صدر في العدد الاول، في 7 يوليو 2020 من
البحوث المحكمة في المجلة الاكاديمية للأبحاث والدراسات بحث بعنوان:
التربية في ظل العوامل والمتغيرات المعاصرة
بقلم د. محمد القاسم أحمد جِّباب
أستاذ جامعي.
kassem1433@hotmail.fr
المقدمة
الحمد لله رب العالمين العليم الخبير البر الرحيم
والصلاة والسلام على النبي الامين، والسراج المنير الرؤوف الرحيم
ربى صحابته أحسن تربية حتى كانوا افضل جيل وأعمق ايمانا، وأوسعها علما وأزكاها تربية، فكانوا خير هداة ومعلمين تفرقوا في شتى أصقاع البلاد الإسلامية فحملوا راية الدين، ومنهاجه القويم، حتى أوصلوا إلينا منهاج تربية سليمة وأهداف نبيلة، وفطرة قويمة، وعقيدة صحيحة، حتى كانت التربية مقصدا وأسلوبا من أساليب الحياة فقد أعطاها الإسلام أهم مكانة، وأولى أصحابها أفضل درجات، وجعل أهلها قدوة يتأسى بهم غيرهم، وإذا كان هذا هو ديدن التربية بأهلها، فلا غرو أن كانت نُصُب عين الباحثين، والدارسين لتطورها وتحولاتها عبر العصور المختلفة، وكيفية تأثرها ومحيطها الثقافي، ومستجدات تغيراتها المعاصرة، فلذا أحببت أن انتظم في سلك هؤلاء الباحثين، وأن أنتظم في صفهم، لعلي أن أكون مثلهم،
وإذا كانت كتابة سطور في موضوع ما، بعد البحث والتنقيب والتحري ومراجعة مصادرنا الإسلامية ونبش التراث وكتب الثقافة، يعد قراءة أو ملاحظة من خلال تفكير في قضية ما، فإننا بذلك نعني ما نقوم به من إلقاء نظرة أوقراء حول "العوامل التي أدت إلى التحولات المعاصرة في التربية " والتي من خلالها سنستعرض أهم المشكلات والصعوبات التي تكتنف هذه التحولات عن هذا الموضوع الحيوي الهام.
ونحب أن نوضح منذ البداية أن ما نعنيه بالتربية الإسلامية هنا هو ليس مفهومها العام وإنما مفهومها الاصطلاحي الذي يخص المربين وأساتذة التربية والذي يتصل بالمفاهيم والأسس والمبادئ التي تحكم النظرية التربوية في الإسلام بأبعادها المختلفة.
وسنحاول في هذه السطور الاتية أن نتعرض لأهم قضايا التربية وتحولاتها المعاصرة، ومدى ملامح منهجيتها وتغيراتها عن التربية الإسلامية.
ولنا ان نتساءل في البداية، فما هي أهم أبعاد التربية؟ وما هي الأسس التي بنيت عليها؟ وما هي أبرز العوامل التي أدت الى ظهور التحولات المعاصرة وكيف كانت أهدافها وخصائصها؟ وما هي أبرز إشكالياتها، ودواعي الاهتمام بها؟
وسنحاول من خلال لملمة هذا البحث ووضع ركائزه وقوائمه الأساسية أن نستعرض الإجابة على هذه التساؤلات ضمن هذا المبحث المبارك بإذن الله تعالى، وسوف يكون ان شاء الله تعالى في فصلين اثنين:
الفصل الاول: في التربية وأهدافها، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الاول: مفهوم التربية الإسلامية.
المبحث الثاني: أهداف مناهج التربية وأسسها.
المبحث الثالث: أهمية التربية المعاصرة وقيمتها العلمية
الفصل الثاني: التربية المعاصرة وأهدافها.
وفِي مقدمته تمهيد، ومبحثان:
المبحث الاول: العوامل المؤدية للتغيرات المعاصرة.
المبحث الثاني: خصائص التحولات والحلول المعاصرة.
ثم الخاتمة، والمصادر والمراجع.
والله أسأله سبحانه وتعالى الإخلاص في القول والعمل، وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل..
مدخل في عوامل نهضة التربية
والتعليم وتحولاتها المعاصرة
إن التعليم الإسلامي في حركة تطوره عبر العصور المختلفة شهد عدة تطورات هامة سواء من حيث الشكل أو المضمون. فمن حيث الشكل اعتمد التعليم الإسلامي في العصور الإسلامية الأولى على المسجد والكتاب والمكتبات كمراكز للتعليم ...
ثم ظهرت المدارس فيما بعد في القرن الخامس الهجري على يد نظام الملك الوزير السلجوقي الذي أنشأ المدرسة النظامية في بغداد وغيرها من المدارس في البصرة والموصل وبلخ وأصفهان.
وازدهرت حركة إنشاء المدارس في العالم العربي الإسلامي فيما بعد، حتى الفترة التي خضعت فيها البلاد العربية للحكم التركي العثماني.
وعندها أخذت حركة التعليم والمدارس في الذبول، وكان ذلك نتيجة طبيعية للسياسة التركية في الأقطار العربية من ناحية، وضعف الدول العثمانية وتأخرها من ناحية أخرى.
وعندما نصل بسرعة إلى بداية الاستقلال والتحرر الوطني في البلاد العربية نجد الاهتمام بتطوير نظم التعليم والمدارس.
وقد سار هذا التطوير في اتجاهين رئيسيين:
الاتجاه الأول: تمثل في محاولة إصلاح معاهد التعليم القائمة ومراكزه التقليدية كالأزهر والقرويين والزيتونة والكتاتيب، والمحاظر.
وقد ارتبط بهذا الاتجاه عدة محاولات إصلاحية هامة منها محاولة الإمام الشيخ محمد عبده، والشيخ محمد محمود بن التلاميد الشنقيطي، والشيخ العروسي، والطهطاوي، وعلي مبارك، وغيرهم.
أما الاتجاه الثاني فقد تمثل في إنشاء المدارس الحديثة على غرار المدارس الأوربية ولا سيما الفرنسية منها. وقد ترتب على هذا الاتجاه وجود نظامين للتعليم أحدهما النظام الديني التقليدي والثاني النظام الحديث المقتبس.
وقد شكل هذا الوضع ثنائية تعليمية كان لها أثار بعيدة على الوحدة الفكرية والثقافية بل والاجتماعية للبلاد العربية.
وبصرف النظر عن اختلاف التربويين في تقييم الآثار المترتبة على اقتباس المدارس الحديثة فإنها قد استطاعت أن تقوم بدور هام في سد احتياجات البلاد ومتطلباتها الثقافية في نهضتها الحديثة. بل واستطاعت هذه المدارس أن تؤثر من حيث الشكل والمضمون على نظام المدارس التقليدية.
وهناك نتيجة هامة أخرى ترتبت على وجود نظام المدارس الحديثة هي وجود سلطة من غير رجال الدين للإشراف على هذه المدارس.
وينبغي ألا يفهم من ذلك أن تعليمنا الإسلامي التقليدي قد فقد أصالته لما طرأ عليه من هذا التغيير في الشكل، وإنما يجب أن ينظر إلى هذا التغيير على أنه مرحلة تطورية لم يكن لها أن تحدث ما لم تكن مناسبة لثقافتنا وقيمنا الإسلامية.
