كراهية مالك صيام ستة أيام من شوال: التبيين والتأصيل والتعليل

 




صدر في العدد الثاني، في 7 يوليو 2021 من
البحوث المحكمة في المجلة الاكاديمية للأبحاث والدراسات
 بحث بعنوان:

كراهية مالك صيام ستة أيام من شوال: التبيين والتأصيل والتعليل..

بقلم د. سيداحمد سيدي الخليل.
أستاذ جامعي.




بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على النبي الكريم.
بين يدي المقال.
يروم هذا المقال بيان وجه كراهية مالك لصيام ستة أيام من شوال مع ورود الأمر بصيامها في الحديث، ومن هنا اكتسب صفة "التبيين" ثم يروم بعد ذلك إبداء دليل مالك على هذه الكراهية ومن هذه الزاوية نال صفة "التأصيل" ثم يهدف بعد ذلك إلى بيان تعليل هذه الكراهة ووجه مناسبتها ومن هنا حاز صفة "التعليل"
فهو إذن مقال "تبيين" و"تأصيل" و"تعليل".
فإلى المقال:
جاء في صحيح مسلم : (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْحَارِثِ الْخَزْرَجِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْر ِ»)
وأصح مصدر جاء فيه هذا الحديث هو صحيح مسلم.
وقبل الدخول في كلام العلماء عليه أبدي الملاحظات المنهجية التالية:
أولا أني لا أروم من خلال هذا المقال أن أنفي أن صوم هذه الستة مطلوب، فصومها قال به جلة من العلماء، ومستندهم هذا الحديث الذي قال النووي إنه  "صحيح صريح" وإن كان في إسناده دخن كما سنرى لاحقا.
ثانيا غرضي هنا تبيين عذر مالك في كراهية صوم هذه الستة، وتبيين أدلته على ذلك، وأي زيادة على ذلك فهي بالمعنى التبعي لا الأصلي، وبالقصد الثاني لا الأول، على حد تعبير الشاطبي.
ثالثا أن ردي إنما هو على بعض الناس اليوم الذين يطعنون على مالك في كراهيته لصوم هذه الستة ويعتبرونه بذلك ترك السنة عمدا! 
إفكا وافتراء، وحاشاه من ذلك.
وأما العلماء الذين اختلفوا معه في ذلك فليسوا معنيين بهذا الرد إذ لم يطعنوا عليه، ولم يقللوا من شأنه، وإنما اختلفوا معه اختلافا علميا، وهو مشروع، وليست هذه المسألة الوحيدة التي وقع الخلاف بينهم وبينه فيها، ومع ذلك كانوا معظمين له، رافعين لشأنه، مشيدين به.
رابعا أن هاؤلاء أوهموا الناس أن مالكا يقول بمنع أو بحرمة صيام ستة أيام من شوال، وهي مغالطة كبيرة! 
مالك لم يقل إلا بالكراهة المقيدة المعللة، كما سنرى ـ  إن شاء الله ـ  وعلماء مذهبه أدرى بمقصده، والكراهة من حيز الجواز، لا من حيز الحرمة.
خامسا أن مالكا ليس وحده في كراهية صوم هذه الستة، بل معه جلة من العلماء، وعلى رأسهم الإمام أبوحنيفة، وبذلك تكون المذاهب الأربعة منقسمة حول هذه المسألة، أبو حنيفة ومالك لا يرون صومها مطلوبا لذاتها، وإن كان مالك له تفصيل في الموضوع سنراه إن شاء الله، والشافعي وأحمد يرون صومها مطلوبا على جهة الاستحباب، ولا يقولون بوجوبها، كما يظن بعض الناس، وهو ما خاف منه مالك كما سيأتي.
سادسا تعمدتُ إغفال كلام خليل وشراحه في الموضوع؛ واختصرت على كلام أهل الحديث؛ وفحول علماء اﻷصول من أهل المذهب إذ المقام يقتضي ذلك.
