الحركات الإصلاحية في بلاد شنقيط خلال (ق13هـ19م) بين النظر والتطبيق..






صدر في العدد الثاني، في 7 يوليو 2021 من
البحوث المحكمة في المجلة الاكاديمية للأبحاث والدراسات بحث بعنوان:

الحركات الإصلاحية في بلاد شنقيط خلال (ق13هـ19م)
بين النظر والتطبيق..

بقلم د. محمد بن الشيخ بن محمد المصطفى البدوي..
Mohamedcheikh86@gmail.com


 
مــــــقدمة:
لقد ظل أمل الإصلاح هاجسا يبعث أصحاب الهمم العالية ورواد المشاريع الهادفة إلى إصلاح أوضاع مجتمعاتهم سواء من الناحية الدينية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ولم تسلم دار من الديار أو بلد من البلدان من مساعي فردية أو جماعية ترفع شعار اٌلإصلاح وتهدف إلى تغيير الواقع نحو الأفضل.
ولهذا ظلت بلاد شنقيط بحكم بموقعها الجغرافي وبعدها عن مراكز السلطة السياسية تظهر فيها من حين لآخر محاولات فردية أو جماعية لأغراض إصلاحية مختلفة.
ويهدف هذ البحث إلى تتبع مسار الدعوات الإصلاحية في هذه البلاد وخصوصا منها تلك التي كان لها بالغ الأثر على البلاد وأهلها، دون إهمال السياق التاريخي لتلك الدعوات وجذورها الفكرية.  
أولا: الإصلاح كمفهوم ومنهج إسلامي:
1ـ الإصلاح في القرآن الكريم : 
ورد لفظ الإصلاح في القرآن الكريم بمعاني عده، فورد تارة بمعنى الصلح قال تعالى: (والصلح خير..الآية) وتارة بمعنى القيام بعمل صالح، قال تعالى حكاية عن نبيه شعيب (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ).
ولذا فالإصلاح ليس مرتبطا فقط بالتيارات التي ظهرت في العالم الإسلامي بداية الحقبة المعاصرة ، بل شكل مفهوم الإصلاح بمعناه القديم مرجعية لكل الحركات الإصلاحية التي تحاول تصويب الحاضر مثالا على صورة الماضي، باعتباره النموذج المحتذى.
وتظهر أهمية هذ التصور لدى المسلمين وعن أصوله الفكرية متى ما ستعدنا مبدأ من مبادئ الإسلام وهو مبدأ " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " الذي ظل الفقهاء والمصلحون بمختلف أغراضهم على درجة من التمسك والالتزام به ، بل ظل يشكل المقصد الأول لكل الحركات الإصلاحية تطبيقا للأمر الذي جاء في الآية (والتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون). 
ومن هنا ندرك أن مفهوم الإصلاح يعني تصويب ما اعوج في ممارسة أمور الدين أو الدنيا والعودة بذلك إلى الأصل المرجعي الذي لم يلحقه فساد الزوائد والمحدثات. إنه تحقيق مطابقة بين إسلام معاش وإسلام مرجعي يعيد أصل العبادات والمعاملات إلى أصولهم الدينية الثابتة، كما قدمته حقبة الدعوة والخلافة الراشدة 
لكن مع هذا فإن الإصلاح لا يقتضي بالضرورة استحداثا أو تجديدا على الأصل، بقدر ما هو محاولة للعودة إلى ذلك الأصل، أو محاولة تكييف الواقع حتى ينسجم ويتلاءم مع الأصل .
ومن خلال تتبع المسار التاريخي لمظاهر الحركات الإصلاحية عبر التاريخ ندرك أنها ظلت خلال القرون الأولى للإسلام تتجه إلى إصلاح عقائد الناس وأخلاقهم وعاداتهم، وهو الغرض الذي بعث له محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يعتبر أكبر مصلح عرفته البشرية.
ليتوالى بعد ذلك محاولات إصلاح الأمة مع الخلفاء الراشدين والسلف الصالح من بعدهم عبر نشر الإسلام والدعوة الدينية، إلى أن و صل منهج الإصلاح في مراحل متأخرة إلى ضرورة تجديد فهم الناس لدينهم، وذلك حين أصبحت هناك فجوة بين الدين كمنهج وبين فهم الناس لتطبيق الشعائر كسلوك، وذلك مصداقا لحديث النبي ـ صلى الله صلى الله عليه وسلم ـ (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها ).
