هو الشيخ العلامة الجليل : محمد يحي بن الشيخ الحسين بن آدُو الجكني 1408-1335هـ 1987-1916م.
أولا : نسبه ومولده :
ولد شيخنا بوادي (أمريده) التابع لمقاطعة باركيول ، لأبيه العلامة الصوفي الشيخ الحسن بن آدو ، ولأمه آمنة بنت الطالب أعل.
ثانيا : نشأته :
ترعرع الشيخ محمد يحي في كنف والده العلامة الصوفي الشيخ الحسين حيث أحاطه باهتمام ورعاية بالغين ، وعلى يده تلقى دروسه الأولى في القرآن الكريم.
ثم ارتحل إلي محظرة الشيخ سيد المختار بن عبد المالك حيث أخذ الإجازة في القرآن الكريم.
ثم انتقل لاحقا إلى محظرة العلامة لمرابط أحمدو بن مود ليأخذ عنه الفقه والعقيدة وقواعد المذهب ، وفي هذه المرحلة ظهرت بوادر نبوغ الشيخ محمد يحي وتجلت موهبته فى التعاطى مع العلوم الشرعية.
وقد مثلت محظرة العلامة المحقق لمرابط اباه بن محمد الأمين محطة هامة في رحلة الشيخ محمد يحي العلمية حيث أخذ عنه الأصول والمنطق والبيان وغيرها من العلوم النظرية إلى جانب تأثره البالغ بشخصيته وإقباله على مكتبته الغنية بالكتب.
وقد كون لقاءات علمية مختلفة شكلت إثراء لمعلوماته وتعميقا لمعرفته و من أهم هذه اللقاءات :
- لقاءه بالشيخ محمد الأمين الشنقيطي الشيخ "آب" رحمه الله، وعليه درس علمي الفرائض والعقائد.
- لقاءه بالعلامة لمرابط الحاج المسومي والذي شهد له فيه بالعلم وحثه على نشره.
- لقاءه بالشيخ محمد المصطفى بن ديه والذي تميز بكونه لقاء مدارسة ومذاكرة حيث كان الشيخ محمد المصطفى رحمه الله يقول له : " أنظر معي هل فهمت هذا النص فهما صحيحا ".
ثالثا : عطاؤه العلمي :
1- بالمحظرة :
وفي عام 1948 ، وبعد رحلة علمية دارت بين" تكانت " وآفطوط " واركيبة " واستمرت زهاء عشرين سنة جلس الشيخ محمد يحي رحمه الله للتدريس بتنييسر واضعا الحجر الأساس لمحظرته التقليدية التي مثلت صرحا علميا عظيما ساهم بشكل كبير في نشر المعارف وبث الثقافة العربية و الإسلامية في المنطقة.
وقد مثلت محظرة الشيخ محمد يحي أنذلك امتدادا لمحظرة أهل آدو ، تلك المحظرة الضاربة بجذورها في التاريخ والتي مثلت صرحا علميا شارك في تشييده عشرات العلماء وتوارته الأسرة جيلا بعد جيل.
بيد أن حقبة الشيخ محمد يحيى مثلت نهضة علمية وفكرية كبري وتحولا واسع النطاق لا علي مستوي المحظرة فحسب بل علي صعيد المنطقة بأكملها وذلك لما تميز به الشيخ من وسطية واعتدال تجاه القضايا الفكرية والخلافات الدينية خصوصا قضية التصوف والتي طال ما مثلت مدار جدل واسع في المنطقة.
وقد أكسبته هذه الوسطية إلي جانب ما عرف به من تنوع في المعارف واتساع باع في مختلف العلوم ، أكسبته مصداقية كبيرة وصيتا ذائعا جعلا طلاب العلم يتوافدون إليه من كل حدب وصوب.
وقد استمر عطاؤه العلمي المحظري على مدي ثلاثين سنة تخرج فيها علي يده العديد من العلماء والفقهاء، ومنهم :
- العلامة محمد عبد الله بن الإمام
- الشيخ محمد العاقب بن آدُ
- القاضي محمد الأمين بن محمد بيبه
- الشيخ عبد الله بن بيه
- الشيخ الطالب محمد بن البشير
2 ـ بالمدينة :
وفي عام 1978م حل ضيفا بمدينة نواكشوط ليجد أن التحضيرات لافتتاح المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية جارية علي قدم وساق ، وقد طلبت منه الجهات المعنية التدريس بالمعهد الوليد فما كان منه إلا أن قبل الدعوة ولبى الطلب وذلك لما لاحظ من تحول اجتماعي وديموغرافي نحو المدنية ، ونظرا لما واجهته المحظرة أنذاك من تحديات كبيرة لعل من أبرزها موسم الهجرة التي جعل يستنزف طلابها للالتحاق بالجيش تارة وللدراسة في الخارج أو لجمع المال تارات أخرى.