وهناك كثير من الأمثلة على أن الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل قد انفتحت على الثقافات الأخرى واقتبست منها ما يناسبها سواء في نظام الحكم أو الإدارة أو التجارة أو الزراعة أو الصناعة أو الثقافة أو التعليم.
ولم يشعر السابقون بغضاضة في ذلك. فما بالنا لا نتعظ بهم.
إن عالمية الرسالة الإسلامية تعني فيما تعني انفتاح المسلمين على العالم كله بخبراته وتجاربه عن وعي وبصيرة وإدراك حقيقي، دون ترك الحبل على الغارب بالطبع.
أما التطور الذي حدث للتعليم الإسلامي وهو التطور في المضمون فمن المعروف أن التعليم الإسلامي بدأ بالعلوم النقلية وهي علوم القرآن الكريم وما يتصل بها من تفسير وفقه وعبادات ثم أضيفت إليها علوم اللغة واللسان باعتبارها علوما مساعدة لفهم العلوم النقلية ومعرفتها. وفيما بعد دخلت العلوم العقلية من رياضيات وطب وكيمياء وفلك وفلسفة وغيرها.
وقد تطورت هذه العلوم وتنوعت نتيجة للتقدم المعرفي الهائل الذي شهده العالم.
يقول الباحث الباحث محمد منير مرسي: -التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية (١/٤٢) - وينبغي ألا يكون لدينا أي تخوف من الاستفادة من هذه العلوم ما دامت هي مصدر قوة للمسلمين.
وما دامت تعمق فهمنا للدين وتمكننا من السيطرة على الكون ومعرفة قوانينه التي تدل على عظمة الخالق عز وجل.
كما تساعدنا هذه العلوم أيضا على تعمير الأرض واستغلال ثرواتها وخيراتها التي خلقها الله لنا.
لقد جعل الله الإنسان خليفته على الأرض وأمره بأن يسكنها ويعمرها ويستفيد من خيراتها ورزقها.
وفضل الله الإنسان على كثير من خلقه ووهبه هذا العقل الذي يستطيع أن يتميز به عن سائر المخلوقات. وهو مطالب بأن يستخدم هذا العقل وأن يسخره في أداء الرسالة التي كلف بها على الأرض.
وهكذا نعتبر كل العلوم علوما إسلامية ما دامت تزيد من فهمنا لديننا وتعمق إيماننا بربنا وتمكننا من الاستفادة من نعم الله التي خلقها لنا في الكون.
بيد أن أهم نقاط الضعف التي جعلت تعليمنا المعاصر يبتعد عن أصالته الإسلامية تتمثل في أن تدريس العلوم العقلية المختلفة يفتقر إلى توجيهه الوجهة الإسلامية الصحيحة.
فهذه العلوم تدرس موضوعاتها عادة على أن معرفتها هدف في حد ذاتها، ولهذا نجد أنه لا فرق بين تدريس هذه المواد في مدارسنا ومدارس غيرنا اللهم إلا في كونها مكتوبة بلسان عربي.
وعلينا إذا أردنا أن نؤصل هذه العلوم العقلية أن نوجه تدريسها وجهة إسلامية. وهذا يعني أن يتمشى تدريسها مع الأهداف التي تسعى التربية الإسلامية إلى تحقيقها.
ومن ثم يجب أن تدرس هذه العلوم لبيان عظمة الخالق عز وجل وترسيخ إيماننا به وإحكام سيطرتنا على الطبيعة والكون واستغلال ثرواتها، ولكن ماذا عن النظريات العلمية التي لا تتمشى مع الفكر الإسلامي، كنظرية التطور مثلا، أو نظرية النشوء والارتقاء؟ ...
هل نمنع تدريسها في مدارسنا؟
الواقع أنه ينبغي ألا يكون هناك مجال لمثل هذه النظريات في المراحل الأولى من التعليم. وربما جاز لنا تدريس بعض هذه النظريات في المرحلة الأخيرة من التعليم الثانوي.
ويكون تدريسها بهدف نقدها في ضوء النظرية الإسلامية وإبراز نقاط الضعف فيها.
أما في التعليم الجامعي والعالي فالمجال يتسع لنقد المذاهب الفكرية أو النظريات العلمية المغايرة، بحيث يكون الطالب أكثر نضجا وأكثر إيمانا بدينه وعقيدته.
ولنا في سلفنا الصالح أسوة حسنة. فجمال الدين الأفغاني على سبيل المثال ألف رسالة في الرد على الدهريين، وانتقد فيها نظرية دارون ولامارك في التطور.
ولقد أردت بهذا المثال أن أؤكد على ألا يحجر على عقول الشباب المسلم بحجة عصمته وحمايته، وإنما ينبغي أن نحرر فكره من الجمود في ظل إيمان لا يتزعزع وعقيدة إسلامية راسخة.
وهذا يتطلب ضرورة العناية باختيار موضوعات المناهج الدراسية الإسلامية الصحيحة التي تخدم أغراض التربية الإسلامية كما سياتي في ثنايا هذا البحث.
ويجب على من يتصدى لهذا العمل أن يكون على حظ كبير من المعرفة بأمر دينه، وعقيدته إلى جانب تخصصه العلمي.
وأن يكون قادرا على توجيه تخصصه وجهة إسلامية صحيحة، ومع أن تحقيق ذلك ليس بالأمر السهل، كما يبدو فإنني أعتقد أن هذا هو الطريق الصحيح لتأصيل تعليمنا الإسلامي.
وهناك نقطة ضعف أخرى جعلت تعليمنا الإسلامي يبتعد عن أصالته الإسلامية.
وهي تتمثل في قلة عنايته بالعلوم الدينية وعدم إعطائها المكانة التي تستحقها بل وعدم تقديمها في أسلوب محبب إلى النفس وبصورة يجد فيها المتعلم مجالا كبيرا للاستفادة منها وتطبيقها في حياته ...
إن افتقار الناحية الوظيفية في برامج التربية الدينية والعلوم الإسلامية في مدراسنا من أكبر عوامل هدمها ونفور التلاميذ منها.
ولهذا إذا أردنا أن نؤصل هذا الجانب في تعليمنا الإسلامي والتجديد، فإلى أي حد يكون التجديد في نطاق الأصالة وإلى أي حد نمتد بالأصالة في نطاق التجديد؟
إن حل هذه المعادلة يستند إلى روح الإسلام الحقة التي تقوم على التوسط والاعتدال.
فخير الأمور الوسط {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} وفي هذا الإطار ينبغي ألا نجعل أيدينا مغلولة إلى عنقنا وألا نبسطها كل البسط.
فعلينا أن نجعل لتدريس العلوم الدينية مغزى وظيفيا في حياة التلميذ يرتبط بحياته التي يحياها كما يرتبط بمعاملاته الفردية والاجتماعية.
ويجب أن تستهدف هذه العلوم الدينية مساعدة الإنسان المسلم على معرفة أصول دينه وأحوال دنياه وأن تنمي فيه الانتماءات الإسلامية الصحيحة.
إن تجديد نطاق التربية في ظل التعليم الإسلامي مطلوب بمقدار حرصنا على أصالته، والأصالة لا تتعارض مع التجديد.