2ـ المنهج الإصلاحي عند القدماء 
أ: الإمام الغزالي ومنهجه الإصلاحي:
يعتبر الإمام الغزالي (ت505) من أوائل من اهتموا بالإصلاح في الجانب الديني، وهو ما يتضح من خلا عنوان كتابه "إحياء علوم الدين" الذي رام من خلاله إبراز وفضح العيوب والأمراض والعلل التي تميل إليها النفس الإنسانية، مكتفيا بالنظر في هذا الجانب دون الجوانب الأخرى، وخصوصا القضايا السياسية، رغم ما كانت تتميز به فترته من صراعات وحروب، حيث كانت الحروب الصليبية على أشدها، كما كانت الدولة الإسلامية ممثلة أنذك في الدولة العباسية تعيش أخريات أيامها .
لكنه ركز على الجانب الديني داعيا إلى ضرورة إرجاع الشرع إلى أصله ومبينا ما قد شاب المسلمين في تدينهم من عادات وأفعال لا تمت للشرع بأصل.
في حين أهمل الإمام الغزالي الجانب السياسي والاجتماعي، وهو الذي عاش في فترة كانت الدولة الإسلامية قد أصابها من الضعف والهوان ما لم يسبق من قبل، مما كان له الأثر البالغ على النفوس وعلى الأمة الإسلامية بشكل عام.
وربما يكون الغزالي قد أهمل هذه القضايا لكونه يرى أن الإصلاح يبدأ ضرورة بعودة الأمة إلى دينها، وأنه لن يُصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلُح به أولها.
وينطلق الغزالي في مفهومه للإصلاح من المنطق المعهود للإصلاح في التراث الإسلامي، وذلك بإرجاع حافز الإصلاح إلى خلل داخلي حل بالأمة، مفسرا ذالك الخلل بالخلاف وافتراق المسلمين إلى شيع وطوائف يقاتل بعضهم بعضا، ملتمسا الحل في توحيد الذهن والسياسة، معتبرا أن الطريق إلى هذا كله يتمثل في العودة إلى أصول الإسلام مع نبذ التقليد .
ب ـ المنهج الإصلاحي عند أحمد زروق: 
يعتبر أحمد زروق من أهم الشخصيات العلمية التي تركت أثرا بالغا على رواد الحركات الإصلاحية فضلا عن كونه من أوائل من ألفوا حول الإصلاح في المغرب الأقصى، وشكلت مؤلفاته رافدا فكريا وروحيا لجل رواد الإصلاح في الغرب الإسلامي.
وقد جعل أحمد زروق من قضية الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، المنطلق الأساسي والمبدأ الأول لأي عمل إصلاحي يجب أن يقام به داخل المجتمع نظرا لما يقع فيه من انحرافات وأخطاء وبدع، وذلك من أجل تصحيحها وتقويمها التزاما بقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر). 
ولا شك أن قضية النهي عن المنكر تعبير جوهري عن عملية الإصلاح، ولذلك جاء كتابه "عدة المريد" حافلا بالتنبيه على المنكرات والبدع الحاصلة الدى مجموعة من الطوائف الصوفية التي لم تلتزم منهج الإسلام الصحيح.  
ثانيا: الإصلاح بين القديم والحديث 
يتميز الإصلاح الحديث عن القديم بكون الإصلاح الحديث يقوم على مقارنة مع الآخر الذي وصل إلى مستوى متطور سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وهذا ما لا نجده مع الإصلاح القديم الذي كان الدافع إليه هو الشعور بوجود خلل وقع بين الإسلام الاجتماعي والإسلام المعياري، أي ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع إسلاميا.  
وهذا ما يقصد الغزالي وغيره من رواد الحركات الإصلاحية في التاريخ الإسلامي، وكان الهدف الأساسي منه هو رد المسلمين إلى الإسلام في عهد السلف الصالح .  
وقد عرفت الساحة العربية في العصر الحديث عدة تيارات ودعوات إصلاحية يمكن تقسيمها إلى ما يلى:
التيار الأول: هو التيار الديني السلفي وقد بدأه الأفغاني وأكمله تلامذته من بعده، محددا مشروعه الإصلاحي انطلاقا من وقائع ظروف عصره، والتي من أهمها مواجهة الاستعمار في الخارج، ومقاومة السلطة في الداخل.
ـ التيار الثاني: هو الفكر العلمي العلماني،الذي بدأه الشبلي شميل، بالترويج للفكري العلمي العلماني، وتبعه آخرون من أمثال يعقوب صروف، ثم سلامة موسى، وإسماعيل مظهر، وزكي نجيب محمود . 
