ترجمة العلامة محمد أمين الشنقيطي

 

 محمد أمين بن فال الخير الحسني الشنقيطي (1293- 1351هـ/1876-1932م): 

ولد في ولاية الترارزه في الجنوب الغربي الموريتاني وبها أخذ العلوم في المحاظر التي تزخر بها المنطقة خاصة قبيلته إدابلحسن. توجه إلى الحجاز فلقي ولد التلاميد المذكور آنفا في مصر. فقدمه لمفتي مصر الشيخ محمد عبده الذي ساعده على إكمال الرحلة إلى الحجاز. حج البيت الحرام وبقي يدرس الناس في الحرمين المكي والمدني. 

تنقل بين مختلف مناطق السعودية كالقصيم وحائل ودول الخليج كالبحرين والكويت وعمان بل وحتى الهند. وفي الكويت والسعودية، انضم الشيخ الشنقيطي إلى المقاومة التي كانت تعارض الاستعمار الانجليزي وتدعو للتمسك بالخلافة العثمانية الإسلامية. 

وتذكر الكتب أن أمير دولة الكويت الشيخ مبارك بن صباح الصباح (حكم من 1896 م إلى وفاته 1915 م) حاور الشنقيطي في المسألة.

 وبعد نقاش طويل، غضب الشيخ مبارك وقال مخاطبا ابن فال الخير: “وردني كتاب بأنكما (يقصد الشنقيطي وزميل له آخر من العلماء) وزميل لكما ثالث من أثاروا الناس في الكويت وحرضوهم على العصيان ضدي، والكويت بلدي وأنا الحاكم فيها. والذي ينازعني فيها فليس له عندي إلا القتل. 

(عبد اللطيف الدليشي الخالدي، الشيخ محمد أمين الشنقيطي، حياته، مذكراته وعلاقته بملوك وشيوخ الجزيرة العربية، بيروت، الدار العربية للموسوعات، ط1، ص 115). 

لم يكن للشنقيطي بعد التهديد بالقتل إلا الرحيل ومغادرة الكويت خاصة أن الانكليز بدأوا يبحثون عنه لاعتقاله ونفيه إلى الهند. فوجد الملاذ في مدينة الزبير قرب البصرة في جنوب العراق حيث شارك في عدة معارك من الحرب العالمية الأولى إلى جانب جنود الخلافة العثمانية ضد الانكليز.

ومنها موقعة الشعيبة الشهيرة سنة 1915 م .

ومعركة كوت الزين وسيحان قرب البصرة. 

وبعد وفاة الشيخ مبارك، عاد الشنقيطي إلى الكويت مرة ثانية حيث ترك أسرته. 

لكن الشيخ سالم المبارك الصباح استقبله بالتهديد وطلب منه المغادرة. 

فعاد مرة ثانية إلى الزبير وبها استقر وأسس جمعية النجاة الأهلية ثم مدرسة النجاة التابعة لها. 

وقد شاءت الأقدار أن يعود إلى الكويت مرة ثالثة معززا مبجلا مكرما هذه المرة، في عهد صديقه وتلميذه الشيخ أحمد الجابر المبارك الصباح (حكم من 1921 م إلى 1950 م) بعد أن طرده منها جده مبارك الصباح وعمه سالم المبارك الصباح. 

فكان الاستقبال هذه المرة شعرا. وفي ذلك يقول الشاعر سليمان العدساني: 

إن الـكـويــت لــبـعــدكم   كـادت لــبـلـواهــا تـــمــيــد 

فاصفح لماضيها واغـضـض الطرف عن ذاك البعيد 

هـذي الكـويت تنسـمت    أرجــاؤها لـك مـن جـديـد 

واسـتبشرت بقدومكـم     فـكـأنـمـا كــانــت بـِعـــيـد 

أما الـزبـيـر فـكم لـكم     فـيـهـا مـن الأثـر الـحـمـيـد 

لو كان مثلك عشرة       فــيــنـا لـمـا بـعـد الـبـعـيـد 

عجبي لقوم أغضبو ... ك، أما بـهم رجـل رشـيد؟ 

كما يقول عبد اللطيف بن ابراهيم آل نصيف 

 واليوم هللت الكويت وكبرت     

    لـما أتـاهـا العـالـم الـنـحـريـر 

واستبشرت فرحاً بنابغة الهدى    

  حـتـى حــسـبـنا أنـها سـتـمـور 

إيه بني قومي وسادة معشري    

 أومـوا إلـيـه كـلـكـم و أشـيـروا 

خلوا النواظر شاخصات نحوه     

 ودعوا القلوب تسير حيث يسير 

أمـعـطر الإسـلام من  نفحاتـه      

 ومعيد روض الدين وهو نضير 

بشر  لهذا الثـغر لـما زرتـه     

فـلـكـم تمـنـت أن تــراك ثـغـور 

لم يترك ابن فال الخير الشنقيطي مؤلفات رغم أن مكانته العلمية لا تقل عن باقي الشناقطة. 

فقد ذكر بعض تلامذته أنه “كان إماما باللغة عالما بالشعر يحفظ الدواوين. 

كما كانت له اليد الطولى في علم الأنساب. ويروي كتب الصحاح في الحديث ويحدث بها ويدرس علم أصول الحديث وأصول الفقه. 

(عبد اللطيف الدليشي الخالدي، الشيخ محمد أمين الشنقيطي، حياته، مذكراته وعلاقته بملوك وشيوخ الجزيرة العربية، بيروت، الدار العربية للموسوعات، ط1، ص 289). 

إلا أن انصرافه للتدريس وانخراطه في الإصلاح السياسي والاجتماعي أخذا كل جهده ووقته. 

لكنه ترك ذكرا كبيرا وتأثيرا بالغا في الخليج العربي وتخرج على يديه عدد كبير من العلماء في المناطق التي مر بها. وقد كرمته وزارة الثقافة العراقية بأن خصصت له أول كتاب من سلسلة “أعيان البصرة”، نشر سنة 1978 في بغداد وهو الكتاب الذي أعيد طبعه في بيروت. وهو المرجع الوحيد عن هذا العلم الشامخ من سفراء شنقيط.

إرسال تعليق

أحدث أقدم