٣- عمل بالإفتاء والتدريس في المعهد العالي للدراسات الإسلامية في نواكشوط.
وليست المكانة التي حظيت بها المحظرة البدوية عند شيخنا العلامة الشيخ محمد يحي حين حل بالمدينة، لتحول دون عطائه بها، فقد أمضى سنواته الأخيرة محاضرا بالمعهد العالي للدراسات و البحوث الإسلامية مكرسا كل جهده ووقته للتدريس بهذا المعهد حيث تراوح دوامه الاسبوعي مابين عشرين أو ثلاثين ساعة أسبوعيا حاضر خلالها في كل فن من فنون السريعة الاسلامية، سواء على مستوى الفقه ، والأصول ، والحديث ، والتفسير ، والقواعد ، وغيرها.
ولم يفتقر عطاؤه العلمي في هذه المرحلة علي التحاضر في المعهد بل ظل يفتي ويدرس جما غفيرا من تلامذته وطلابه حتي خارج أو قات الدوام.
رابعا : ابرز آرائه الفقهية :
لعل من ابرز آراء العلامة محمد يحي الفقهية :
1 ـ رأيه في العملات الورقية و التي كان يري أنها لا تتمتع بصفة النقدية لأنها لاتستمد قيمتها من نفسها، وإنما من عوامل أخري، ولذالك فلم يكن يري وجوب زكاتها ولا جريان الربا فيها.
2 ـ رأيه في الشركات ذات الشخصية الاعتبارية و التي كان يرى أن لها ذمة مالية منفصلة عن ذمم الملاك.
3 ـ فتواه الموذنة بتحريم نقل الدم.
خامسا: الإنتاج الشعري:
- له ديوان متوسط مخطوط في مكتبة أهل الشيخ الحسين.
شاعر دعوي أخلاقي، لم تتجاوز تجربته ما تعارف عليه شعراء عصره من أغراض، في مقدمتها: المديح والدعوة والرثاء، المتاح من شعره ثلاث قصائد تجمع بين: المديح في الأولى، والرثاء لشيخه أحمد ولد مود الجكني في الثانية، وحث رجال الدين على الحفاظ عليه في الثالثة، متبعًا عروض الخليل والقافية الموحدة.
عناوين القصائد:
أنت المناخ الرحب
رواة الحديث
آمِنْ هُديتَ وَسلِّمْ
أنت المناخ الرحب
بفي الشامتين التربُ، ما الموتُ واصمُ
ولا للفتى منه ولو عاش عاصمُ
فقد مات قبلَ الشّيخ أحمدَ هُرمزٌ
وعادٌ وشدّادٌ وكسرى وعاصم
وقيصرُ والنعمانُ والموبَذانُ مَنْ
أبَذّا وبَزّا من علته النعائم
وقد مات ذو القرنين مَلْكُ زمانه
وقد مات لقمانُ الحكيمُ وحاتم
ومات أبو بكرٍ خليفةُ أحمدٍ
أبي قاسمٍ خيرِ البرايا وقاسم
لقد مات يا أستاذَ مذهبِ مالكٍ
بموتك إلا ما تُبينُ الرتائم
وما الشيخُ إلا شمسُ هديٍ تطلّعت
فبانت من الدين القويم المعالم
وغابت فبالله الكفاية والرجا
وبَوَّأهُ أعلى الفراديس راحم
يخوض بفُلْكِ العلم والفهم والتّقى
بحورَ علومٍ أغفلَتْها العوالم
فتُخرَجُ من تلك العلوم نفائسٌ
بنصٍّ إذا ما الغيرُ بالظنِّ راجم
فصدعُك في ركنِ الشّريعة بيِّنٌ
وإني لذاك الصدعِ حَيرانُ هائم
أخاف على دين الهُدى صَوْلةَ العِدا
وكنتَ له كالتّرس إذ أنت سالم
ونبراسُ ديجور العمى وشهابُهُ
وسيفُ حسامٍ للضّلالة صارم
بهِ ارفضَّ عِقدُ الشّرع عند انقطاعه
وهُوَّ لذاك العقد ما عاش ناظم
بنى بيتَ دين الله بعد انهدامه
فهُدَّتْ به إذ مات منه الدعائم
وأخمدَ نارَ الغيِّ والغيُّ مظهَرٌ
وأظهر نور الحقِّ والحقُّ طاسم
فهمُّك تجديدُ العلوم ودرسُها
وهَمُّ بني الوقت الغِنَى والدراهم
لعمري إذا «الشفّان» هَبَّ عشيّةً
وشُدَّتْ على الأذقان منه العمائم