ـ التيار الثالث: يمثله الفكر السياسي اللبرالي، والذي بدأه الطهطاوي، بنشر أفكار الحرية والعدالة والمساواة، ووضع موضوعات جديدة للفكر الوطني، مثل التقدم والدولة والدستور، والحديث عن الزراعة والصناعة والتعليم، من أجل تأسيس الدولة الحديثة، ومن بعده لطفي السيد، ثم جاء الجيل الثاني مع طه حسين والعقاد.
وهذه الروافد الثلاثة تمثل موقفا واحدا ذا شعب ثلاث:
1 ـ الموقف من القديم.
2 ـ الموقف من الغرب.
3 ـ الموقف من الواقع.
فالحركة الإصلاحية التي بدأها الأفغاني جاءت إحياء للقديم، وتمثلا للغرب، وضرورة تغيير الواقع.
أما الفكر العلمي العلماني فهو ثورة على القديم وتمثل للغرب وتغيير للواقع، في حين جاء الفكر السياسي الليبرالي تمثلا للقديم وتمثلا للغرب من أجل بناء الواقع 
ولعل من أهم الانتقادات التي وجهت لمختلف هذه التيارات التي حملت هم الإصلاح هو كونها اختصرت على الخطاب الثوري الذي يحرض على الواقع، ويصف حال الناس من فقر وجهل، دون تقديم تحليل لسبب تلك الظواهر والحلول المناسبة لمعالجتها، فضلا عن كونها لم تقدم إحصاءات كمية لتلك الظواهر، وإنما اكتفت بالنقد وضرورة الثورة.
وانطلاقا مما سبق ندرك أن هذه التيارات كلها تتقارب في العمق أكثر مما تتباعد في الظاهر لأن قاسمها المشترك هو النظر إلى الغرب كنموذج للتحديث والتقدم، وكلها تيارات عمرت قصيرا انتهت حيث بدأت، وسقطت مجرد أن قامت، فكل المفكرين الإصلاحيين، اهتموا بنفس القضايا التي تمثلت أساسا في التعليم، اللغة، المرأة الأسرة، مما يدل على أهمية مؤسسات التربية والتعليم والعائلة في تحقيق الإصلاح.
في حين يشير البعض إلى أن من أهم الأسباب التي استدعت القيام بالإصلاح هو سيطرة ما يعرف بالتقليد وغياب منهج الاجتهاد والتأويل، وهذا ما يؤكده الدكتور عبد الإله بلقزيز حين قال:" نشأت الحاجة إلى الإصلاح من منظور إسلامي حينما تكرس التقليد في الفكر والمجتمع "
ثالثا: الإصلاح في المغرب الأقصى خلال القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي .
تعود الجذور التاريخية للإصلاح في المغرب إلى القرن الثامن عشر مرتبطة بالحركة الوهابية والتي ظهرت كإصلاح ديني يسعى إلى تنقية الدين من الشوائب والتأويلات اللاصقة به، وانتهت في عهد سيد محمد بن عبد الله 1757م ـ 1791م. 
كما شكل الاحتلال الفرنسي للجزائر 1830م، البدايات الأولى لاحتكاك المغاربة مباشرة بالعالم الأوربي، حيث اطلعوا على مستوى تفوقه ومدى قدراته، والتي أظهرت فارقا كبيرا في التطور بين العالمين الغربي والإسلامي 
وقد انطلق الفكر الإصلاحي في المغرب من نفس الأسئلة التي حركت الفكر الإصلاحي في المشرقي، مع الاحتفاظ ببعض الخصوصيات المكانية التي تميز كل بلد عن غيره، ففي المغرب اختلفت القضايا التي تناولها الداعون إلى الإصلاح ونيل التقدم، حيث كان من أبرزها ضرورة إصلاح الجيش، وخصوصا بعد هزيمة الجيش المغربي أمام القوات الفرنسية في معركة إيسلي سنة 1844م ، وما كان لذلك من تداعيات على المستويين الداخلي والخارجي للمغرب.
وقد حمل لواء الهم الإصلاح في هذه الفترة نخبة من المثقفين والسياسيين المغاربة، أمثال -أبو إسحاق التادلي (ت1894م) المطلع على المعارف الحديثة والمتمكن من لغات عديدة وكذلك أبو العباس الناصر(ت1897م) المتمكن من تطور العلم في أوربا، والمطلع على كل ما كان ينشر ويصدر به.
وقد دعا هؤلاء إلى ضرورة إصلاح البنيات الإدارية والعسكرية والتعليمية القديمة، بحيث كان أول عمل فرض نفسه على الدولة الوطنية أنذاك هو إثبات السيادة المغربية على أراضيها ومقاومة التدخل الأجنبي، خصوصا بعد حرب تطوان 1859م.
