرف الفكري:
ويعبر عن موقف فكري يتعصب بموجبه فرد أو مجموعة الأفراد اتجاه مبادئ معينة، ورفض أية مبادئ مخالفة لما يحملونه من أفكار.
ويتحقق التطرف الفكري عندما يصل الفرد أو مجموعة الأفراد إلى مرحلة عدم اقتناعهم بالثوابت، والأدلة المنطقية المخالفة لما يحملونه من أفكار، ويبقون مدافعين عن أفكارهم ولو أنها مبنية على خطأ.
فالتطرف الفكري إذن، عبارة عن الخروج عن القواعد الفكرية أو الثقافية التي يرتضيها المجتمع لأي موقف من المواقف التي اعتادها، ورغب عن الخروج عنها.
التطرف الديني أو الطائفي
يمكن تعريف التطرف الديني بعدم قبول أية طائفة دينية للتعايش مع غيرها، ومعاداة أي طوائف دينية أخرى، والتحريض على إلحاق الضرر بها.
ويحصل عندما يتشدد الأفراد في التدين والتعصب لدينهم أو طائفتهم المعينة مع عدم قبولهم العيش مع الأفراد المنتمين لأديان أو طوائف أخرى ومعاداتها.
فالتطرف: مجاوزة حد الاعتدال في السلوك الديني فكراً وعملاً، أو الخروج عن مسلك السلف في فهم الدين، وفي العمل به سواء بالتشدد أو بالتسيب والتفريط.
التطرف الثقافي
ويقصد به تجاوز حد الاعتدال والوسطية فيما يخص الأفكار والأحكام، والنظر للطرف الآخر المختلف، حيث يتبع الأفراد طريقة أو طائفة أو مذهبا ثقافيا معينا بطريقة متعصبة.
التطرف الأمني
ويقصد به تجاوز الحد المعتدل، والمتعارف عليه والوسطية، فيما يخص مجابهة أعمال الفوضى والإرهاب والعمليات الإجرامية الفردية.
ويحصل التطرف الأمني من سلطات الدولة الأمنية التي تستخدم الغلو في المراقبة والتدقيق.
التطرف الاجتماعي
ويقصد به التعصب لأفكار معينة مهما تكون بسيطة ويحصل في كافة القطاعات سواء التعليمية أو الصحية أو غيرها.
وقد تكون الأفكار المعينة متعلقة بخلفيات الأفراد التاريخية أو الثقافية أو غير ذلك.
وينمو عن ذلك حصول حالة من التطرف الاجتماعي اتجاه فرد أو مجموعة من الأفراد بسبب حدث ما.
التطرف الأخلاقي
ويعتمد على المبدأ الاخلاقي، والأفكار الميوعية والمضللة، والنشاطات المعادية للإسلام، وعلى نشاطات الحركات النسوية، والمنظمات التي تتجاوز الحد والمعقول والمنطق في معاداة بعض المفاهيم والتقاليد الاجتماعية والإسلامية.
وتعتمد مظاهر العدل والمساواة بين الجنسين كثير من مختلف نشاطات الحركات لدس سمها في المجتمع، بل تسعى إلى قمع بعض العادات التقليدية دونما سبب، اعتماداً على مبدأ أحقية الرجال بالعيش، والحقوق أكثر من النساء، أو حقوق المراة في اتخاذ حريتها وطريقها.. نحو الإلحادية والخروج عما يألفه المجتمع..
التطرف المظهري:
ويُقصد به إثارة الرأي العام بالخروج عما هو مألوف لدى العامة، من حيث المظهر، كارتداء ملابس مخالفة للجمهور، أو التبرج في الملبس، أو الحديث بطريقة تَجذب الانتباه.
بالإضافة لما سبق ذكره من أشكال التطرف، فهناك أشكال أخرى أقل شيوعاً، مثل التطرف في الاتجاهات الوجدانية، والتطرف في المشاعر، والتطرف في الرفض والاحتجاج على غياب العدالة الاجتماعية بصورها المختلفة في نظام المجتمع.
إن أشكال التطرف الأخرى متعددة، وما تم ذكره أعلاه ليس جميعها، بل إن التطرف موجود في أي مجال ما دام تجاوز الأفعال والنشاطات حد الوسطية والمنطق.
ومع اعتماد الفرد مبدأ تقبل الآخر والمواطنة والتعايش مع الغير، رغم اختلاف اعتقاداته أو شكله أو لونه أو تاريخه أو ثقافته، فيكون الشخص بعيداً عن التطرف بأي أشكاله.
الشباب والحل الجذري للتطرف
يُعتبر الشباب من أكثر فئات المجتمع عرضة للتطرف في السلوك، نظراً إلى ما تتميز به مرحلة الشباب من خصائص عمرية وسمات نفسية خاصة.
يميل الشباب إلى إحلال ثقافات خاصة بهم، ويحاولون من خلالها تأكيد خصوصيتهم، ورغبتهم في الاستقلال النسبي وعدم امتثالهم القِيَم والمعايير التي تقف أمام رغبتهم المنشودة.
وتظهر بين فئات الشباب مظاهر للاتجاهات المتطرفة، من أوضحها اتجاه بعضهم نحو العزلة والسلبية، واتباع البعض الآخر اتجاهات سلوكية متطرفة تصل إلى حد استخدام العنف والإرهاب، محاولين فرضها على الآخرين رغماً عنهم.
فثقافة الشباب نوع من اللغة والقيم الخاصة والتصرفات المتميزة التي يغلب عليها روح التمرد والعناد تجاه الكبار. وبذلك تتحول هذه الثقافة إلى ثقافة وظيفية، ربما لا تخدم عمليات البناء التي ينشدها المجتمع، وتتجه نحو اعتماد أفكار مضادة تعبر عن تحدٍ سافر للقيم والمعايير التي يرتضيها المجتمع لنفسه.
كما يغلب على ثقافة الشباب الطابع الراديكالي الذي يرفض القديم وينزع إلى التجديد وعدم الأخذ بالنظم التقليدية، فضلاً عن انفتاحهم على الأيديولوجيات الحديثة ورغبتهم في خلق مجتمع أفضل ملاءمة لهم.
إن انتقال بعض الأيديولوجيات الحديثة إلى مجتمع يعجز عن مسايرتها واستيعابها قد يُعرض البعض لمزيد من التوترات النفسية، والتي قد تؤول بهم إلى مشاعر الاغتراب.