ذلك أن التعليم الإسلامي في حركته إلى الأمام ينبغي أن يكون أصيلا متجددا في نفس الوقت. لأنه رسالة أصيلة متجددة صالحة لكل زمان ومكان ومناسبة لكل الناس على اختلاف دوران أمورهم وأحوالهم.
ولكن قد تبدو المعادلة صعبة ومع ذلك فإن التجديد في التربية والتنظير لها ينبغي أن يأخذ بأسباب الأصالة، وبهذه الروح فقط يصبح للتجديد معناه الحقيقي.
الفصل الأول:
التربية وأهدافها.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الاول: مفهوم التربية الإسلامية.
المبحث الثاني: أهداف مناهج التربية وأسسها.
المبحث الثالث: أهمية التربية المعاصرة وقيمتها العلمية..
المبحث الأول: مفهوم التربية الاسلامية.
لا شك أن التربية أساس صناعة الانسان والطريق الأمثل لقوامة الأجيال، وهي فرع عن العلم، والعلم شعار الإسلام وفطرة الله في الإنسان، فالإنسان هو خليفة الله في الأرض ليعمرها ويرقيها وفق منهج الله، وهي منزلة اشرأبت لها أعناق الملائكة وتشوفت إليها نفوسهم، فلن يعطوها، ومنحها الله للإنسان1.
وعمارة الأرض وترقيتها لا تكون إلا بالعلم، ولذلك عندما أراد الله أن يعد الإنسان لحمل أمانة تنفيذ منهجه في الأرض، هيأه لها بالعلم: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 31-33] .
ولا عجب في أن العلم هو شعار الإسلام الأول، فأولى الآيات التي نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هي: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5]
كما جعل الإسلام طلب العلم فريضة.
وطالب العلم مجاهد في سبيل الله، كما أكد الإسلام هذا الشعار في كل مناسبة حتى يذكر الإنسان، ويحرك أحاسيسه، ويثير مشاعره كلما تبلد أو ابتعد عن منهج الله، والآيات والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى في هذا المقام.
أما كون العلم فطرة الله في الإنسان، فهذا يمكن فهمه من القرآن في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172].
فالآية ترجع مسألة العلم بوحدانية الله، والاعتراف بربوبيته إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم وذات تكوينهم، ولقد شهد الكيان البشري على نفسه بهذه الحقيقة، وذلك بحكم وجوده، فوجوده يعني هذه الحقيقة.
فإذا كان العلم بوحدانية الله، والاعتراف بربوبيته -وهما غاية كل علم- فطرة في الكيان البشري، فإن تعلم كل العلوم القديمة والحديثة يجب أن تكون الغاية منه هي الحفاظ على فطرة الله في الإنسان، وحتى الرسالات والكتب السماوية ما هي إلا تذكير وتحذير وتقويم لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى.
فقد اقتضت رحمة الله ألا يكل الناس إلى أنفسهم، فقد تنحرف عن الفطرة، وألا يكلهم إلى عقولهم فقد تضل، وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
دور المناهج التربوية:
هنا يأتي دور المناهج التربوية، فالعلم ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة للحفاظ على فطرة الله في الإنسان حتى لا تنحرف عن العلم بوحدانية الله، والاعتراف بربوبيته، والمعرفة ما هي إلا وسيلة لإقدار الناس على القيام بحق الخلافة في الأرض بإيجابية وفاعلية.
فالتقاعس عن التعليم والتعلم، وانتشار الجهل هما سير ضد الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وضد مقتضيات القيام بحق الخلافة في الأرض؛ لأنها سبيل الخراب والتخلف لا الإعمار والرقي.
وهنا ترتبط قضية العلم، بقضية الإيمان بالألوهية والوحدانية، وبقضية خلافة الإنسان في عمارة الأرض وترقيتها برباط واحد، وأي منهج للتربية لا تظهر فيه هذه العلاقة الوطيدة فهو منهج منحرف، ولا علاقة له بالإسلام.
محمد متولي الشعراوي: منهج التربية في الإسلام، القاهرة، دار المسلم، بدون تاريخ، ص11-12
والخلاصة، أن المجتمع المتحضر يتخذ العلم وسيلة للحفاظ على فطرة الله في الإنسان وهي العلم بالألوهية والوحدانية، والاعتراف بالربوبية، كما يتخذه وسيلة لإقدار أبنائه على المساهمة بإيجابية وفاعلية في عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله.
التدفق المعرفي:
يتلقى الإنسان معرفته من الوحي والنص، ومن الكون والحياة، فالإسلام يرد كل شيء ابتداء إلى إرادة الله وتدبيره، ويرد الخلق كله بما في ذلك الكون، والإنسان، والمعرفة إلى إرادة الله الواحد، ومن ثم فلا تناقض في أن يكون الكون أو "الطبيعة"، وأن تكون الحياة بأوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية مصدرا آخر للمعرفة بجانب الوحي، وعن طريق العقل، وسائر المدارك والطاقات فيه، باعتبار أن هذا كله من صنع الله، فهي من عنده، كما أن الوحي من عنده أيضا، ولكي يقوم الإنسان بحق الخلافة كاملا، لا بد من إعداده وتربيته من خلال مناهج مخططة ومنظمة، بحيث يكون قادرا على مواجهة التدفق المعرفي الهائل الذي نتج عن الثورة الهائلة في تكنولوجيا الاتصالات.
ويلزم لذلك ثلاث مهارات رئيسية.
1- القدرة على الاختيار والانتقاء من المعارف المتدفقة.
2- القدرة على إعادة تنظيم المعرفة في نسق علمي ومنطقي.
3- القدرة على الاستخدام الأمثل للمعرفة في إنتاج الأفكار والأشياء.
العلم وتعليم الكبار:
لقد بدأ تعليم الكبار في تاريخ البشرية بتعليم الله لآدم الأسماء كلها: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 31، 32] .
وكانت بداية الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقول الله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] هو حادث ضخم بحقيقته، وضخم بدلالاته، وضخم بآثاره في حياة البشرية، وهذه اللحظة التي تم فيها هذا الحادث تعد -بغير مبالغة- هي أعظم لحظة مرت بهذه الأرض في تاريخها الطويل"1،
ولهذا فليس من المبالغة القول بأن العلم هو شعار الإسلام الأول.
ولقد رفع الإسلام -من اللحظة الأولى- شعار العلم لتحقيق الفطرة، فالعلم فطرة الله في الإنسان، وهذا واضح في قول الله تعالى في الاعراف: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (١٧٢).
فهذه الآية ترشدنا بوضوح إلى مجموعة من الأمور أهمها ما يلي:
أولا: أن العلم بالألوهية والوحدانية -وهو غاية كل علم- فطرة الله في الإنسان، وأن الانحراف عن هذا العلم هو انحراف عن فطرة الله التي فطر الناس عليها.
ولهذا يجب مقاومته بجميع الوسائل لرد الإنسان إلى الفطرة.
ثانيا: يترتب عليها أولا، أن الأخذ بأسباب العلم فريضة لازمة لتأكيد الفطرة والحفاظ عليها وعدم الانحراف عنها؛ لأن الانحراف عنها يتبعه الانحراف عن الإيمان بوحدانية الله، وما يترتب عليه من انحراف الإنسان عن وظيفته، ألا وهي عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله.