وقد تمثل ذلك اٌلإصلاح في إرسال بعثات تعليمية إلى مصر وأوربا، وإنشاء مدارس تكوينية، كمدرسة المهندسين في عهد المولى عبد الرحمن بن هشام، والمدرسة الحسنية بطنجة في عهد الحسن الأول. 
ولهذا كان الإصلاح المغربي يتميز بعدة خصوصيات منها ما هو سياسي ومنها ما هو ديني وثقافي، لكن يبقى القاسم المشترك لكل الحركات الإصلاحية أنذك في العالم العربي هو حضور الظاهرة الاستعمارية.
حيث أحدث الاستعمار انشطارا في النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمعات التي احتلها، وذلك عندما شرع في استقطاب رموز النخبة واستمالتها إليه في كل من المغرب الأدنى والأوسط والأقصى، عن طريق التقرب من الأعيان والعلماء وأصحاب الجاه والاهتمام بهم، مما زاد من فجوة الانقسام بين النسيج الاجتماعي المحلي . 
ونشير هنا إلى أن بعض النخب من فقهاء ومثقفين، كانوا حريصين على مصالحهم الشخصية، سواء فيما يتعلق بمحاولات الإصلاح أو الموقف من القديم، وإلى هذا يشير خير الدين التونسي، خلال حديثه عن التنظيمات التي عارضت التغيير سواء بحجة التحديث أو الإصلاح بحجة الغيرة على الدين إنما هو في حقيقة أمره " ممن له فائدة في التصرف بلا قيد ولا احتساب ..." 
معتبرا أن المعارضين لذلك الإصلاح إنما عارضوه بعد ما تأكدوا من تهديد هذه التشريعات الدستورية التحديثية لمصالحهم الشخصية، وأنهم دسوا للعامة من قول الزور والغش ما ينفرهم من تلك الإصلاحات، مثل قولهم هذا شرع جديد مخالف لشريعة الإسلام .
بحيث دافع أولئك المعارضون عن الأوضاع القائمة ومشددين على التمسك بالسلطة القائمة، باعتبارها ـ حسب قوله ـ الإطار الوحيدة الذي يضمن لهم بقاء الامتيازات واستمرارها، وهو ما حصل في أغلب البلدان العربية إبان الظاهرة الاستعمارية، حيث انقسمت النخبة ضد الاستعمار بين مؤيد مدافع ومنتقد رافض، وإن كان لبلد خصوصيته واجتهادات أصحابه، وواقع مجتمعه .
رابعا: الإصلاح في بلاد شنقيط:
تميزت بلاد شنقيط بحكم الخصوصية الجغرافية والتاريخية عن غيرها من البلدان بطابع حركاتها الإصلاحية الخاص، وإن كانت بشكل عام تسير على نفس النسق والنهج التي سارت عليه مختلف الحركات التي عرفتها منطقة الغرب الإسلامي من قبل، فما هي أهم المميزات التي طبعت الحركة الإصلاحية في بلاد شنقيط؟
أـ الجذور التاريخية للإصلاح في بلاد شنقيط
1ـ الإصلاح في عهد الدولة المرابطية.
يمكن اعتبار الحركة المرابطية (ق5هـ 11م) أول حركة إصلاحية انطلقت من بلاد شنقيط الحالية بعد الفتح الإسلامي، تلتها بقرون عدة حركة الإمام ناصر الدين (ق11هـ 17م) بعد ذلك ظهرت دعوات إصلاحية لم تظهر بشكل فعلي تدرجت من الدعوة إلى الجهاد، إلى تنصيب الإمام الأعظم إلى إقامة سطلة مركزية. 
وتعد الدولة المرابطية أهم نظام سياسي عرفه المغرب الأقصى ـ بما في ذلك بلاد شنقيط ـ خلال العهد الوسيط، وكانت لها نتائج بالغة التأثير؛ ثقافيا واجتماعيا، حيث نشرت الإسلام بمنهجه السني مذهبيا وعقائديا، وقسمت المجتمع الشنقيطي وظيفيا إلى ثلاث طبقات: على رأسهم طبقة تهتم بالشأن السياسي، وأخرى تختص بالجانب الديني، وفي الأخير طبقة أخرى تقوم برعاية مصالح الفئتين السابقتين، مثل الرعي وتربية الماشية.