وتختلف اتجاهات الشباب وأساليبهم السلوكية في التعبير عن الاحتجاج والاستياء باختلاف طبيعة مجتمعاتهم، كذلك تتأثر بطبيعة النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي القائم في المجتمع. إلا أن غالبية هذه الاتجاهات تكون في صورة خروج عن القواعد الفكرية والقيم والمعايير والأساليب السلوكية السائدة في المجتمع. ويعبرون عن ذلك إما بالعزلة والسلبية، أو اعتماد معايير مختلفة قد يصل الدفاع عنها إلى حد الاصطدام بالمجتمع واستخدام العنف.
وقد حاول عدد من الباحثين معالجة هذه النظرية وتفسير الاتجاهات المتطرفة وتحديد أبعادها ومسبباتها وخصائصها لدى الشباب.
وتنوعت توجهات الباحثين وتضاربت حول تحليل هذه النظرية، ولكن يرجع هذا التعدد والتنوع إلى تباين وجهات النظر في معالجة الجوانب المختلفة لتلك الاتجاهات في علاقتها بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمع.
كذلك يرجع هذا التنوع في المنطلقات النظرية التي تعالج تلك الاتجاهات المتطرفة في ما يتعلق بأوضاع الشباب واتجاهاتهم وقيمهم السلوكية وحركاتهم السياسية إلى نماذج الامتثال والمسايرة والرفض والمغايرة مع النسق القيمي السائد في المجتمع.
من الباحثين من يرى أن ما يعتمده الشباب من اتجاهات متطرفة ما هو إلا استجابة أو رد فعل لأحوالهم وأوضاعهم المعيشية.
فالفكر المتطرف: نتاج وحصيلة لما هو قائم بالفعل في المجتمع.
ويعتبر بعض الباحثين أن اعتماد الشباب الاتجاهات المتطرفة والفكر المتطرف مرده: يرجع إلى المرحلة النمائية التي يعيشها الشباب، وما تتميز به من خصائص تضعهم في مرحلة انتقالية بين الطفولة والرشد.
وهناك من يفسر تطرف الشباب بالصراع الثقافي الذي يعيشونه بين ثقافتين، هما ثقافة الطفولة وثقافة الرشد، والصراع بين القيم المعاصرة والقيم التقليدية.
إن الشخصية المتطرفة ما هي إلا إفراز طبيعي للتناقضات الاجتماعية والسياسية للمجتمع، تظهر في أشكال وصور مختلفة، منها انتهاك القواعد التي أرساها المجتمع كقيم اجتماعية تميزه، وإظهار العداء المقصود تجاه ما اعتمده المجتمع لنفسه وأفراده من أيديولوجيات وعادات وتقاليد، ويتجسد هذا الرفض المقصود والعداء السافر في أعمال التخريب، والخروج عن المشاركة الاجتماعية، والابتعاد عن الجماعة ومخالفتها، بصورة فردية أو جماعية أو تنظيمات متطرفة.
وَمِمَّا سبق يمكن القول بأهمية إيجاد مفاهيم تستند إلى إيجاد حلول للصراعات الفكرية والمجتمعية بدلا من اللجوء إلى العنف، مثل:
١- إيجاد مناخ فكري آمن في الأوساط العلمية، فيجب أن يحرص المجتمع على أن تكون المدارس والجامعات أماكن آمنة للطلاب من الأفكار الدخيلة والمضللة والمتطرفة والمتشددة، ليتم بناء جيل متعلم في مناخ فكري صالح..
٢- الحرية في الاختلاف والتنوع، كما يلزم أن توفر الجامعات ومراكز التنوع مناخا للتعبير عن آرائهم ومناقشة وجهات النظر المختلفة بأريحية تامة، وخلق بئات تعليمية آمنة لتعلم الافكار والمهارات الجديدة، مع توظيف آليات لتقويض ظاهرة التنمر والتصدي لجميع أشكال العنف الذي قد يرتكبه الطلاب أو أعضاء هيئة التدريس..
٣- الحق في التعليم: ينبغي أن يكون الحق في التعليم متاحاً للجميع. فيجب ألا تحول الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية للطلاب دون حقهم الاصيل في الحصول على التعليم الجيد.
كما يجب ألا يكون التنوع أو العرق أو اللغة أو الدين عائقا يحول دون حصولهم على التعليم الجيد كذلك.
٤- تنوع المعلمين: يجب أن يتم اختيار المعلمين من مختلف الخلفيات العرقية والاجتماعية والفكرية داخل المجتمع. فاختيار أعضاء هيئة ما، من شريحة مجتمعية واحدة فمن شأن ذلك أن يزيد مظاهر التفاوت الاجتماعي القائمة، ويؤدي إلى تعزيز الانقسام.
ومن الضروري أن يتم توفير الدعم والتدريب للمعلمين ليتمكنوا من توفير تجربة تعليمية ذات جودة عالية وشاملة لجميع المتعلمين لزرع قيم العدل والمواساة..
٥- إشراك الشباب في صنع القرار، نعم يجب منح الشباب دوراً أكبر في عمليات صنع القرار على المستويات المحلية والوطنية والاقليمية والدولية، ويركز كذلك على ضرورة تمكين الشباب ليكونوا كوادر فعالة قادرة على إحداث التغيير في مجتمعاتهم.
لما في ذلك من تعزيز أهمية دور الشباب وتوصيل أصواتهم. وعلى هذا النحو ينبغي تعزيز مشاركة الشباب ومنحهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم.
فهذه العوامل مهمة ومفيدة، لكنها وحدها لا تكفي بالضرورة للقضاء على تهديدات التطرف العنيف، لأن مراعاة تلك العوامل يمكن أن تسهم في عدم إثارة الانقسام والفرقة..
رابعا: مفهوم التعصب
يرتبط التطرف بالعديد من المصطلحات، منها التعصب، والجمود العقائدي والانغلاق العقلي. والتطرف بهذا المعنى هو أسلوب مُغلق للتفكير يتسم بعدم القدرة على تقبل أية معتقدات تختلف عن معتقدات الشخص أو الجماعة أو على التسامح معها.