وأظن هذه الملاحظات كافية لتأطير هذا المقال، وتنزيله في سياقه، لذلك أبدأ في الموضوع الأصلي فأقول:
جاء في الموطإ: "قالَ يَحْيَى: وسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، «إِنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا. وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ. وَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ. وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ. وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ رُخْصَةً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ"
من تأمل هذا الكلام وتمعن في عباراته الاحتياطية يدرك أنه لم يرد تحريم ذلك، ولا حتى كراهته لكل الناس، وإنما لمن يقتدى به إذا أظهره، كما نص عليه علماء المذهب هنا، ومالك في هذا الكلام اتكأ على أصل عريق في مذهبه، استفاده من النصوص الشرعية، وهو سد الذرائع.
ولعل من الصائب والأولى أن نعطي القوس باريها فنفسح المجال أمام علماء مذهبه من أهل الحديث واﻷصول  ليبينوا لنا رأي مالك في الموضوع، وكيف ساغ له التحفظ على هذا الحديث!
يقول الحافظ ابن عبد البر ـ في الاستذكار بعد دندنة حول إسناد هذا الحديث ـ (قاال أبو عمر لم يبلغ مالكا حديث أبي أيوب، على أنه حديث مدني، والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليها، والذي كرهه له مالك أمر قد بينه وأوضحه، وذلك خشية أن يضاف إلى فرض رمضان وأن يستبين ذلك إلى العامة وكان - رحمه الله - متحفظا كثير الاحتياط للدين
وأما صيام الستة الأيام من شوال على طلب الفضل وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان - رضي الله عنه - فإن مالكا لا يكره ذلك إن شاء الله لأن الصوم جنة، وفضله معلوم لمن رد طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى، وهو عمل بر وخير وقد قال الله عز وجل (وافعلوا الخير) الحج 77 ومالك لا يجهل شيئا من هذا ولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك وخشي أن يعدوه من فرائض الصيام مضافا إلى رمضان، وما أظن مالكا جهل الحديث والله أعلم، لأنه حديث مدني انفرد به عمر بن ثابت وقد قيل إنه روى عنه مالك، ولولا علمه به ما أنكره وأظن الشيخ عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يعتمد عليه وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عن بعض شيوخه إذا لم يثق بحفظه ببعض ما رواه وقد يمكن أن يكون جهل الحديث ولو علمه لقال به والله أعلم) .
فالحافظ ابن عبد البر هنا شرح مراد مالك، واستبعد كون الحديث لم يبلغه، لأنه مدني، وأخيرا ذكر احتمال أنه لم يبلغه.
والذي تطمئن إليه النفس أنه بلغه، ولذلك قيده وتكلم عليه، وقد انتبه لذلك الشاطبي في الاعتصام حيث رجح اطلاع مالك على الحديث قائلا:
(قال الطرطوشي: والقول في هذا كالذي قبله، وإن لأهل الإسلام قولين في الأضحية. أحدهما سنة، والثاني واجبة، ثم اقتحمت الصحابة ترك السنة حذرا من أن يضع الناس الأمر على غير وجهه فيعتقدونها فريضة.
قال مالك في الموطأ في صيام ستة بعد الفطر من رمضان: أنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها.
قال: ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق أهل الجهالة والجفاء برمضان ما ليس منه لو رأوا في ذلك رخصة من أهل العلم، ورأوهم يقولون ذلك.