كما ترك العهد المرابطي تقليد السلطة الإسلامية الشرعية، النابعة من رضا المسلمين وبيعتهم، وبذلك بقيت دولة المرابطين النموذج الذي يقاس عليه في كل الحركات التوحيدية العملية والنظرية التي عرفتها البلاد بعد ذلك، كما ظل البحث عن شخص الإمام هاجس فقهاء  
ويرى الباحث الدكتور: عبد الوهاب الدبيش، أن حضور الفقهاء في الشأن العام المحلي هو تقليد عرف في تاريخ الغربي الإسلامي عموما؛ حيث ظل الفقهاء يقومون بمحاولة حل الأزمات التي يعيشها مجتمعهم، وذلك بإرجاع تلك القضايا إلى مرجعياتها الفقهية، والبحث لها عن حلول شرعية .
ويصنف عبد الوهاب الدبيش، الفقهاء المحليين إلى صنفين:
ـ صنف أراد نشر علمه عبر منابر نشره المعروفة قديما كالكتاتيب والمساجد أو ما يعرف بالمحاضر في موريتانيا، أو عبر المنابر الحديثة كالمؤسسات الجامعية والمعاهد...ألخ.
وصنف آخر اختار العزلة عن الناس والخلوة بالنفس وضمن هذا يندرج الأولياء والمتصوفة؛ الذين اختاروا التقرب إلى الله بالسلوك لا ببث العلم. 
ومنهم من جمع بين هذا وذلك مثل الشيخ سيديا الذي كان متصوفا ومعلما للناس
ولعل هذا ما يفسر لنا المكانة القوية التي ظل يتمتع بها الفقهاء في المجمتع بالإضافة إلى حضورهم القوي في ميدان السياسية إلى جانب الأمير، وهي التقاليد التي ظلت حاضرة في المجتمع الشنقيطي، تفسر لنا الدور الذي لعبه الشيخ سيديا كفقيه وشيخ صوفيه، في الميدان السياسي والاجتماعي في بلاده
إلا أن الفترة المظلمة التي خلفها غياب الدولة المرابطية في الصحراء، والتي دامت أكثر من ثلاثة قرون، والتي تميزت بغياب أيّة وثائق يمكن الرجوع إليها حتى حدود القرن الخامس عشر الميلادي شكل عائقا في معرفة تفاصيل ومسار الكثير من الأحداث في تلك الفترة.
2 ـ الإصلاح في بلاد شنقيط خلال الفترة الاستعمارية.
تزامنا مع هذه الفترة ظهر في جنوب بلاد شنقيط رجل يدعى ناصر الدين ؛ ينتمي إلى قبائل الزوايا، وبعد فترة التربية وتكوين الأتباع دعا أصحابه إلى مبايعته أميرا للمسلمين، فتوجه أولا خارج البلاد نحو الممالك السودانية فاستجاب له بعضهم طوعا، وبايعوه، وقاتل الآخرين حتى أزاح منهم من زاح، ووضع مكانهم أخرين يعترفون بالولاء له.
ومن تلك الممالك التي أعلنت له الطاعة: مملكة فوتا وجلف وكايور ووالوا وذلك قبل أن يتوجه بدعوته إلى داخل البلاد، حيث كانت القطرة التي أفاضت الكأس، ففي خارج البلاد كانت حركته ودعوته للمالك السودانية وتحريضه لهم على عدم التعامل مع النصارى أمرا أغاظ عليه الفرنسيين الذين كانت تربطهم علاقات اقتصادية مع تلك المجتمعات السودانية، ، مما جعلهم يبحثون عن الفرصة المواتية للقضاء عليه.
فكان لهم أن وجوا مسعاهم في ظهور خلافات داخلية بينه وبين مجموعات بني حسان التي رأت هي الأخرى في حركته تحديا لمصالحها ولمكانتها في البلاد 
كما أثار المنهج الذي سلكه من أجل انتشار دعوته ودينه الذي يدعو إليه، استغراب الفرنسيين وذلك ما جاء على لسان مدير الشركة التجارية الفرنسية بسالويس حيث قال:" ما رأى الناس قط مرابطا أو راهبا؛ وهو الذي يجب أن يكون قد ترك الدنيا، وانقطع لله وأن يكون تواضعه عميقا وزهده متصلا، وأن لا يهتم بثروات الدول أكثر من اهتمامه بالظعن، يغادر وطنه ويذهب إلى بلد بعيد ليدفع سكانه للثورة، ويجعلهم يقاتلون أو يطردون ملوكهم بحجة الدين " 
كما يشير Pèure Labat وهو أيضا فرنسي قد زار السنغال إبان ظهور الإمام ناصر الدين وحركته خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر حيث قال: " إن المرابطين [ العلماء] البيظان استغلوا نفوذهم في السنغال، الذي أدخلوا إليه الإسلام، فانطلقوا يبثون دعايتهم ضد الملوك المهيمنين على الزنوج السود، ويرغبون رعاياهم في الحرية (......) 