إن التعصب هو انحراف عن معيار العقلانية لعدد من المعايير السلوكية المثالية، يكون على شكل حكم متعجل، ورفض تعديل مسبق أو تعميم مفرط، أو التفكير في إطار القوالب النمطية، ورفض تعديل الرأي في ظل ظهور دلائل جديدة، ورفض السماح أو الاهتمام بالفروق الفردية. ويتحول المتطرف من فكر أو سلوك مظهري إلى عمل سياسي. هنا يلجأ المتطرف إلى استخدام العنف في تحقيق المبادئ التي يؤمن بها الفرد أو جماعته الدينية أو السياسية أو الفئوية. وعندما تستطيع الجماعة المتطرفة أن تحقق بعض الانتصارات، أو تملك وسائل العنف والقوة، قد تلجأ ـ سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي أو الدولي ـ إلى استخدام الإرهاب الفكري أو النفسي أو المادي ضد كل من يقف عقبة أمام تحقيق أهدافها.
إن هذا يشكل صعوبة جمة، إذ يصعب تحديد أين يبدأ التطرف وأين ينتهي. فالمتطرف يبدأ كما يبدأ سائر الناس في موقفه من القاعدة الاجتماعية وفي اتجاهها الصحيح، ولا يمكن في هذه المرحلة مؤاخذته لأنه يتحرك مع القاعدة الاجتماعية وفي اتجاهها، بينما يمكن الدولة أن تؤاخذ المجرم أو تحاسبه من اللحظة الأولى لنشاطه، لأنه حركة في اتجاه مضاد للقاعدة الاجتماعية. ومن الصعوبة كذلك تحديد اللحظة التي يتجاوز فيها المتطرف حدود الحركة المقبولة اجتماعياً، والتي يمكن عندها فقط وصفه بالتطرف والغلو.
فمثلاً في حالة التطرف الديني، يكون الفرد متديناً عادياً يأخذ نفسه بتعاليم الدين ومبادئه، ويدعو الناس إلى الأخذ بذلك، وهو حتى هذه اللحظة يدعو إلى شيء لا يملك المجتمع إزاءه إلا تعبيراً عن الرضا والتشجيع. هذا الداعية غالباً ما يواصل مسيرته نحو التشدد مع نفسه أولاً ومع الناس، ثم يتجاوز ذلك إلى إصدار أحكام قاطعة بالإدانة على من لا يتبعه في مسيرته أو دعوته، وقد يتجاوز ذلك إلى اتخاذ موقف ثابت ودائم من المجتمع ومؤسساته وحكومته.
فالكراهية المطلقة للمخالفة في الرأي أو المعارضة الشديدة، أو حتى للإنسان بصفة عامة، بما في ذلك الذات. أنها كراهية مدمرة، والغضب يتفجر بلا مقدمات ليدمر كل ما حوله أو أمامه. وعلى المستوى السلوكي تظهر الاندفاعية من دون تعقل، ويميل سلوك التعصب دائماً إلى العنف.
مظاهر التعصب
تتمثل أهم مظاهر التعصب في ما يلي:
أ. إن أول مظهر من مظاهر التطرف هو التعصب للرأي تعصباً لا يعترف للآخرين برأي، وهذا يُشير إلى جمود المتعصب مما لا يسمح له برؤية مقاصد الشرع ولا ظروف العصر، ولا يسمح لنفسه بالحوار مع الآخرين. فالمتطرف يرى أنه وحده على الحق، وما عداه على الضلال، كذلك يسمح لنفسه بالاجتهاد في أدق القضايا الفقهية، ولكنه لا يجيز ذلك لعلماء العصر المتخصصين منفردين أو مجتمعين، ما داموا سيصلون إلى ما يخالف ما ذهب هو إليه.
ب. ومن مظاهر التعصب كذلك، التشدد والغلو في الرأي، ومحاسبة الناس على الجزئيات والفروع والنوافل، كأنها فرائض، والاهتمام بها والحكم على إهمالها بالكفر والإلحاد.
ج. وهناك مظهر آخر من مظاهر التطرف، وهو العنف في التعامل والخشونة في الأسلوب، دون التعامل بالحسنى، والحوار والاعتراف بالرأي الآخر.
د. ومن مظاهر التعصب والتشدد ولوازمه سوء الظن بالآخرين والنظر إليهم نظرة تشاؤمية لا ترى أعمالهم الحسنة، وتضخم من سيئاتهم، فالأصل هو الاتهام والإدانة. قد يكون مصدر ذلك هو الثقة الزائدة بالنفس التي قد تؤدي في مرحلة لاحقة بالمتطرف إلى ازدراء الغير.
هـ. يبلغ هذا التعصب والتطرف مداه حين يسقط في عصمة الآخرين ويستبيح دمائهم وأموالهم، وهم بالنسبة له متهمون بالخروج عن الدين. وتصل دائرة التطرف مداها في حكم الأقلية على الأكثرية بالكفر والإلحاد. إن هذه الظاهرة متكررة وليست وليدة العصر، بل وقعت في مختلف العصور وفي كل الديانات السماوية.
و. ومن مظاهر التعصب العزلة عن المجتمع، والعزلة تؤدي وظيفتين؛ الأولى: تجنب تقاليد المجتمع وترفعهم التعصبي من أن يشاركوا في نهج مناحه الفكرية؛ بدل إصلاحه بطرق سلمية، والوظيفة الأخرى: تكوين مجتمع خاص بهم تُطبق فيه أفكارهم ومعتقداتهم، وتتسع دائرة هذا المجتمع شيئاً فشيئاً حتى تستطيع غزو المجتمع من خارجه.
وكما هو واضح فإن الوظيفة الأولى فكرية دينية، بينما الوظيفة الأخرى سياسية حركية.
آثار التعصب والتطرف
أما عن الآثار الاجتماعية للتعصب والتطرف، فيمكن عرضها في ما يلي:
على أساس أن التعصب حالة من الجمود والانغلاق العقلي وتعطيل القدرات الذهنية عن الإبداع والابتكار، وعن إيجاد الحلول في عالم سريع التغير، فإن انتشار هذه الحالة يكون مهدِّداً، ليس لتطور المجتمع فحسب، بل لوجوده واستمراره.
والجدير بالذكر هنا أنه لا بد أن نُدرك أن التعصب سبب ونتيجة في آن واحد للتخلف والركود. وتتلخص آثار التطرف الخطيرة في ما يلي:
التدهور في الإنتاج، حيث إن أهم عنصر في قوى الإنتاج هو الإنسان العامل، الذي لا بد ـ لكي يطور إنتاجه ـ من أن تتطور قدراته العقلية، بحيث يكون قادراً على الإبداع والابتكار والتجديد. فإذا ما كان أسيراً لأفكار جامدة وعاجزاً عن التفكير وإعمال العقل، فإن ذلك يجعله متمسكاً بالأساليب البالية العتيقة في الإنتاج، بل بتنظيم العمليات الإنتاجية ذاتها كذلك.