فكلام مالك هنا ليس فيه دليل على أنه لم يحفظ الحديث كما توهم بعضهم، بل لعل كلامه مشعر بأنه يعلمه، لكنه لم ير العمل عليه وإن كان مستحبا في الأصل، لئلا يكون ذريعة لما قال، كما فعل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في الأضحية، وعثمان في الإتمام في السفر )
2 ـ ويقول الإمام الباجي: في المنتقى شرح الموطإ ـ (..وقد كره ذلك مالك وغيره من العلماء، وقد أباحه جماعة من الناس ولم يروا به بأسا، وإنما كره ذلك مالك لما خاف من إلحاق عوام الناس ذلك برمضان وأن لا يميزوا بينها وبينه حتى يعتقدوا جميع ذلك فرضا، والأصل في صيام هذه الأيام الستة ما رواه سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر» وسعد بن سعيد هذا ممن لا يحتمل الانفراد بمثل هذا فلما ورد الحديث على مثل هذا ووجد مالك علماء المدينة منكرين العمل بهذا احتاط بتركه لئلا يكون سببا لما قاله؛ قال مطرف إنما كره مالك صيامها لئلا يلحق أهل الجهل ذلك برمضان، وأما من رغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه، والله أعلم وأحكم. ).
فالباجي بين وجه الكراهة وأنها ليست على إطلاقها، ودندن حول إسناد الحديث كما فعل ابن عبد البر.
3 ـ ويقول القاضي أبو بكر بن العربي ـ في أحكام القرآن ـ (وقد شنع أهل الجهالة بأن يقولوا نشيع رمضان! 
ولا تتلقى العبادة ولا تشيع، إنما تحفظ في نفسها وتحرس من زيادة فيها أو نقصان منها.
ولذلك كره علماء الدين أن تصام الأيام الستة التي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها: «من صام رمضان وستا من شوال، فكأنما صام الدهر كله» متصلة برمضان مخافة أن يعتقد أهل الجهالة أنها من رمضان، ورأوا أن صومها من ذي القعدة إلى شعبان أفضل؛ لأن المقصود منها حاصل بتضعيف الحسنة بعشرة أمثالها متى فعلت؛ بل صومها في الأشهر الحرم وفي شعبان أفضل، ومن اعتقد أن صومها مخصوص بثاني يوم العيد فهو مبتدع سالك سنن أهل الكتاب في الزيادات، داخل في وعيد الشرع حيث قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم») 
ويقول أيضا: (..رأى قوم من أهل الجفاء أن يصوموا ثاني عيد الفطر ستة أيام متواليات إتماما لرمضان، لما روي في الحديث: «من صام رمضان وستا من شوال فكأنما صام الدهر» خرجه مسلم.
وهذه الأيام متى صيمت متصلة كان احتذاء لفعل النصارى، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرد هذا، إنما أراد أن من صام رمضان فهو بعشرة أشهر، ومن صام ستة أيام فهي بشهرين " وذلك الدهر. ولو كانت من غير شوال لكان الحكم فيها كذلك، وإنما أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بذكر شوال لا على طريق التعيين؛ لوجوب مساواة غيرها لها في ذلك؛ وإنما ذكر شوال على معنى التمثيل، وهذا من بديع النظر فاعلموه ).
ويقول القاضي أبوبكر بن العربي  أيضا في القبس: (...وهذا إنما فعله النبي، - صلى الله عليه وسلم -، احترازاً مما فعل أهل الكتاب لأنهم كانوا يزيدون في صومهم على ما فرض الله عليهم أولاً وآخراً حتى بدَّلوا العبادة، فلهذا لا يجوز استقبال رمضان ولا تشييعه.
 من أجله قلنا في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَسِتّاً مِنْ شَوالَ" الحديث، إنه لا يحل صلتها بيوم الفطر ولكن يصومها متى كان, لأن المقصود بالحديث: من صام رمضان فقد حصلت له مثوبة عشرة أشهر، ومن صام ستة أيام فقد حصلت له مثوبة ستين يوماً وذلك الدهر؛ فأفضلها أن يكون في عشر ذي الحجة؛ إذ الصوم فيه أفضل منه في شوال، فإن قال: لعلّي أموت؟ قيل له: فصمها في شعبان ).