وقد لاقت هذه الدعوة صداها في قلوب هؤلاء السود، فبدأوا في عصيان أوامر ملوكهم، وحين هموا بإجبارهم على العودة طوعا استعان هؤلاء المواطنين بجيرانهم من البيض، فأمدوهم بجيوش وخاضوا معهم تلك الحروب، والتي انتهت بهزيمة الملوك في كل من " دمبل و البراك" وكان ناصر الدين يعين مكان كل أمير يسقط أميرا من المسلمين من أبناء تلك البلدة دون أن يفرض عليهم شخصا من خارجه" 
وتعتبر هذه الحركة من أكثر الحركات أثرا في المنطقة بشكل عام، حيث امتدت حتى شملت منطقة السودان الغربي، ضمن ما يعرف بنظام الإمامة في فوتا تور وغيرها، فضلا عن ما خلفته تلك الحركة من إيقاظ وعي الفقهاء المحليين بضرورة إقامة سلطة مركزية إسلامية كالدعوة إلى الإمام خلال القرن الثالث عشر من مجموعة من العلماء داخل البلاد، كما كانت لها نتائج على المستوي المحلي سياسيا وثقافيا واجتماعيا.
فعلى المستوى السياسي أفرزت هزيمة الحركة وأنصارها إلى سيطرة قطب اجتماعي حديثي العهد بالأرض وساكنيها، وهم مجموعات بني حسان، الذين كانوا قد دخلوا البلاد من قبل، والتي خرجت منها نواة ما يعرف بالنظام الأميري، الذي كان أول تنظيم شبه سياسي بعد الدولة المرابطية.
وعلى المستوى الثقافي أدت هزيمة الزوايا ـ الحاضنة الشعبية لحركة ناصر الدين ـ إلى تفرغ هذه الطائفة للشأن الديني والاهتمام بالعلم تعلما وتعليما، والتخلى عن حمل السلاح ، فاستطاعوا أن يعوضوا بالقلم ما عجزوا عنه بالسيف، فبدأ شأنهم يعلو، ومكانتهم ترتفع، حتى أصبح لهم حضور في الميدان السياسي، الذي تتولى مجموعات بني حسان قيادته، بل حتى هموا بما لم ينالوا من قبل في حربهم مع بني حسان. 
بعد أن أقبلوا على اللوح والقلم واستطاعوا من خلالهما مع الوقت تعويض ما خسروه سياسيا، فاستعادوا جزءا كبيرا من قوتهم ومكانتهم مما جعلهم يحاولون التفكير في إقامة سلطة دينية في مجالها ومحيطها.
لكن هذه المرة اختصر همهم على الجانب الديني بمحاولة تطبيق بعض الحدود، وقد تمثلت تلك المحاولات في جهود فردية وأخرى جماعية في تطبيق حدود الله، وفي نصوص فقهية من علماء ومشايخ تبين حكم الله في تطبيق تلك الحدود اجتهادا كانت أو تقليدا، وتندرج محاولة قبيلة إيديجبة التي تأتي رسالة الشيخ سيديا هذه ردا عليها وتبيانا لموقف الشرع منها.
ب ـ الجهود الإصلاحية للطرق الصوفية في بلاد شينقيط.
يعود تاريخ ازدهار الطرق الصوفية بشكل عام وخاصة في بلاد المغرب بأطرافه الثلاثة (الأدنى والأوسط والأقصى) إلى ضعف الدويلات الإسلامية في الأندلس وعجزها عن حماية أرض المسلمين، والتي آلت في نهاية المطاف إلى سقوط هذه الدويلات واعتلاء النصارى عرش الأندلس،خلال ق9هـ 16م مما جعل الصوفية ومشايخها القبلة التي تقصد والكعبة التي تؤم هروبا من الواقع الذي أصبح المسلمون يعيشون فيه، ولهذ حملت الطرق الصوفية على عاتقها هم الجهاد والدفاع عن بيضة الإسلام، وخاصة في بلاد المغرب. 
خصوصا ما كان يمثله هؤلاء المشايخ من وزن بشري وروحي وسياسي منذ منتصف القرن التاسع عشر كمربين صوفيين، وكقادة رأي وفاعلين قبليين بارزين.
وقد لعبت الطرق الصوفية أدوارا هامة في مختلف حياة الشناقطة، وذلك حين عرفت هذه الطرق انتعاشا كبيرا في المغرب العربي خلال القرن 9هـ 15م مع الجزولي المغربي. 