ب. يمثل التعصب دائماً حنيناً إلى الماضي والعودة إلى الوراء، أي أنه يكون دائماً ذا منحى تعصب أيدلوجي لفكرة معينة، أو منخرط في التغالي على تنوع وثقافة المجتمع، وبالتالي فإنه يجر العلاقات الاجتماعية إلى أوضاع بالية لا تلائم تقدم العصر.
ج. يرتبط التطرف بالتعصب الأعمى والعنف، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى صراعات مدمرة داخل المجتمع.
د. يرتبط التعصب بالتدهور الثقافي والفكري والعلمي والفني، فهو قتل لأفكار الانسان باعتباره كائناً مبدعاً ذا ثمرة ونماء.
هـ. يُعطل التعصب الطاقات الإنسانية كافة ويستخدمها في الصراعات والعداءات، ويحول دون تكامل المجتمع.
و. إن التعصب نتاج وسبب من أسباب الغلو، وبالتالي يؤدي إلى عجز المجتمع عن التفكير في حلول مبدعة لمشكلاته وعن تطوير ذاته، ويصبح تابعاً ويفقد استقلاليته وتحديد مصيره ومستقبله.
أسباب التعصب الغلو
إن ظاهرة التعصب والغلو ظاهرة مركبة، وأسبابها كلها متشابكة متداخلة، وبالتالى فلا يتسنى أن ننتزع سبباً منها مع إغفال ما سواه، ومن أهم أسباب الغلو:
الجهل بأحكام الشريعة وعدم الفقه فى الدين
إن من أهم أسباب الغلو ضعف البصيرة بحقيقة الدين، وعدم التعمق فى فقهه، وعدم الإحاطة بأسراره ومقاصده، والتمسك بالمظاهر وجعلها المقياس الوحيد لتدين الفرد من عدمه، وغالبًا ما يكون هذا الجهل شائعًا بين أنواع من المتعلمين، أو من تلقوا العلم بالدين عن مصادر تصدر الغلو والتطرف، أو ممن تغذوا على الثقافات المعادية للدين.
وهذا النوع أشد خطرًا من الجاهل أصلاً؛ لأن الجاهل يدرك جهله، ويسعى لعلاجه بالسؤال، أما هؤلاء فلا يعترفون بقلة البضاعة ولا بالجهل بالفتوى والإفتاء، فيظنون أنفسهم من العلماء المعتبرين، فيتحدثون ويتصدرون ويفتون، فيقعون ويتعثرون، فيَضِلون ويُضلون.
وقد نبه الإمام الشاطبى على هذه الطائفة وخطرها، فقال فى إطار ذكره لأسباب الابتداع المفضى إلى التفرق: "أن يعتقد الإنسان فى نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد فى الدين، وهو لم يبلغ تلك الدرجة، فيعمل على ذلك، ويعد رأيه رأياً وخلافه خلافاً".
وهذا الصنف عد النبى (صلى الله عليه وسلم) ظهوره علامة على اقتراب الساعة، فقال (قبل الساعة سنون خداعاً يصدق فيهن الكاذب، ويكذب فيهن الصادق، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن، وينطق فيهن الرويبضة...
والرويبضة هو الرجل التافه الجاهل، يفتى فى أمور العامة، ويتكلم بما لا يعلم، وقد امتلأ عصرنا هذا بهذا الصنف ممن لا يحسنون قولاً ولا فعلاً.
ظهور هذا الصنف بجانب كونه سببًا للغلو هو كذلك سبب لنزع الخير وعموم الشر، يقول ابن مسعود "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ، فَإِذَا أَخَذُوهُ عَنْ أَصَاغِرِهِمْ، وَشِرَارِهِمْ هَلَكُوا"
فالحق: أن نصف العلم مع الغرور يضر أكثر من الجهل الكلى الذى يعترف صاحبه به، فهذا جهل بسيط، وذاك جهل مركب، وهو جهل من لا يدرى ويظن أنه يدري.
الاعتماد على مصادر غير شرعية للتحاكم إليها وحدها دون الاستعانة بالشريعة.
فالاعتماد على العقول المجردة، والفلسفات الفاسدة، أو الانحراف فى فهم النصوص من أسباب الغلو، ومن أشهر من غلا فى بعض المسائل لاعتماده العقل المجرد والفلسفات الوافدة الفارابى وابن سينا من فلاسفة الإسلام الذين خرجوا علينا بنظريات غريبة: كنظرية الفيض التى حاولوا من خلالها تفسير وجود الخلق، ونظرية الإشراق التى حاولوا من خلالها تفسير وحى الله إلى أنبيائه ورسله.
التعصب الأعمى للموروثات وللأشخاص
فالمغالى يتعصب لمورثاته ولمرجعياته الخاصة، ويعتبر كل ما يخالفهما، خروجًا ومروقًا، وقد يكون التعصب للرأي، أو لشخص معين يراه المتعصب مصدرًا للتشريع، ويضفى على قوله لونًا من القداسة، وقد ابتلى مجتمعنا بهذا الداء العضال، فابتلينا بأتباع فلان، وأنصار علان، الذين لا يرضون بقوله بديلاً ولو كان من كلام الله وكلام رسوله، فالتعصب مضاد للعلم، جالب للظلمة عدو للنور؛ ولذا كان التعصب من أقوى أسباب الغلو.
قوة ظهور موجات التسيب والتفريط والاستهانة بالشرع
يأتى رد فعل التساهل والتفريط قوياً لينتج غلواً، لأن كل فعل له رد فعل مساو فى القوة مضاد له فى الاتجاه، وفى التاريخ نماذج تؤكد هذا السبب، ومنها:
أ ــ غلو الخوارج كان رد فعل لتفريط المرجئة.
ب ـ غلو المشبهة كان رد فعل على تفريط المعطلة.
ج ــ غلو الشيعة كان رد فعل على تفريط واستهانة الخوارج بحق آل البيت.
الحرفية فى فهم النصوص
كذلك من الأسباب التى لها نصيب فى إشعال نار الغلو التقوقع على الظاهر والاقتصار عليه فى فهم النصوص الشرعية من غير تغلغل فى أسرارها ونفوذ إلى بواطنها، وفهم لفحواها ومقاصدها.