ثالثا: وبما أن العلم فطرة الله في الإنسان، وهو سبيل الإنسان إلى معرفة الله وخشيته {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] وهو وسيلته إلى عمارة الأرض وترقيتها، فإنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالاستمرار في عملية التعليم والتعلم من الصغر إلى الكبر.
إن حاجات الحياة متغيرة متجددة بتغير الحياة نفسها، وهذا يتطلب -بطبيعة الحال- استمرار الإنسان في التعلم لينفض عن نفسه، وعن مشاعره، ما يكون قد علق بها من صدأ أو بلادة، نتيجة الانغماس في الحياة تحت وطأة قبضة الطين ومطالبها.
رابعا: إن عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها، عملية مستمرة دائمة، وهي بالتالي تتطلب معلومات متجددة، وهذا كله يتطلب التربية والتعليم والتدريب للكبار بصفة دائمة ومستمرة. سيد قطب في ظلال القران: (٦/٣٩٣٦).
إن الإنسان الذي يقوم بحق الخلافة في الأرض، هو الذي يأخذ بكل الأسباب التي تساعده في أداء هذه الغاية بطريقة حسنة، فالمسلم مطالب بحسن الأداء، لا بمجرد الأداء، وهذا يتطلب أن يكون الإنسان متجددا ومترقيا وملما بكل ما يجد في ميدان عمله من معارف وخبرات ومهارات، إذن فترقية الحياة وفق منهج الله تتطلب التربية المستمرة، بل وحسن التربية.
المناهج ومصادر العلم:
تختلف مصادر منهج التربية في الإسلام عن مصادر المناهج الأخرى، فمنهج التربية يستمد أصوله وموجهاته من منهج الله الكلي للكون والإنسان والحياة، والمتمثل في شريعة الله، أما معظم المناهج الأخرى فتستمد أصولها من الفلسفات والنظريات التابعة لها.
فالشريعة الإسلامية كفت القائمين على بناء منهج التربية في الإسلام شر اللجوء إلى الفلسفات والنظريات البشرية.
فالفلسفات يلجأ إليها غير المسلمين لعدم وجود شريعة عاملة لديهم، وفي ذلك يقول ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله": "إن أهل الفلسفة قد قسموا العلوم إلى علم أعلى، وعلم أوسط، وعلم أسفل. وجعلوا الفلسفة هي العلم الأعلى؛ لأن هذا العلم عندهم يرتبط بأمور قد أغنت عن الكلام فيها كتب الله الناطقة بالحق، المنزلة بالصدق، وما صح عن الأنبياء صلوات الله عليهم. ابن عبد البر النمري القرطبي: جامع بيان العلم وفضله، ((٢/٣٧-٣٨٧).
فيجب أن لا نحيد عن القرآن والسنة، كأصول وموجهات لمنهج التربية، فما ضياعنا إلا نتيجة مباشرة لهذا الحياد عن أصول منهج الله، ولقد كان المسلمون الأول يدركون هذه الحقيقة حتى إن عمر رضي الله عنه كما يقول ابن القيم: "كان يمنع الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم، وزبد أفكارهم، وزبالة أذهانهم عن القرآن والحديث؟. ابن القيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين (٣٦٧).
هذه هي طبيعة هذه المنهج، يجب أن نعرفها، وألا نحاول تغييرها لرغبات معجلة مهزومة أمام أزياء الفلسفات والنظريات البشرية، فهو بهذه الطبيعة صنع الأمة المسلمة أول مرة، وبها يصنع الأمة المسلمة في كل مرة يراد فيها أن يعاد إخراج الأمة المسلمة للوجود كما أخرجها الله أول مرة: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] .
وتختلف مصادر العلم في منهج التربية باختلاف نوع المعلوم. فالكون محسوس وغير محسوس، شهود وغيب، فالغيب مصدر العلم به هو الوحي الصادق من صاحب الغيب -سبحانه وتعالى، وتحقيق هذا العلم يكون بتحقيق نسبة الخير إلى الله عز وجل، والمحسوس سبيل العلم به الملاحظة، والتجربة، والخير أيضا، ويكون تحقيق الخير بالاستقراء والاستنباط والملاحظة والتجربة. مناهج التربية الإسلامية أسسها وتطبيقاتها: (١/١١٣).
المبحث الثاني: أهداف مناهج التربية وأسسها.
ولمناهج التربية أسس تتمثل في طبيعة المعرفة، والطبيعة الإنسانية، وطبيعة المجتمع والحياة، وهذه المبادئ يجب أن تراعى في بناء المناهج وتنفيذها وتقويمها وتطويرها.
ونحاول الان أن نقدم عناصر المنهج أو مكوناته وهي: الأهداف: والمحتوى: وطرائق وأساليب التدريس؛ وطرائق التقويم، لكننا في هذا المبحث نبدأ
المبحث الأول: مكونات المنهج وأهدافه.
فنحدد معنى الهدف، وأنواع الأهداف، ومعايير جودتها، ثم نعرض بعد ذلك الأهداف التي ينبغي أن تعمل مناهج التربية بكل محتوياتها ومقرراتها وخبراتها على تحقيقها في المتعلمين, على اختلاف أنواعهم ومستوياتهم، حتى تقدرهم على المساهمة الفعالة في تحقيق مقتضيات الخلافة في الأرض وفق منهج الله.
أهمية تحديد الأهداف:
إن من أهم عوامل فشل المناهج التربوية في أي مكان هو عدم تحديد أهدافها تحديدا يتسق مع الإنسان من حيث مصدر خلقه، ومركزه في الكون، ووظيفته في الحياة، وغاية وجوده، إن هذه المناهج لا تجانب الطريق السليم في إعداد الإنسان فحسب، بل إنها تحدث الخلل والفساد في فطرته وإنسانيته، ومن ثم في عمارة الأرض.
الأهداف بين الثبات والتغير
لا شك أن تعلم كل الحقائق والمعايير والقيم الإلهية الثابتة، يمثل أهدافا ثابتة لمنهج التربية، كما أن الدقة والمهارة في إجراء كل ما تقتضيه صور التطبيق الثقافي والحضاري في المجتمع يمثل أهدافا متغيرة لهذا المنهج.
وهناك من المفكرين الغربيين من لا يروق لهم القول بوجود أهداف ثابتة للمنهج "جون ديوي" على سبيل المثال, يؤكد بشكل قاطع أن "الفكرة القائلة بأن النمو والتقدم يرميان إلى هدف نهائي لا يتغير ولا يتبدل، هي: آخر أمراض العقل البشري في انتقاله من نظرة جامدة إلى نظرة مفعمة بالحركة والتغير.
ولكن هذا القول يجانبه الصواب. فالحقيقة التي يؤكدها واقع عالمنا المعاصر أن جعل الأهداف التربوية كلها متحركة ومتغيرة قد أطاح بكثير من القيم الخلقية.