ويعود وصول الطرق الصوفية إلى البلاد الشنقيطية إلى القرن 10هـ 16م خاصة مع النهضة الكبرى التي عرفتها القادرية مع الشيخ سيد المختار الكنتي وتلامذته، ـ بمن فيهم ابنه الشيخ سيد محمد وتلميذه الشيخ سيديا ـ وكذلك مع انتشار الطريقة التيجانية بعد ذلك في غرب إفريقيا التي وصلت إليها عن طريق مشايخ شناقطة
وكان لهذه الطرق بالغ التأثير بنسبة متفاوتة في حياة المجتمع الشنقيطي خصوصا في القرن 13هـ 19م حيث تكونت حول مشايخها قوى ثقافية وسياسية واقتصادية وسياسية تجاوز نفوذها وتأثيرها إطار القبيلة ومجالها الجغرافي، وكانت سياسية المشايخ غالبا قائمة على الإستقلال النسبي عن الإمارات الحسانية وإن كانت دورهم يتجلى أساسا في التوسط في المنازعات وحل المشكلات البينية فضلا عن كون حضراتهم شكلت ملجأ للمستضعفين وحرما آمنا للخائفين. 
وقد نقل لنا الشيخ سيد محمد بن الشيخ سيديا المختار الكنتي (ت1242هـ) صورا من تأثير هؤلاء المشايخ متحدثا عن والده الشيخ سيد المختار :" إن الشيخ ـ رضي الله عنه ـ قدم وكناتة وغيرها من الزوايا والمساكين غنم لا زريبة عليها، واللصوص من التوارق وغيرهم سباع عابثة بتلك الغنم تأكل ما شاءت وتدع ما شاءت ، فلما جاء زرب لتلك الغنم زريبة من الخوف والهيبة والمواساة، ردت اللصوص عن الزوايا المساكين طوعا وكرها "
وقد خلد بعض الشعراء هذه المكانة الكبيرة التي كانت تتمتع بها هذه الحضرات، والتي سماها بعض الباحثين نظرا لقوة نفوذ مشايخها بمثابة الإمارات المضادة، ومن هؤلاء الشعراء ولد أحمد دام في مدحه للشيخ سيديا:
ساد الأباعد والأدنين قاطبة وعم ذراه العربَ والطَّلبة 
وكان الشيخ سيديا من أهم ممثلي الطريقة القادرية في الغرب الشنقيطي خلال القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، ولذا اتسم منهجه الإصلاح بطابع صوفي، يجمع بين التربية الروحية والتوجه والنصح والسعي في حل النزاعات والخلافات حول محيطه، إلا أن وإن الشيخ سيديا لا يمكن تصنيفه بالمفهوم المعاصر ضمن رواد الحركة الإصلاحية، لكن يبقى على الأقل ضمن فئة الشيوخ الإصلاحيين الذين قاموا بنشاطات فردية كان لها دور فعال في توجيه الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية للفرد في مجتمع محدود هو المجتمع الشنقيطي وفي زمان محدد هو النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ونرى بأن القاسم المشترك الذي جمع الشيخ سيديا الكبير بأترابه من الإصلاحيين من أصحاب الفكر التنويري أمثال: محمدعبدو وجمال الدين الأفغاني، هو أن الجميع يجعل من الإسلام منطلقه باعتبار أن الإسلام من حيث هو دين وثقافة وحضارة، ينبغي أن يقوم بدور فعال في توجيه الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية للفرد في أمة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات البشرية على وجه الأرض.
بالرغم من أنه أدرك بداية توغل الظاهرة الاستعمارية في البلاد الإسلامية وكان مدركا خطرها على الأمة لكنه كان يعتبر عملية المواجهة والتصدي لذلك تستدعي أولا القيام بإصلاحات داخلية لا تتوفر شروطها في تلك اللحظة، نظرا لما لا حظه داخل مجتمعه من غياب توحيد الكلمة ، إضافة إلى استفحال ظاهرة السيبة، وهو ما أشار إليه في رسالة "الميزان القويم والصراط المستقيم"، واضعا شروطا وضوابط شرعية لمن رام تغيير ذلك الواقع، من أهمها: 
ـ أن لا يؤدي تغيير المنكر إلى منكر أعظم منه
ـ أن يكون المنكر متفقا على إنكاره، في معتقد فاعل المنكر.
ـ كذلك القدرة على التغيير بلا ضرر فادح
وإلا فالتغيير باللسان أولى من غيره نظرا لعدم القدرة على غير ذالك.