وتعد الظاهرة الحرفية النصية بعث لمنهج غلاة الخوارج وغيرهم، وهذا المنهج يلغى العقل تمامًا، وبالتالى يهمل القياس كمصدر من مصادر التشريع، كما أن أصحاب هذا المنهج واقفون على الظاهر، ولا ينظرون إلى علل الأحكام، ولا يلتفتون إلى فقه الواقع أو فقه المصالح، وبناء على هذا يخرجون علينا بأحكام غريبة لا سند لها إلا فهمهم السقيم.
ويترتب على هذا نتيجة النظرة إلى المجتمع بمنظار معاكس، فترى الغلاة يوزعون الاتهامات جزافاً، ويسرفون فى إطلاق الأحكام والفتاوى بالتحريم بأهوائهم مخالفين قوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} [سورة النحل آية: 116]،
والأمثلة على هذا من الواقع المعايش كثيرة جداً، فبعضهم يقول بحرمة الشرب قائماً والتبول قائماً، وبعضهم يحرم إطالة الثياب، وآخر يحرم حلق اللحية، وآخر يعتبر ترك الصلاة مطلقاً كفر، وغيره يعتبر التوسل شركًا... إلى غير ذلك من أمثلة يندى لها الجبين.
التركيز على المتشابهات وترك المحكمات، والاهتمام بالمسائل الخلافية
المتشابه هو الذى لا يتبين المراد من لفظه، والمحكم هو البين الواضح الذى لا يفتقر فى بيان معناه إلى غيره.
فاتباع المتشابهات والتمسك بها من أسباب الغلو، وهذا شأن الذين فى قلوبهم زيغ قال تعالى: {هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} سورة آل عمران آية: 7]،
لذلك كان الركون إلى المتشابهات سبباً لظهور بعض صور الغلو لدى الفرق والمذاهب.
خامسا: مفهوم الغلو
تشير مادة (غلا) إلى الارتفاع ومجاوزة الحد، وهذا معنى توافقت عليه معاجم اللغة، تقول غلا الماء إذا فار وارتفع، وغلا السعر إذا تجاوز العادة، والسهم يغلو غلوًا إذا وصل لأقصى الغاية، وغلا القدر إذا فاض بما فيه وطفح، وغلا فى الدين إذا تشدد وتصلب حتى جاوز الحد.
لم يبتعد التعريف الاصطلاحى للغلو كثيرًا عن التعريف اللغوي، فإذا كان المفهوم اللغوى للكلمة عام فى كل تجاوز ماديًا كان أو معنويًا، فإن التعريف الاصطلاحى خصص الغلو وحدد مفهومه أكثر، فاقتصر على الجانب المعنوى الذى ينم عن توجه فكرى يظهر أثره على السلوك، وقد وضع العلماء عدة عبارات تشرح معنى الغلو اصطلاحًا، ومن هذه العبارات ما يلي:
أ-عرفه ابن حجر العسقلانى فى فتح البارى بأنه هو: المبالغة فى الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد، وفيه معنى التعمق والزيادة على ما لم يطلب شرعًا.
ب - وفسر الفخر الرازى الغلو بالإفراط فى جانب التعظيم.
ج - ومن قبل الرازى فسر الزمخشرى الغلو بأنه هو مجاوزة الحد فى التعظيم أو فى الغض والتنقيص من شيء ما.
وهذا الذى ذكره الزمخشرى فى تفسير الغلو يخصص المعنى الظاهرى للغلو الذى يدل على مجاوزة الأمر ارتفاعًا وفعلاً، فالغلو -بحسب مادته لغة- يدل على المبالغة فى الالتزام والتمسك، وأساسه عدم فقه النص، وأما الغلو الذى يقرره الزمخشرى هنا فهو المبالغة فى الشيء إفراطًا أو تفريطًا، فعلاً أو تركًا، فكلاهما يسمى غلوًا، والمنهج الوسط هو سلوك ما بينهما.
وقد ورد لفظ الغلو في موضعين من القرآن الكريم هما:
1. قوله تعالى) :يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ)([3]).
2. قوله تعالى) :قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ). المائدة: (٧٧).
وكلاهما بمعنى: مجاوزة الحد.
وفي الاصطلاح: هو البحث عن بواطن الأشياء والكشف عن عللها وغوامض متعبداتها.
ومنه الحديث (وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه)، فإنما قال ذلك لأن من أخلاقه وآدابه التي أمر بها القصد في الأمور، وخير الأمور أوساطها.
لقد جاء الإسلام آمرا بالاعتدال والاقتصاد والوسطية في كل أمر ، حتى ميز الله تعالى هذه الأمة وخصها بذلك، قال سبحانه وتعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [ البقرة: 143]
وقال سبحانه آمرا بالاستقامة والاعتدال، ناهيا عن الغلو والطغيان: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [ هود: 112].
وحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغلو ومجاوزة الحد المشروع لنا، فقال عليه الصلاة والسلام ناهيا عن الغلو، مبينا أنه سبب هلاك من قبلنا: (إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)
وبين عليه عليه الصلاة والسلام ذم التنطع في الدين وأشار إلى أن المتنطع الغالي المتعمق، المجاوز للحد في قوله وفعله هالك لا محالة فيقول: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثا. .
ويقول سبحانه وتعالى في شأن أهل الكتاب ناهيا إياهم عن الغلو: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً} [ النساء: 171].
ويقول سبحانه وتعالى : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} [ المائدة: 77].
ذم الغلو فى القرآن والسنة
يعدُّ الغلو انحرافًا عن الصراط المستقيم، وطغيانًا وخروجًا عن حد الاعتدال؛ ولذا جاء ذمه معلومًا مشهورًا فى القرآن والسنة.
ففى القرآن الكريم جاء ذم الغلو فى أكثر من موضع وبأكثر من لفظ، فتارة يذمه مصرحًا بلفظ الغلو كما فى قوله تعالى (يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) [سورة النساء آية: 171،
وتارة يعبر عنه بلفظ الطغيان كما فى قوله تعالى {ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي} [سورة طه آية: 81].
وأحيانا يعبر عنه بلفظ البغى، كما فى قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} [سورة النحل آية: 90].
الغلو فى السنة المطهرة فقد ورد النهى عن الغلو بألفاظ متعددة منها:
١- الغلو: كما فى قوله صلى الله عليه وسلم (إياكم والغلو فى الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا الدماء واستحلوا المحارم
٢- التنطع: فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم (هلك المتنطعون
٣- التعمق: كما فى قوله صلى الله عليه وسلم (إن أقوامًا يتعمقون فى الدين يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية
٤- التشدد: كما فى قوله صلى الله عليه وسلم: إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه..