إن أي شأن من شئون الحياة ينبغي أن يسير وفق منهج الله، فسياسة الاقتصاد والمال، ونظام السياسة، ونظام الأسرة، وجميع ألوان التشريعات المدنية والإدارية، يجب أن تسير وفق هذا المنهج حتى تكون الحياة إنسانية حقا، إن الضابط الوحيد للحركة البشرية، والتطورات الحيوية، حتى لا تمضي شاردة على غير هدي، هو أن تسير كل هذه الأوضاع وفق الحقائق والمعايير والقيم الإلهية الثابتة، ومع "اعتبار الخبرات الإنسانية المتغيرة تبعا لمقتضيات الزمان والمكان والناس: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] .
تربية الإنسان وعمارة الأرض:
لا شك أن هناك علاقة ضرورية بين إعداد الإنسان وتربيته وفق منهج الله, وبين عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها1. ويمكن تأصيل هذه العلاقة من عدة جوانب:
الجانب الأول: أن الله قد كرم الإنسان وجعله مفضلا على كثير من مخلوقاته: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] وسخر له كل ما في السموات وما في الأرض لخدمته: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13] .
الجانب الثاني: أن الإنسان ليس مستهلكا فقط، بل هو منتج لنفسه ولغيره، فالأمة التي يعمل أبناؤها بجد وإتقان -ولا أقول يحسن أبناؤها العمل، فالإحسان في العمل أدق وأشمل من مجرد الجد والإتقان فيه- تكفي نفسها وتصدر فائض إنتاجها للآخرين من الجهلة والكسالى والمتواكلين، والأمثلة على ذلك كثيرة، فألمانيا بدأت من الصفر بعد الحرب العالمية الثانية، وهي الآن من أقوى الدول اقتصاديا على الأقل، واليابانيون وصلوا بجدهم وإتقانهم إلى درجة أن حولوا العالم كله إلى سوق لتصريف منتجاتهم, وكوريا وهونج كونج وتايوان وغيرهم في سباق على نفس الطريق. مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها: علي أحمد مدكور (١/١٠٦.
الجانب الثالث: هو أن الله قد أودع الإنسان طاقات كثيرة، منها ما هو ظاهر ومنها ما هو خفي، ليستخدمها في العمارة وترقية الحياة، كما أنه قد أودع الكون من الخيرات ما يكفي حاجة البشر وزيادة، وما الندرة النسبية للموارد الطبيعية إلا نتيجة للفقر في استخدام الطاقات الإنسانية بكفاءة وفاعلية في استخراج طاقات الكون، وكنوزه المذخورة فيه.
ويسود الحياة -عموما- نظامان متكاملان: نظام اجتماعي، ونظام بيئي، وهذا يحتم علينا ضرورة تحديد طبيعة المجتمع العربي، وطبيعة المعرفة التي يجب أن تسود هذا المجتمع، وفي هذا الفصل نفصل القول في القضية الأولى:
هذه العلاقة يشار إليها هذه الأيام عادة بـ"التربية والتنمية" وهي عبارة قاصرة عن إدراك المعاني التي نتحدث عنها هنا."
المبحث الثالث: أهمية التربية المعاصرة وقيمتها العلمية.
قد يعجب دارس تاريخ التربية من إغفال مراجع التربية المؤلفة في الغرب لموضوع التربية الإسلامية على الرغم من أن التربية الإسلامية قد عاشت أزهى فتراتها في وقت خيم فيه ظلام العصور الوسطى على الغرب.
وإذا كانت هذه الفترة من الظلام قد ميزت القرون الخمسة الأولى من العصور الوسطى في الغرب فإن شمس الحضارة كانت تشرق عالية في الشرق.
بل إن النهضة الأوربية التي بدأت في النصف الثاني من القرون الوسطى قد اعتمدت في غذائها الثقافي والفكري على نتاج الثقافة العربية والإسلامية إبان عصرها الذهبي.
ولعل العذر في هذا الإغفال من جانب المؤلفين الغربيين يرجع إلى عدم اهتمامهم بالموضوع رغم أهميته أو لجهلهم به أو ربما لتحيزهم وتعصبهم في بعض الأحيان.
صحيح أن التربية الإسلامية -كما قلنا- عاشت أزهى عصورها في هذه الفترة التي أعقبها فترة تدهور وانحطاط.
لكن هذا لا يقلل من دراسة التربية الإسلامية خلال تلك الفترة لمتابعة تطورها ونمو اتجاهاتها حتى نأتي إلى العصور الحديثة لتكتمل الصورة.
ولعل أهم إحدى عوائق هذا البحث عدم كثرة مصادر هذا الموضوع من الدراسات المعاصرة فهي جد قليلة.
ولعل الفجوة في تتبع دراسة تطور التربية الإسلامية حتى العصور الحديثة ما زالت قائمة، ولا توجد حتى الآن محاولة جادة في هذا الاتجاه.
وعلى الرغم من وجود محاولات متزايدة للكتابة عن التربية الإسلامية في السنوات الأخيرة، فإن هذه المحاولات تقصر في الأغلب والأعم عن إشباع حاجات وتطلعات المهتمين بهذا النوع من الدراسات.
وتبقى الكتابة عن التربية الإسلامية كالصخرة التي تتحدى ناطحها.
وحتى يتم ذلك ستظل الكتابة عن التربية الإسلامية تبحث لنفسها عن مخرج، وعندما نطرح سؤالا عن أهداف التربية أو المؤثرات التي غيرت مسار التربية، وما هي الحلول أو العوامل التي ستظل بيئة حافظة لتربيتنا، فكيف تكون إجابتنا عن هذا السؤال في ظل كل تلك التغيرات المتسارعة وتلك المستجدات المتلاحقة ؟
وكيف نستطيع إذًا أن نحدد منطلقاتنا الرئيسية للعمل التربوي الجاد ونحن نواجه منذ البداية بهذه الصعوبات.
إن أمامنا عملا كبيرا يتطلب جهودا مخلصة متضافرة تعمل على دفع البناء الفكر التربوي الإسلامي للنهوض في منهجه الصحيح بما يمكن الباحثين من العمل الإيجابي الهادف البناء سواء في ميدان التربية الإسلامية أو غيرها من الميادين.
ومن نافلة القول أن البلاد العربية في محاولة تجديد أوصالها والنهوض من كبوتها في العصور الحديثة اعتمدت على اقتباس النظم التعليمية من الغرب فأنشأت المدارس الحديثة على النظام الأوربي، وتركت مؤسسات التعليم الإسلامي على حالها حتى انطفأت تدريجيا.
وهكذا نشأ نظام تعليمي جديد عرف بنظام التعليم الحديث تمييزا له عن النظام التعليمي القديم أو التقليدي كما يشار إليه أحيانا.
وقد ترتب على ذلك وجوه ثنائية تعليمية بين النظامين انتهت بغلبة النظام الجديد وذبول أو اندثار النظام القديم، بل إن ما بقي من مؤسسات تعليمية إسلامية كالأزهر وغيره مثلا قد أدخل عليه تطوير كبير في أول الستينيات من القرن الماضي غير كثيرا من صورته السابقة.
والمشكلة التي تتحدى عصرنة الكتابة عن التربية الإسلامية أو الوضع الراهن لها تتمثل في عدم وجود مؤسسات أو نظم واضحة لها وجود في العالم الإسلامي يمكن أن نطلق عليها مؤسسات تعليمية إسلامية، بأهداف تربوية فاعلة ومحصنة من التغيرات المتلاحقة...