لأنت المناخُ الرحبُ والمعقِل الذي
إليه انتهتْ بين الأنام المكارم
وأنت رحيب الصّدر في كلّ أزمةٍ
وأنت على العلاّت للضيف باسم
وعنك سؤال المعتفين وطارقٌ
هدته كلابٌ والنّجوم العواتم
ثِمال اليتامى والأيامى ولبسُهُم
طعامٌ لمن ضاقت عليه المطاعم
صلاةٌ وتسليمٌ على خيرِ مرسلٍ
وآلِ وأصحاب أسودٌ ضراغم
تُرِبُّ به ما أصْبَت الأنُفسَ الصَّبا
وناحت حَمامًا بالبكاء حمائم
وما رنّحت ريحُ الصّبا غصَن أيكةٍ
وما هاج مشتاقٌ وما حَنَّ هائم
رواة الحديث
لقد ساءني في الله أن رُواتَنا
يسيرون بالمرويّ سيْرَ الأجانبِ
إذا ما أتتْ بعدي من ايّةِ دولةٍ
تقوَّلَ أخشاهم على غير غالب
يقول اعتذارًا وهْو فيه مثَرَّبٌ
أخاف انتقامًا من أميرٍ مُغالِب
ويسطو بك السلطانُ خيرٌ منَ ان تُرى
تُغَيِّرُ دين الله يا شرَّ كاذب
ولكنما المخشيُّ قطعُ عَمالةٍ
بها شوَّه الوُرّاقُ وجهَ المطالب
وما حَرَّف الأشقَوْن نصَّ كتابهم
ولكنْ معانيه لنيل المطالب
أيا علماءَ الدين أنتمْ رُعاتُه
ولا شيءَ عن علم الإله بعازب
فإياكمُ بيعَ الديانة ضِلةً
بأخبثِ مطلوبٍ مآلاً لطالب
فأنتمْ صدورُ الناس والكوكبُ الذي
به يهتدي الأقوام بين الغياهب
فقوموا ولا [تخشون] في الله لائمًا
وكونوا يدًا في الحق لا في التكالُب
يقول حكيم الوقت حظِّي هكذا
ولو كان ذاك الحظ من قول كاذب
أيُعصى كتابُ اللهِ بعد وعيده
وفي سمْعِه وَقرٌ وليس براهب؟
آمِنْ هُديتَ وَسلِّمْ
آمِنْ هُديتَ وسلِّم ما أتاك به
خيرُ البريّة عن ربِّ البريّاتِ
قِفْ عند حدِّك لا تطلبْ لنفسك ما
لم يُعطَهُ أحدٌ من سائر النّات
الله عزّ وجلّ في الكتاب نفى
إدراكَنا علمَ كُنهِ الوصفِ والذّات
كما نفى الله جلّ أن يشابهَه
شيءٌ فنخرج عن حَيْزِ الجهالات
وقد نهى أن نخوضَ ما تشابه من
ما جاءنا من أحاديثٍ وآيات
والصّحبُ معْ تابعيهم ثم تابعَهمْ
قد فوّضوا أطلقوا سدّ المغارات
على ابن عباسٍ الحَبْرِ الملا وقفوا
في الله لا تنظروا بل في الصّناعات
نُمِرُّ ما جاء من آيٍ ومن خبرٍ
فيه اشتباهُ صحيحٍ في الروايات
لسنا نشبِّه لا ولا نعطِّلُ بل
ننزِّهُ اللهَ عن دركِ الكمالات
وهذه العروةُ الوُثقى فمن أخذتْ
بها يداه نجا من الـمُضِلاّت
ولست أنكر تأويلاً بمتجهٍ
من المجاز وتخييلَ استعارات
وقد قفاه هُداةٌ من أئمتنا
ذادوا عن السّعي في طرق الخيالات
لكنه ربما أفضى بصاحبه
إلى انقطاعٍ به وسط العميقات
خيرُ الكلام الذي جلّت إفادته
وقَلَّ ألفاظُه سهلُ العبارات
الله ربِّيَ فردٌ لا شبيهَ له
قلْ واستقمْ ووصاة المصطفى تاتي
عليه أزكى صلاةٍ ما بدا قمرٌ
وما اهتدى من مشى وسط الجماعات
الدين إيماننا بالوحي أجمعه
وجهلنا الكيفَ من أصل الديانات
سادسا: وفاته :
توفي رحمه الله مساء الخميس 03/09/1987 ،
ودفن بالمدفن الكبير في انواكشوط ، فرحمه الله وطيب مثواه.
سابعا: مصادر الدراسة:
1 - عبدالعزيز بن الشيخ الجكني: ثمرات الجنان في شعراء بني جاكان - دار المحبة - دمشق، دار آية - بيروت 2004.
2 - مقابلة أجرتها الباحثة زينب بنت ماء العينين مع بعض عارفي المترجم له من معاصريه - نواكشوط 2006.