٥- ومن الغلو أن أقف عند رأى معين فى مسألة فرعية، وأبدع وأكفر كل من لم يأخذ بهذا الرأي، وهذا ما يعبر عنه بقول بعضهم يجب تجنب القطع والإنكار فى المسائل الخلافية.
٦- التعسير والتنفير: كما فى وصية النبى صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى حينما بعثهما إلى اليمن، يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعًا ولا تختلفا....
ويبين الإمام الطحاوي اعتدال هذا الدين وبعده عن الغلو فيقول: " ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام، وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس..
.
والناظر لأقوال الفرق المبتدعة التي فرقت الأمة بذلك يجدها خرجت بسبب الغلو والتقصير، فالمعطلة غلوا في التنزيه، وقصروا في الإثبات، والمشبهة غلوا في الإثبات وقصروا في التنزيه، وكلاهما أخذ ببعض النصوص وترك بعضا، والحق في الاعتدال والجمع بين النصوص.
أما الخوارج فغلوا في إثبات الأعمال وعدها من الإيمان حتى كفروا المسلمين بمجرد المعصية، وقابلهم المرجئة فغلوا حتى أخرجوا العمل من الإيمان . فكان الغلو في ردود الأفعال سببا لأن ترد البدعة ببدعة والباطل بباطل.
يقول الإمام أبو محمد عبد الله بن قتيبة رحمه الله: ولما رأى قوم من أهل الإثبات إفراط هؤلاء في القدر، وكثر بينهم التنازع حمل البغض لهم واللجاج على أن قابلوا غلوهم بغلو، وعارضوا إفراطهم بإفراط، فقالوا بمذهب جهم في الجبر .. .
ويقول ابن أبي العز الحنفي: فصار هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في علي وأولئك كفروه؟ وأولئك غلوا في الوعيد حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد أعني المرجئة. وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه، وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويعرضون عن الأمر المشروع، وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب الأوائل: اليهود والنصارى والمجوس، والصابئين، فإنهم قرؤوا كتبهم فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم، وغيروه في اللفظ تارة، وفي المعنى أخرى، فلبسوا الحق بالباطل، وكتموا حقا جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا . . وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم عدولهم عن الصراط المستقيم..
مخاطر الغلو
أن الغلو مجاوزة لما شرع الله بالزيادة والمبالغة فيه، والغلو يشتمل على مخاطر تجعله مذموماً منها:
أ - أن الغلو يتضمن الاعتراض على الله تعالى فى تشريعه وحكمه، كما يتضمن تكذيب النبى صلى الله عليه وسلم، وكأن المتطرف يقول للمشرع: لم تحسن التشريع، ويقول للمبلغ: لم تبلغ حق البلاغ، فالمتطرف معاند ومشاقق لله ولرسوله، وهذا غاية الانحراف؛ فإن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل زيادة ولا نقصانًا، كان الإمام مالك يقول: من ابتدع فى الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة.
ب - كذلك يتضح من مفهوم الغلو أنه يشتمل على جور وظلم، ففى الغلو إهمال لحق يجب أن يُرعى؛ ولذا قال الحكماء: (ما رأينا إسرافاً إلا وبجانبه حق مضيع).
الفرق بين الغلو والتمسك بالنصوص
فى الواقع لا تشابه إطلاقًا بين التمسك الواعى بالنصوص وبين الغلو، فالصحابة والسلف الأول كانوا أبعد الناس عن الغلو والتشدد، فالسلف الأول فى الجملة كانوا من أبعد الناس عن الغلو، ومع ذلك كانوا من أشد الناس تمسكًا ووقوفًا عند حدود النص؛ لأنهم كانوا ينطلقون فى تدينهم من علم صحيح، وفهم واعِ، وإدراك بصير لأهداف الدين ومراميه.
إذن: هناك أصل وضابط نحتكم إليه، ونقيس عليه السلوك؛ لنعرف إذا ما كان هناك غلو أم لا، وهذا يدعونا إلى طرح أقوال المتهاونين من أهل الخلاعة الذين يرمون كل ملتزم بالكتاب والسنة بالغلو، ويتهمونه بالتطرف والإرهاب.
وكما امتدت ألسنتهم بالطعن على سلوك المتدين الملتزم طالت أقلامهم وأفكارهم كل المؤسسات التى تحمل لواء الدين، وتمثل الوسطية، وتنبذ الانحراف، والسلوك المنحرف.
أنواع الغلو
الغلو الاعتقادي
الغلو الاعتقادي: ذلك الذى يقع فى كلى من كليات الدين، أو الذى يرجع إلى الأصول العقدية، وهذا النوع أشدُّ خطرًا، وأبعد غورًا من أمرين :
الأول: ما يعود لعاقبته: وهى أن الغلو العقدى يؤدى فى أغلب أحواله إلى الكفر والخروج من ربقة الإسلام أو إلى الفسق والبدعة فى أحسن الأحوال.
الثاني: ما يرجع لأثره: وهى أن الغلو العقدى كان هو العامل الأهم فى بروز الفرق والجماعات الخارجة عن الصراط المستقيم.
والمتأمل فى تاريخ الفرق الإسلامية يجد أنها كانت من آثار النزعات الغالية فى فهم كليات الدين وأصوله، فقد نشأت كأثر من آثار اختلاف المسلمين فى قضايا عقدية.
ويبين الإمام أبو إسحاق الشاطبى أن الغلو العقدى يفضى إلى التفرق والتحزب وظهور الجماعات والكيانات المارقة فيقول "إن هذه الفرق إنما تصير فرقًا بخلافها للفرقة الناجية فى معنى كلى فى الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة، لا جزئى من الجزئيات؛ إذ الجزء أو الفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة فى الأمور الكلية"
فالغلو العقدى أشد خطرًا، لأنه يفضى إلى التفرق، وفى هذا مخالفة لأمر الله تعالى بالاعتصام وعدم التفرق، قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} سورة آل عمران آية: 103
ومن صور الغلو العقدي:
أ ـــ غلو الشيعة فى تقديس أئمتهم.
ب ــ غلو الخوارج فى تكفير عصاة المسلمين.
ج ـــ غلو القدرية بنفى القدر وقولهم: لا قدر والأمر أنف.
الغلو العملي
وهو المتعلق بالأحكام الجزئية، وهذا النوع قد يكون على جهتين:
1ـ الابتداع فى أصل لم يشرع كصلاة سادسة ونحوها.