وبمعنى آخر إذا أردنا أن نتكلم الآن عن العوامل المتغيرة، وخصائص التربية المستدامة، أو الثوابت والمتغيرات في التربية الإسلامية في البلاد العربية، أو المؤسسات التي لم تتغير بفعل المؤثرات والتغيرات المتلاحقة، أو تتبدل مقرراتها التربوية، فعن أية مؤسسات نتكلم؟ لقد كان ذلك وما زال مصدر حيرة لأي باحث في شتى التربية والثقافة الإسلامية ككل،.
ففي طبيعة ذلك كانت هناك موسسات تربوية في التعليم في البلاد العربية في العصور الحديثة، ثم صودرت، وحلت محلها برامج ذات تأثير على الواقع التربوي، ثم لم تتماشى مع الواقع الثقافي والتربوي، في هذه البدان حين تصبح مثار جدل.
وللإجابة عن هذه الإشكاليات نحاول أن نشير لذلك في نوع من البيانأو التفصيل في هذا الفصل...
يراجع: كتاب الامة، العدد: (٦٣)، النظم التعليمية الوافدة في افريقيا قراءة في المنظور االحضاري...
الفصل الثاني:
التربية المعاصرة وأهدافها.
وفيه تمهيد، ومبحثان:
المبحث الاول: العوامل المؤدية للتغيرات المعاصرة.
المبحث الثاني: خصائص التحولات والحلول المعاصرة.
تمهيد:
يتميز مفهوم التربية المعاصرة بجملة من الخصائص والمميزات يجعلها تحتل رتبة هامة، منها: كونها تخصصا أو علما قائما بذاته، وأحياناً مرادفة للتعليم والتعلم، وتستخدم حيناً التأديب والتهذيب، أو عن فضائل المجتمع الإنساني وكطريقة أو وسيلة للتقدم الثقافي والحضاري.
المعنى اللغوي : أصل الفعل المضارع يربو وماضيه ربا ، وهذا يدل على النماء والازدهار ومعناه ينصرف إلى إصلاح الفرد ورعايته والحفاظ عليه من الاعوجاج أو التدهور أو التخلف.
ونجد في العربية ترادف كلمة التربية مع: التعليم ، الرعاية ، التنمية ، التنشئة ، التوصية ، الإرشاد ، التثقيف ، التأديب ، التهذيب ...
في الإنجليزية ، تربية education تعني الفعل أوالعملية التي تتم فيها المواقف التربوية أو التعليمية المدرسية أو التدريبية من خلال الدراسة أو عملية التدريس والمهارات التي يكتسبها ، وهي مقاربة للتدريس أو التعلم حينما يستخدم في تنمية العقل البشري .
التربية كعلم وكتخصص :
هو العلم الذي يدرس الوسائل المنظمة والمقصودة من المجتمع لمساعدة أفراده على النمو المتكامل لتحقيق أهداف المجتمع بدراسة القواعد والقوانين واستنباط النظريات واستحداث الوسائل الموصلة لذلك.
ومن هنا أصبح علم التربية ذو صلة بالعلوم الإنسانية لاسيما : علم الاجتماع ، علم الإنسان ، علم الفلسفة ، علم التاريخ ، علم النفس ، علم الاقتصاد ، علم الإدارة ، علم السياسة .
وبالعلوم الطبيعية : علم الأحياء وعلم وظائف الأعضاء ، والإحصاء .
لذا فهو علم اجتماعي إنتاجي تبادلي ، فتنهل من العلوم وتصوغه وتخرجه في صورة جديدة ، مما جعل علم التربية ضرورياً في إعداد المعلم لتعليم التلاميذ وتنمية شخصياتهم للعيش في الحياة الاجتماعية .
ومن فروع تخصصات التربية : اجتماعيات التربية ، تاريخ التربية ، اقتصاديات التربية ، فلسفة التربية.
ونجم عن هذه الفروع تخصصات أكاديمية معاصرة منها التربية الاجتماعية ، الاقتصادية ، السياسية ، الفنية ، الجمالية ، الترويجية ، المهنية ، البيئية ، وغيرها من التي تبرز دور التربية في تنمية الشخصية.
التربية في مفهوم بعض العلماء والمربين :
أفلاطون ( 427 ـ 347 ق.م ) : الإنسان يتكون من ثنائية العقل والجسم ، والتربية تضفي جمال علم الجسم والنفس وتهذب النفس وتقوي الجسم ليسعد الفرد في المجتمع .
أبو حامد الغزالي ( 1059 ـ 1111 م ) : التربية هي صناعة التعليم لشرفها يحترمها الإنسان لسعيها إلى تهذيب النفس والسلوك وضبطها ، والتحكم فيها للبعد عن الرذيلة والتقريب من الفضيلة التي تقرب من الله .
جان جاك روسو ( 1712 ـ 1778 م ) : مفكر فرنسي مؤسس المذهب الطبيعي في العلوم الاجتماعية يرى أن إصلاح المجتمع يأتي بتنمية الفرد البيولوجي إلى كائن إنساني بشري اجتماعي بتوفير المناخ التربوي المناسب لنمو الطفل وميوله وقدراته .
فروبل ( 1782 ـ 1852 م ) : التربية هي الوسيلة الرئيسية والأساسية لتحريك الطاقات الكامنة للإنسان وقدرته وقابليته للتعلم لتحويل سلوكه البيولوجي إلى سلوك إنساني .
رفاعة الطهطاوي ( 1801 ـ 1873 م ) : التربية هي القدرة على التكيف الاجتماعي مع أفراد الجماعة والتعايش معهم على غرس الفضيلة لتصون الطفل من الرذيلة والتعاون على الخير والفضيلة بدون أنانية وذاتية .
ستيورات ميل ( 1806 ـ 1973 م ) : التربية كل فعل إنساني مقصود أو غير مقصود ، مباشر أو غير مباشر ، لتعليمه للوصول إلى درجة عالية من الكمال الإنساني .
محمد عبده ( 1845 ـ 1905 م ) : التربية هي الارتقاء بعقل الإنسان وتنميته من أجل الحفاظ على الطبيعة الخيرة .
أميل دوركايم ( 1858 ـ 1927 م ) : عالم الاجتماع الفرنسي : التربية رعاية الكبار للصغار بنضج اجتماعي يمكن الأفراد التكيف بعلاقات وتفاعلات اجتماعية مع بيئتهم التي يعيشون فيها والتنشئة التي تشكل شخصياتهم في التكوين الاجتماعي .
جون ديوي ( 1859 ـ 1952 م ) : أمريكي مؤسس ( البرجماتية ) : التربية هذه الحياة ، وسيلتها وأداتها ، لها جانبان ، نفسي يتعلق بالإنسان المتعلم ، واجتماعي يتعلق بالجماعة والمجتمع الذي يعيش فيه ومن أجله .
فالتربية إعداد للحياة ، فلا بد من التدريب والممارسة على المواقف الحياتية من خلال خبرات عملية لمواقف اجتماعية مرغوبة ، فالتربية قوة لتكوين الفرد والمجتمع واحترام فردية المتعلم الشخصية والإنسانية وتكوينها.