ويقول القاضي عياض ـ  في إكمال المعلم بفوائد مسلم ـ ( وقوله: " من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر ": قال الإمام ـ يقصد المازري ـ  قَال بعض أهل العلم: معنى ذلك: أن الحسنة لما كانت بعشر أمثالها، كان مبلغ ماله من الحسنات فى صوم الشهر والستة أيام ثلاثمائة وستين حسنةً ـ عدد أيام السنةـ فكأنه صام سنة كاملة، يكتب له فى كل يوم منها حسنة]ـ  )
وكلام القاضي أبي بكر بن العربي والإمام المازري صريح في أن أي ستة أيام بعد رمضان يحصل بها مقصود الحديث وغرضه، ولا خصوصية لستة أيام من شوال، وقد أصل القاضي عياض لهذه الفكرة قائلا:
"قال القاضى: ما حكاه ـ يقصد المازرري ـ عن بعض أهل العلم نص فى الحديث نفسه من رواية ثوبان، قال - عليه السلام -: " صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة بشهرين، فذلك صيام سنة ". وفى رواية أخرى: " الحسنة بعشر، فشهر بعشرة، وستةٌ بعد الفطر تمام السنة " خرجه النسائى  ).
ثم تابع القاضي عياض في نقل كلام الإمام المازري على هذا الحديث قائلا:(قال الإمام: أخذ بهذا الحديث جماعة من العلماء، وروى عن مالك وغيره كراهة ذلك لما ذكره فى موطئه: أنه لم ير أحداً من أهل الفقه والعلم يصومها، ولم يبلغنى ذلك عن أحد من السلف، وأهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء،  قال شيوخنا: ولعل مالكاً إنما كره صومه على هذا، وأن يعتقد من يصومه أنه فرضٌ، وأما من صامه على الوجه الذى أراد النبى - عليه السلام - فجائز، وقال بعضهم: لعل الحديث لم يبلغه أم لم يثبت عنده، أو وجد العمل بخلافه.
قال القاضى: ويحتمل أن كراهة ما كره من ذلك، وأخبر أنه غير معمول به اتصال هذه الأيام برمضان إلا فصل يوم الفطر، فأما لو كان صومها فى شوال من غير تعيين ولا اتصال أو مبادرة ليوم الفطر فلا، وهو ظاهر كلامه بقوله فى صيام ستة أيام بعد الفطر".
وهذا الكلام واضح في أن الكراهة مقيدة.
ثم إن دندنة هاؤلاء الفحول حول دلالة المتن تبين أنها غير صريحة في ستة من شوال بالضبط، وأنها يجوز أن تكون من غيره من الشهور.
وكل ذاك يجعل دلالة هذا الحديث  غير صريحة، ولا نصا بالمفهوم الأصولي إذ النص لا يقبل التأويل.
ضف إلى ذلك دندنتهم حول إسناده، ومعهم في ذلك ابن القيم الذي مذهبه أن هذه الستة يطلب صومها، غير أن ذلك لم يمنعه من أن يدندن حول الإسناد قائلا ـ في حاشيته على سنن أبي داود ـ َ(...هذَا الْحَدِيث قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَأَوْرَدَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه.
وَضَعَّفَهُ غَيْره؛ وَقَالَ هُوَ مِنْ رِوَايَة سَعْد بْن سَعِيد أَخِي يَحْيَى بْن سَعِيد قَالَ النَّسَائِيّ فِي سُنَنه سَعْد بْن سَعِيد ضَعِيف كَذَلِكَ قَالَ أحْمَد بْن حَنْبَل:  يَحْيَى بْن سَعِيد الثِّقَة الْمَأْمُون أَحَد الْأَئِمَّة؛ وَعَبْد رَبّه بْن سَعِيد لَا بَأْس بِه؛ِ وَسَعْد بْن سَعِيد ثَالِثهمْ ضَعِيف... )
وإن كان ابن القيم أخيرا توصل إلى أن هذا لا يضعف هذا الحديث، غير أن هذه الدندنات من هاؤلاء الأئمة حول  إسناد هذا الحديث، تحرمه من أن يكون حصل على الصحة التامة.