2 ـــ المبالغة فى أداء ما شرع، وهذا النوع لا يكون عن عقيدة فاسدة، وإنما يكون ناتجًا عن فهم سقيم لأمور الدين، وهو أيضاً مرفوض مذموم، ومن أبرز النصوص الموضحة لذمه، ما فعله النبى فى رمى الجمرات حيث كانت حصيات صغار، ولم يشترط الحصيات الكبار ثم قال صلى الله عليه وسلم (نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو فى الدين).
والنصوص الدالة على نهى النبى لأصحابه عن التشدد أكثر من أن تحصى، والشريعة كلها تقوم على رفض التشدد والتنطع والغلو وتدعو وتغرس قيم الوسطية والاعتدال فى التعامل مع النصوص الشريفة، بلا إفراط ولا تفريط.
سادسا: مفهوم الإرهاب:
وهو (بالكسر)؛ لغة: الإزعاج والإخافة، وأرهبته ورهبته واسترهبته: أزعجت نفسه بالإخافة.
التعريف الاصطلاحي للإرهاب هو محل الاختلاف وتباين الآراء ووجهات النظر، وذلك لاعتبارات تاريخية، ولاختلاف الأهداف والتوجهات وسياسات الدول ومصالحها، تلك التي أدت إلى الاختلاف والتباين على أرض الواقع، فكثرت وتنوعت التعريفات، فالبعض يركز في تعريف الإرهاب على "الأسلوب" أو "الطريقة"، فيرون أن الإرهاب ليس فلسفة ولا حركة، وإنما أسلوب أو طريقة لغرض تحقيق طموح سياسي لجماعة منعزلة ومحبطة، تدرك أن لا أمل لها في الوصول إلى ما تريده إلا عن طريق تخويف الأغلبية ومؤسساتها عن طريق إشاعة الرعب والتضليل"، بينما يركز آخرون على الأهداف أو الوسائل أو الأسباب.
وقد عرف الارهاب بتعريفات عدة:
عرفه المجمع الفقهي الإسلامي بأنه: "العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيا على الإنسان: دينه ودمه وعقله وماله وعرضه".
وقيل هو مجموعة المظاهر والوسائل والأدوات التي تستخدم في أعمال العنف التي يبيحها ويتبناها الفكر الإرهابي لتحقيق مقاصده العدوانية.
لكن عند إمعان النظر في النصوص الشرعية، فإننا لا نجد لفظ الإرهاب بعينه، والذي يستخدم بالمعنى السلبي، وإنما يوجد أصله الثلاثي وما تصرف منه، وكذلك أيضا ما تصرف من أصله الرباعي.
فمن ذلك قوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) البقرة: (٤٠).
ومنه قوله تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ). الأعراف: (١٥٤).
ومنه أيضا قوله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ). النحل: (٥١).
وقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ). الانفال: (٦٠).
ويمكننا ملاحظة أن استخدام مصطلح الإرهاب في الشرع اقتصر على الخوف أو التخويف بمعناه الإيجابي، أما الإرهاب في اصطلاحه المعاصر فلم يستخدمه الشرع.
وهذا لا يعني قصوراً في الشرع، بل على العكس من ذلك فقد استخدم الشرع الحنيف مصطلح الإفساد للدلالة على الأفعال والممارسات الكارثية والدموية التي تقترفها هذه الشرذمة المنحرفة بحق الإنسانية، والتي لا تميز بين دين أو عرق أو إقليم، إذ غاية الشرع من استخلاف الإنسان في الأرض عمارتها وغاية هؤلاء الإفساد والهلاك والتخريب، قال تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ). البقرة: (٢٠٥).
ومصطلح الإفساد أدق في توصيف أعمال هؤلاء المنحرفين من مصطلح الإرهاب، حيث مصطلح الإرهاب قد يحمل المعنى الإيجابي، كأن تخوف وترهب مريضاً من تناول طعام معين حيث يكون الإرهاب هنا محموداً؛ لأنه يحقق مصلحة هذا المريض، لذا فبعض هؤلاء لا يجدون في وصفهم بهذا المصطلح (الإرهاب) غضاضة بحجة أنهم ينفذون أمر الله تعالى بقوله: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)، بخلاف الإفساد فلا يمكن أن يحمل معنى إيجابي وليس فيه مصلحة بل فيه الهلاك، لذلك كانت عقوبته من أشد العقوبات، قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة: (٣٣).
ثم إن الناظر في مصطلح الإفساد يجد أنه يمر بمراحل ثلاث على الترتيب، كل مرحلة تنتج التي تليها، وهذه المراحل هي:
المرحلة الأولى: الغلو في التعامل مع النصوص الشرعية، والذي يحمل معنى مجاوزة الحد في البحث عن بواطن الأشياء والكشف عن عللها وغوامض متعبداتها.
وقد نهى الشرع الحنيف عن الغلو وحذر منه، قال تعالى) :يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ)، أما أمة الإسلام فقد خاطبهم بقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيد) البقرة: (١٤٣).
وقال صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ).
وقال صلى الله عليه وسلم: (وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ).
والغلو في التعامل مع النصوص الشرعية يؤدي إلى التزمت والتعصب والتطرف في فهمها وهي المرحلة الثانية.
المرحلة الثانية: التزمت والتعصب في فهم النصوص الشرعية، وما يترتب على ذلك من انتصار لرأيه وفهمه، والدفاع عنه على أنه الإسلام وما سواه كفر، وقد نهى الشرع عن ذلك كله، قال صلى الله عليه وسلم: (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا).
وفي هذا توجيه نبوي شريف للمجتهد أن لا يتطرف ولا يتعصب لرأيه الذي أداه إليه اجتهاده فيراه الحق والدين، وما خالفه الباطل والكفر، لذلك كان الشافعي رحمه الله يقول: "رأي صحيح يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصحة"، وهذا لسان حال أئمتنا عليهم رحمة الله.
المرحلة الثالثة: التطرّف العنيف والقيام بالأعمال العدائية والإفسادية من تقتيل وتفجير وترويع، نصرة لرأيه المتطرف الذي نتج عن مغالاته في فهم النصوص.
وهذه المراحل الثلاث لخصها حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ لَرَجُلًا قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إذَا رُئِيَتْ عَلَيْهِ بَهْجَتُهُ، وَكَانَ رِدْءًا لِلْإِسْلَامِ أَعْثَرَهُ إلَى مَا شَاءَ اللهُ وَانْسَلَخَ مِنْهُ، وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَخَرَجَ عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ الْمَرْمِيُّ أَوِ الرَّامِي؟ قَالَ: "لَا بَلِ الرَّامِي").