نحو مفهوم تكاملي للتربية :
التربية ( يقصد منها عملية تنمية الشخصية الإنسانية في شتى جوانبها الجسمية والعقلية والنفسية والاجتماعية ، وهذه العملية تتم خلال مؤسسات التربية القائمة . بغرض تحقيق التكيف والمشاركة الفاعلة لشخصيات الأفراد في تنمية وتقدم مجتمعهم ) .
ينفرد هذا التعريف بالمميزات التالية :
إنسانية التربية ، بيان مصدر أهدافها: ثوابت المجتمع ( الدين ، التراث ، الثقافة ، الفكر الاجتماعي والعلمي السائد ) ، ارتباطها ثقافة المجتمع ، أنها فعل أخلاقي لتنمية الشخصية الإنسانية ورقيها إيجابياً ، في إطار اجتماعي ثقافي ، ومن خلال مؤسسات متخصصة تتخذ وسائل وطرائق مختلفة لنموٍ متوازنٍ شامل لكافة جوانب الشخصية الإنسانية .
وتحقق التربية أهدافها من خلال مؤسساتها ووسائطها المتعددة :
1) تعليم مدرسي ( بالتربية المدرسية أو النظامية )
2) ) تعليم في مؤسسات المجتمع [ المسجد ، الأسرة ، الإعلام ، النادي ] ( التربية اللامدرسية أو اللانظامية )
3) تعليم شبه مؤسسي مدرسي ( مؤسسات التربية غير مدرسية أو غير نظامية ) وتتميز بمرونتها ومراعاة ظروف المتعلمين ، ومن الأمثلة عليها : ( تعليم الكبار ، التعليم المفتوح ، التعليم التعويضي لبعض الفئات ) .
نحو التربية في مواجهة بعض مشكلات المجتمع:
فالتربية عملية مجتمعية دائمة ومستمرة ، كما أنها نظام فرعي يتفاعل تأثيراً وتأثراً مع نظم المجتمع الأخرى ، فالقضايا التي تتعرض لها أو تعالجها التربية خاصة بالمجتمع ، وتكسب خصوصية عندما تعرض على بساط البحث التربوي طلباً للحل أو المناقشة .
ما هية المشكلة الاجتماعية :
هي الخروج على التوجه العام للمجتمع بما يشكل خللاً يحتاج إلى إعادة التوازن لنظامه وثقافته .
المبحث الاول: العوامل المؤدية للتغيرات المعاصرة.
وسوف أستعرض الكلام حول هذه العوامل والمتغيرات في أربعة فروع:
الفرع الاول: مفهوم التغيرات المعاصرة.
تُعرّف التغيرات بأنها عمليات ينتج عنها أشياء أو أحداث جديدة، تستقر في مكان أشياء قديمة. وهذه التغيرات تتسم بأنها أحيانًا حتمية، أي أنها أمر لا بد منه، لذا تعد من الأشياء الضرورية في حياتنا، فالأشياء لا تبقى على حالها لفترة زمنية طويلة؛ لأنه من الضروري أن تتغير نحو الأفضل، حتى لا يؤدي عدم تغييرها إلى زوالها مع الوقت.
كذلك تتسم التغيرات بالاستمرارية، أي أنها عملية مستمرة سواءً اعتمدت على تخطيط مسبق أو على التأثر بالظروف والعوامل المحيطة بالأفراد، لذا تصنف التغيرات ضمن الظواهر دائمة الحدوث.
ومما يجدر الإحاطة به في سمات التغيرات أنها قد تكون تغيرات إيجابية أو تغيرات سلبية، ولا يمكن تجأهلها أو الانعزال عنها، بل الأجدر أن نتعامل معها من منطلق قيمنا ومبادئنا، وبآليات تمكننا من تفادي إفرازاتها السلبية والاستفادة من معطياتها الإيجابية، مما يحتم على التربويين التعامل معها من منطلقات صحيحة تؤدي إلى التأثير والتأثر الإيجابي.
وفي ظل هذه التغيرات المتنوعة المحلية والعالمية المتسارعة، والتغيرات المجتمعية المتلاحقة، وفي ظل الثورة التقنية والمعلوماتية المتزايدة، وزيادة أفراد المجتمعات وتعدد طبقاتها، تزداد الحاجة إلى التعرف على كيفية التعامل مع هذه التغيرات وتوظيفها في تحقيق الرسالة والأهداف التربوية.
ومن خلال دراسة هذه التغيرات، ورصد جوانبها المختلفة، فقد جلبت هذه التغيرات أنواعًا متعددة من الثقافات التربوية العالمية التي فرضت نفسها، كمعايير لتقييم المؤسسات والأفراد، وهذا أجبرت الدول على ضرورة تعديل بعض معاييرها التربوية بما يتفق مع هذه المعايير العالمية.
كما وحدت الدول أنظمة تعليمها في كثير من الجوانب والأهداف، فأصبحت النظم السياسية تنص على أن التعليم حق للمواطن وواجب عليه، كما أصبح هناك تشابه كبير في محتوى كثير من المقررات الدراسية.
كما أدت التغيرات إلى ظهور مفهوم التربية العالمية، الذي تمثل في مساعدة الطلاب على رؤية القضايا التي تهم العالم في صورة أوسع من المحلية، وإدراك مدى التشابك والترابط في المصالح والقضايا والمشكلات بين كافة شعوب العالم.
ومن جوانب هذه التغيرات تنوع مصادر الحصول على المعلومات والمعارف، وتعددها بشكل ساعد الأفراد على سرعة الحصول عليها، بل والقدرة على مناقشتها وتبادل الرأي حولها.
وكذلك زيادة مستوى التنافسية بين الأفراد، فلم يعد التنافس بين الطلاب محدودًا في إقليم أو دولة، بل تعدى التنافس بين الطلاب إلى العالمية، وهذا بلا شك يؤدي إلى تنمية عقولهم وصقل مواهبهم وتوظيف قدراتهم وطاقاتهم.
وقد أوجدت هذه التغيرات المعاصرة تحديات مختلفة أمام المهتمين بتربية الأجيال، تتطلب منهم التعامل معها وفق المنظور التربوي الإسلامي، الذي يدعو إلى التمسك بالقيم الإسلامية وتعزيز المبادئ الإنسانية النبيلة، ونشير إلى أبرز هذه التحديات التي تواجه المربين في هذا الفرع الآتي:
الفرع الثاني: العوامل والتحديات التي تواجه التربية.
تتعدد هذه التحديات وتتنوع حسب حيثيات وأنواع مختلفة تتمثل في قضايا وأساليب تتلخص فيما يلي:
1) تعدد مصادر التربية ومصادر المعرفة: فلم يعد الوالدان أو الاسرة هما مصدر التربية، بل أصبح هناك مصادر تشاركهم وقد تتغلب عليهم في التأثير، وهذه المصادر إما أن تكون ذات أثر إيجابي أو أثر سلبي على الأبناء.
كما لم يعد المعلم أو الأب هو المصدر الوحيد للمعلومات والمعارف، بل أصبحت هناك مصادر أخرى للحصول عليها وهي أكثر جاذبية منه، مثل القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت.