بقي أن نشير إلى أن الأصل الذي اتكأ عليه مالك في ترك مدلول هذا الحديث وصرح به وهو سد الذرائع، أصل قرآني، اتكأ عليه مالك كثيرا، وبنى عليه جملة من الفروع الفقهية.
قال الإمام القرافي ـ في الذخيرة ـ (...وفي مسلم "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كأنما صام الدهر كله" واستحب مالك صيامها في غيره خوفا من إلحاقها برمضان عند الجهال وإنما عينها الشرع من شوال للخفة على المكلف بسبب قربه من الصوم وإلا فالمقصود حاصل في غيره فيشرع التأخير جمعا بين المصلحتين.. ).
وقال الإمام الشاطبي ـ في الموافقات ـ (..ونهى - يقصد مالكا ـ  عن صيام ست من شوال مع ثبوت الحديث فيه؛ تعويلا على أصل سد الذرائع ).
وقد حاول بعض العلماء أن يضعف هذا المستند هنا قائلا إن السنة لا تترك خوف أن يعتقد بعض الناس وجوبها!
وبغض النظرعن أن هذا منهج مالكي اختطه مالك لنفسه، واستفاده من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله، فإنما قاله هذا العالم ـ  رغم شحنته الإيمانية ـ يمكن أن يناقش فيه، فلو تتبعنا فروع الشريعة ومدارك الأحكام لوجدنا الواجب ـ وليس المستحب فقط ـ يترك سدا للذريعة، وما حديث ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم منا ببعيد، وهو حديث في الصحيحين.
وفي مصنف عبد الرزاق: " وقال حذيفة بن أسيد: شهدت أبابكر وعمر وكانا لا يضحيان مخافة أن يرى الناس أنها واجبة.. "
فهاهما الخليفتان أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم  يتركان سنة مؤكدة - وليس مستحبا فقط - مخافة اعتقاد العوام وجوبها.
نفس منهج مالك؛ فقد تبعهما حذو النعل بالنعل.
وقد كان عبد الله بن عباس وأبو أيوب الأنصاري  أيضا يتركان الأضحية ويظهران ذلك ـ وهي سنة ـ خشية أن يعتقد العوام وجوبها، وتبعهما في هذه المسألة الشافعي.
وجاء في مصنف عبد الرزاق: (عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدَعَ الْأُضْحِيَةَ، وَإِنِّي لَمِنْ أَيْسَرِكُمْ بِهَا مَخَافَةَ أَنْ يُحْسَبَ أَنَّهَا حَتْمٌ وَاجِبٌ») .
وفيه أيضا (عَنْ مَعْمَرٍ، وَالثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ: «إِنِّي لَأَدَعُ الْأَضْحَى، وَإِنِّي لَمُوسِرٌ مَخَافَةَ أَنْ يَرَى جِيرَانِي أَنَّهُ حَتْمٌ عَلَيَّ») 
وهذا نفس منهج مالك في كراهة صيام ستة أيام من شوال 
يقول الإمام الشاطبي - في الموافقات - في تنظيره لترك بعض المستحبات خوف اعتقاد العوام وجوبها، (والرابع: أن أئمة المسلمين استمروا على هذا الأصل على الجملة وإن اختلفوا في التفاصيل؛ فقد كره مالك وأبو حنيفة صيام ست من شوال، وذلك للعلة المتقدمة، مع أن الترغيب في صيامها ثابت صحيح؛ لئلا يعتقد ضمها إلى رمضان.
قال القرافي "وقد وقع ذلك للعجم". 
وقال الشافعي في الأضحية بنحو من ذلك، حيث استدل على عدم الوجوب بفعل الصحابة المذكور وتعليلهم.
والمنقول عن مالك من هذا كثير، وسد الذريعة أصل عنده متبع، مطرد في العادات والعبادات ).