إن موقف الدين الإسلامي الحنيف هو محاربة التطرّف العنيف والإرهاب الذي اصطلح الشرع على تسميته بالإفساد بجميع مراحله واطواره وسائر صوره وأشكاله، ويتبين ذلك من خلال:
1- نهى الله عز وجل عن الإفساد، قال تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا). الأعراف: (٥٦).
2- بين تعالى أنه لا يحب الفساد ولا يرضاه لعباده، قال تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَاد). البقرة: (٢٥٦).
3- بين عز وجل أن عمل أتباع الدين الحق والمنهج العدل هو النهي عن الفساد، قال تعالى: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ) هود: (١١٦).
4- بين عز وجل أن الإفساد هو من الصفات الذميمة التي يتصف بها الفاسقون ولا يعود على صاحبه إلا بالخسران في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون (البقرة: (٢٧).
5- توعد الله عز وجل المفسدين بالعذاب الشديد يوم القيامة، قال تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) النحل: (٨٧).
الخاتمة:
لقد جاء الإسلام آمرا بالاعتدال والاقتصاد والوسطية في كل أمر، حتى ميز الله تعالى هذه الأمة وخصها بذلك، قال سبحانه وتعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [ البقرة: 143]
وقال سبحانه آمرا بالاستقامة والاعتدال، ناهيا عن الغلو والطغيان: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [ هود: 112]
وسطية الإسلام هي عبارة عن نقطة تتوسط وتفصل بين كل الأمور، بين التشدد والانحلال.
والوسطية مظهر من مظاهر الإسلام الحسنة فيجب امتثال ضوابطها واتباعها وهي:
– القيام بتحقيق التوازن والتكامل بين كافة ثوابت الشرع ومستجدّات العصر.
– العمل على تمكين الأفراد من استيعاب النصوص القرآنية والسنة بشكل صحيح دون مغالاة أو تشددّ.
– القيام بتسهيل تعلمالأحكام وتنظيم الفتاوى ضمن الشرع الإسلامي.
– الوسطية هي وسيلة للتبشير والدعوة وترغيب غير المسلمين باعتناق الدين الإسلامي.
–العناية بما يتعلّق بالأصول والكليات، والتيسير في الفروع والجزئيات.
– اتباع أسلوب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والعمل على فتح سبل الحوار مع الآخرين
ــ العمل على تحقيق اهداف العدالة والخلافه في الأرض وذلك عن طريق عمارتها والعمل على عبادة الله سبحانه وتعالى.
فالدين الإسلامى دين وسط لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا يعرف التطرف ولا الغلو، بل هو دين السلام والسماحة واليسر، قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا(
فبالوسطية بُعث نبينا ــ صلى الله عليه وسلم ــ وعليها ربى أصحابه، الذين حملوا هديه، فأناروا العالم، وملكوا القلوب قبل أن يملكوا البلاد؛ ولذا كانت بعثة النبى (صلى الله عليه وآله وسلم) منة أنعم الله بها على المؤمنين، قال تعالى {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين} كما كانت رسالته رحمة للعالمين، قال عز وجل {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وكان شرعه -صلى الله عليه وسلم- رحمة وهدى وشفاء، وفيه تبيان لكل شيء، قال تعالى {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}
ونتيجة لهذه السمات التى تميز بها ديننا كان بطبعه يرفض التطرف والغلو الذى يُعد منهجًا غريبًا عنه، فالغلو ليس من الإسلام فى شيء، وليس من شأن المسلم الحق، وإنما تعود بذرته الأولى إلى بعض الجهلة والاراء المضللة، وكان ضحيتهم بعض الغيورين والمندفعين من الشباب الغر، الذين انخدعوا بزيفهم، وكانوا بذلك معاول هدم، وحُكم على الإسلام من خلال سلوكهم بأنه دين إرهاب، يميل إلى العنف، ويهوى التخريب، وسفك الدماء.
لا تكاد توجد أمة عانت من الغلو ما عانت منه أمتنا، فيكفى أن يوسم الإسلام جزافًا بالإرهاب والتطرف بسبب شراذم من الأراذل ضيقى الأفق والعقل، الذين اتخذوا من الدمار والقتل وترويع الآمنين منهجًا لهم، ولو أنهم تسلحوا بالعلم، وتحصنوا بوسطية الدين وهديه لكان أفضل وأزين.
واذا كان التطرّف ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود والثقافات والأديان، فإن محاربته تستدعي تضافر كافة الجهود من مختلف الأطراف، فالحرب على الإرهاب ليست حرباً عسكرية بقدر ما هي حرب فكرية، ذات أساليب متعددة، لأن الإرهاب ظاهرة معقدة ومتعددة الأوجه، ويتطلب كُلُّ وجه منه أسلوباً خاصاً لمواجهته، ولهذا فإن الجهود المبذولة لتحدي التطرف والإرهاب يجب أن تعالج كل مرحلة على حدتها..
لذا يجب مراعاة ضبط الفتاوي والخطاب الديني في جميع الدوائر الرسمية، والإعلامية، ومناهج التعليم..
كما يجب على الدولة أن تقوم ببعض المبادرات المهمة في هذا المضمار، وذلك فيما يلي:
١- القيام بتأسيس مركز دولي يعنى بالتدريب والحوار والأبحاث والتعاون والتنسيق في مجال مكافحة التطرف العنيف، ليتم وفق ذلك.. ونشر الوسطية
٢- استحداث طرق متجددة تساهم بمنع انتشار التطرف، ولاسيما من خلال الحرص على مشاركة جميع الاطياف والخبرات، وإشراك الشباب في القرار، وتطوير مجال التربية والتعليم.
٣- العمل على تسخير وسائل الاتصال والإعلام الاجتماعي على شبكة الانترنت من أجل تصويب الأفكار الخاطئة ووضعها في منظورها الصحيح.
٤- بذل الحرية مع التحصين الفكري ضد الأفكار الدخيلة والمضللة التي يروجها المخادعون.
٥- تأسيس المبادرات التفاعلية للشباب ونشر قيم التسامح، والتعايش بين فئات الشعب الواحد والمتعدد، لبث روح التسامح في المجتمع
٦- ترسيخ ثقافة الانفتاح والحوار الحضاري ونبذ التعصب والتطرف والانغلاق الفكري وكل مظاهر التمييز بين الناس.
هذا والله تعالى أعلى وأجل وأكرم وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد واله وصحبه.