كما اعتمد على أشياخه من الزاوية الكنتية التي كانت هي الأخرى متأثرة بما سطر في التراث الإسلامي قديما وحديثا مثل مؤلفات الماوردي
ورغم أن الشيخ سيديا من حيث تكوينه العلمي، ومكانته الاجتماعية، كان مؤهلا لإصلاح تلك الأوضاع، إلا أنه كان يرى أن تغييرها غير ممكن في تلك الظروف، أو ربما كان يرى أن الحفاظ على الوضع القائم قد يكون أخف الضررين .

خاتمة:
وخلاصة القول فإن منهج وسير الإصلاح في بلاد شنقيط لم يختلف عن نظيره من الحركات الإصلاحية التي عرفتها البلدان الإسلامية الأخرى في تلك الفترة مع اختلاف طفيف في الأسلوب والمنهج والأولويات، حيث ارتكز الإصلاح لدى رواد تلك الحركات على السعي نحو الالتحاق بالركب الحضاري العالمي بعد ملاحظة التأخر في مختلف الجوانب مقارنة بالغرب، وإن كان بعض رواد تلك الحركات ركز على الجانب الدين (عبادات وعادات ومعاملات) كمحاولة لمطابقة تلك الجوانب مع الأصل الشرعي، معتبرين أنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
في حين طغي هم السياسة والعمل على سد الفراغ السلطوي على المتصدرين للهم الإصلاحي في بلاد شنقيط، والذي كان جل من حمل لواءه من الفقهاء وأصحاب الحضرات الصوفية.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.


بيبليوغرافيا:
أولا: المصادر
1ـ القرآن الكريم 
2ـ الحديث الشريف.
ثانيا: المراجع:
أبو حامد، إحياء علوم الدين، مكتبة مصر، طبعة1998م ج4
عبد الإله بلقزيز: الخطاب الإصلاحي في المغرب ( التكوين والمصادر)1844م ـ 1918م، دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1417ـ1997م.
رواه السيوطي في الجامع الصغير تحث الرقم: 4094 (1/ 639).
علي أمليل: الإصلاح والمجتمع المغربي في القرن التاسع عشر، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ الرباط ـ، سلسة رقم 7، أيام دراسية من يوم 20/ إلى 23 إبريل: 1983م
عبد الله كنون، أحاديث عن الأدب المغربي الحديث، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط2، 1978م.
راجع محمد احميدة : الكتابة الإصلاحية في المغرب خلال القرن التاسع عشر، خصائصها الفنية، منشورات دارالمناهل، الرباط، ط1، 1423هـ، 2002م.
ودان بو غفالة، الخطاب الإصلاحي في مغرب القرن التاسع عشر بين الإنتصار للموروث والانبهار بالوافد ( الدواعي والخلفيات) مجلة المناهل، التي تصدرها وزارة الثقافة المغربية، العدد 93، 94، السنة 32، محرم 1434هـ 2012م.
خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق المنصف الشنوفي، الدار التونسية للنشر، ط2، 1968م.
حماه الله ولد السالم" تاريخ بلاد شنقيط (موريتانيا) من العصور القديمة إلى حرب شرببه الكبرى، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ط1، 2010م .
عبد الوهاب الدبيش، الفقيه والسياسية (ابن رضوان وكتابه الشهب اللامعة)، بحث منشور ضمن ندوة: التاريخ والساسة (مقاربات وقضايا) المنظمة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، بنمسيك، الدار البيضاء، منشورات المختبرات بنفس الكلية : مختبر المغرب والعوالم الغربية، ط1، 2013م
الخليل النحوي "بلاد شنقيط، المنارة والرباط" المنظمة العربية للترببية والثقافة والعلوم (الإيسسكو), ط1، 1987م أبي سالم العياشي: رحلة ماء الموائد "ليبياـ طرابلس ـ برقه" تحقيق مجموعة من الباحثين ( الدكتور: سعد زغلول، والدكتور: محمد عبد الهادي، ومحمد حسن، ونبيله محمد حسن) منشأة المعارف ـ الأسكندرية.
حامد ولد محفوظ: الطريقة القادرية في موريتانيا بين قبول الإستعمار ورفضه (1850ـ 1960م)ـ أطروحة دكتوراه مناقشة 2012م بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ بنمسيك ـ الدار البيضاء، .
أحمد ولد الحسن : الشعر الشنقيطي في القرن الثالث عشر.
د. فهمي جدعان: أسس التقدم عند مفكري الإسلام، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ـ لبنان ـ ط2، 1981م...

إرسال تعليق

أحدث أقدم