وقول الشاطبي إن القرافي قال إنما خاف منه مالك  ـ من ظن العوام وجوب صوم الستة ـ وقع، يدلك على أن مالكا كان ينظر بنور الله، وأن قوله في ذلك صائب، ونص كلام القرافي  ـ كما في الفروق له (...وعن الثاني أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال من شوال عند المالكية رفقا بالمكلف؛ لأنه حديث عهد بالصوم فيكون عليه أسهل، وتأخيرها عن رمضان أفضل عندهم لئلا يتطاول الزمان فيلحق برمضان عند الجهال؛ قال لي الشيخ زكي الدين عبد العظيم المحدث - رحمه الله تعالى - إن الذي خشي منه مالك - رحمه الله تعالى - قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم، والقوانين، وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد. ويؤيد سد هذه الذريعة ما رواه أبو داود «أن رجلا دخل إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى الفرض وقام ليتنفل عقب فرضه، وهنالك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقام إليه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال له اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصاب الله بك يا ابن الخطاب»
 ومقصود عمر - رضي الله عنه - أن اتصال النفل بالفرض إذا حصل معه التمادي اعتقد الجهال أن ذلك النفل من ذلك الفرض ولذلك شاع عند عوام مصر أن الصبح ركعتان إلا في يوم الجمعة فإنه ثلاث ركعات؛ لأنهم يرون الإمام يواظب على قراءة السجدة يوم الجمعة ويسجد فيعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة، وسد هذه الذرائع متعين في الدين وكان مالك - رحمه الله - شديد المبالغة فيها.
وقال الشافعية - رحمهم الله -: خصوص شوال مراد لما فيه من المبادرة للعبادة والاستباق إليها لقوله عز وجل {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] و {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} [آل عمران: 133] ولظاهر لفظ الحديث ومن ساعده الظاهر فهو أولى وجوابهم ما تقدم من سد الذريعة وعن الثالث أن مزية الست على السبع، أو الخمس تظهر بتقرير معنى الستة وذلك أن شهرا بعشرة أشهر، وستة أيام بستين يوما؛ لأن الحسنة بعشرة والستون يوما بشهرين، وشهران مع عشرة أشهر سنة 
كاملة فمن فعل ذلك في سنة هو بمنزلة من صام تلك السنة لتحصيله اثني عشر شهرا فإذا تكرر ذلك منه في جميع عمره كان كمن صام الدهر..) 
وأنا أقول لقد حدث في زماننا هذا أيضا ما خاف منه مالك ، فكثيرا ما أسأل ـ شخصيا ـ هذه الأيام عمن لم يستطع صوم ستة من شوال، هل تلزمه الكفارة، أو عليه القضاء!
وللقرافي جولات في عربية هذا الحديث ماتعة، وصولات في فقهه ناصعة، تركناها مخافة التطويل، وخوف الخروج عما نحن فيه .
وأخيرا فإن من صام هذه الأيام لا عتب عليه، بل هي مستحبة لدى بعض العلماء بإطلاق، مكروهة لدى بعضهم بتقييد، والخطب فيها سهل، فهو خلاف في مستحب!
 وإمام دار الهجرة لا دَرَكَ عليه في كراهته المقيدة لصومها، فقد تبينت أدلته، واتضح بعد نظره، وشتان ما بين من ينظر بنور الله؛ وبين من ينظر بنور گوگل!
 ولو سكت الجاهل لقل الخلاف؛ واستراح الناس.

فهرست المصادر والمراجع.
القرآن الكريم.
صحيح مسلم.
مصنف عبد الرزاق.
الاستذكار.
الاعتصام.
المنتقى.
أحكام القرآن لابن العربي.
القبس شرح موطأ مالك بن أنس.
إكمال المعلم بفوائد مسلم.
حاشية ابن القيم على سنن أبي داود.
الذحيرة للقرافي.
الفروق للقرافي.
الموافقات للشاطبي.

إرسال تعليق

أحدث أقدم