2) غلبة الماديات على تفكير أفراد الأسرة: وهذا دفع الوالدان إلى الانهماك وراء تلبية متطلبات أفراد الأسرة المادية، مما أخل بدورهما التربوي، إضافة إلى أن أغلب أفراد الأسرة أصبح تعاملهم مع آبائهم تعاملاً ماديًا.
3) صراع الأجيال: واتساع البون بين تفكير الأبناء وتفكير الوالدين، مما أدى إلى عزوف الأبناء عن الاستفادة من خبرات الآباء، وعدم قدرة بعض الآباء عن ملاحقة تفكير الأبناء.
4) الانفجار المعلوماتي: أصبح المعلم يتعامل مع طلاب لديهم كم هائل من المعلومات والمعارف المتنوعة، التي حصلوا عليها من خلال وسائل الاتصالات الحديثة، وأحيانًا تفوق هذه المعلومات ما لدى المعلم، وقد تتعارض مع ما لديه من معلومات ومعارف.
5) تقلص خصوصية المجتمعات: فلم يعد هناك أشياء خاصة بمجتمع أو أشياء ليست من مجتمع، ومن ثم فإن القيم والعادات بدأت ترحل من مجتمع وتحل بمجتمع آخر.
وبعد هذا اقترح عددًا من الآليات التي تساعد المربين على توظيف التغيرات المعاصرة، من أبرزها:
1) الشفافية في توصيل الرأي الصواب، إِذ لم يعد هناك شيء خاص أو غير معلوم، وهذا يتطلب من الأفراد والمربين والمؤسسات التربوية والمجتمعية الشفافية في الطرح، وتوضيح الأخطاء وأوجه القصور، وينطبق هذا على الآباء والأبناء في أسرهم.
2) في ظل تزايد هذه التغيرات وتعدد الثقافات وتنوع المعارف واختلاف الأفكار وتباين الأخلاق، يتحتم على المهتمين بالعمل التربوي توسيع دائرة الاستيعاب، حتى تتحقق التربية ولو بدرجات متفاوتة، واعتقد أن أي فرد من أفراد المجتمع لا يتم استيعابه تربويًا قد يكون خسارة على مجتمعه، وقد يكون يومًا ما عنصر هدم وتدمير.
3) التركيز على تحقيق الإنجازات الممكنة: والسعي إلى أن تكون الأفضل، وأن يكون المستويات في تقدم حتى نقدم الأفضل، وإذا لم نستطيع، فينبغي أن نركز على مميزاتهم وطبيعة إنجازاتهم التي يستطيعون تحقيقها، ومن ثم توظيفها لصالحهم.
4) مع تزايد هذه التغيرات والاتجاهات وتزايد المعلومات وتنوع الأفكار، يتحتم على المربين امتلاك مهارات مختلفة، مثل: مهارات الحوار والإقناع، ومهارات التواصل والمرونة، ومهارات التعلم الذاتي وغيرها.
5) التأكيد على أن المرجعية في الأحكام الشرعية هي القرآن الكريم والسنة النبوية، ونشر المرجعية التخصصية، مع إتاحة الفرص للجميع للحوار والنقاش والطرح المؤدب.
6) توظيف معطيات الحضارة الحديثة والتقدم التقني، وثورة المعلومات والتفجر المعرفي، والاتجاهات التربوية والتعليمية الحديثة في تربية أبنائنا وطلابنا.
7) تقليص البون الشاسع في الأفكار والاعتبارات، من خلال مشاركة المربي للمتربين في أفكارهم واهتماماتهم، والقرب من مشاعرهم وتلمس احتياجاتهم ومعالجة مشكلاتهم.
8) بناء وغرس القيم السامية وتعزيز التربية الذاتية في نفوس هذه الأجيال، وتحميلهم مسؤوليات تتناسب مع مستوياتهم وقدراتهم، وهناك مؤثرات مشتركة على التربية الثقافية في تركيبتها الاجتماعية، وهي:
الفرع الثالث: العوامل المشتركة المؤثرة في تشكيل التغير الاجتماعي والتغير الثقافي.
ونشير إليها فيما يلي:
1 ـ العامل الجغرافي :
ويظل محدوداً لتمكّن الإنسان من التحكم في البيئة وتشكيلها لاسيما مع تسارع التقدم المعرفي والتقني في عصر المعلومات ، يحدث مثلاً أن تتغير الأهمية الجغرافية بشق قناة أو اكتشاف طرق فتتغير ظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، أو يتغير المناخ وتنقطع الأمطار ، فيهاجر السكان ويتغير معها نوع العمل وطرق التفكير ووسائل الإنتاج .
2 ـ العامل السكاني :
عدد السكان ( زيادة ـ ونقص ) لعدد المواليد أو نتيجة الهجرة يتغير معه التركيبة السكانية وكثافتها ونوعها ( أطفال ، شباب ، شيوخ ) ( ذكور ، إناث ) وهذا من شأنه أن يغير من حالة المجتمع المادية والفكرية والاجتماعية لجميع الظواهر ( اقتصادية ، سياسية ،تربوية ، اجتماعية ، عمرانية ) ، فينعكس ذلك على حالة الاقتصاد والإنتاج والخدمات.
3 ـ العوامل التكنولوجية :
تتأثر المجتمعات بشدة بالمخترعات المادية ، ولكل اختراع أثر ظاهر في البناء الاجتماعي ، فالآلات الحديثة واستخدامها في الصناعة كان لها أثر عظيم على تغير أنماط العلاقات الإنسانية وطبيعة العيش في المدن الصناعية ، وتقدم تقنيات الاتصال والإعلام قد قارب بين الشعوب والحضارات وأوجد قيماً وعلاقات جديدة بين بني البشر .
4 ـ العوامل الاقتصادية :
وهي العامل الحاسم في التغير الاجتماعي ، يشير إلى ذلك ( إنجلز ) أحد مفكري الاشتراكية ، حيث يرى أن الإنتاج هو أساس النظام الاجتماعي ، وتشير الدراسات إلى أن الأنشطة الاقتصادية لها أهمية أساسية في تحديد أنماط الحياة في المجتمعات .
5 ـ العوامل الفكرية :
للجوانب الفكرية ( أفكار ، ونظريات ، وعقائد ، وعلوم ، وآداب ) ، أثر في التغير الاجتماعي ، فالديانات السماوية أحدثت تغيراً إيجابياً على الإنسانية جمعاء ، والفلسفات الوضعية ( كحركات الإصلاح والدين ، النهضة الأوربية ) و ( الثورات السياسية : الإنجليزية ، الأمريكية ، الفرنسية ) كلها أحدثت تغيرات كبيرة الأثر ، وأبلغ مثال لتأثير العوامل الفكرية يتضح في نزول القرآن الكريم ، بما يشتمل عليه من عقائد وعبادات ومعاملات وقيم وآداب ومثل عليا، أحدثت تغييراً هائلاً في كافة البلدان ومراحل التاريخ.
6 ـ العوامل المرتبطة بالاتصال :
كلما كثرت وسائل الاتصال بين المجتمعات نشطت عمليات التغير الاجتماعي والثقافي ،لأنها ساعدت على تبادل الأفكار والخبرات على نحو مؤثر تأثيراً واضحاً ، وضمور الاتصال والانتشار الثقافي يؤدي إلى تأخر حضاري ، فالعزلة تعني الركود ، والاتصال معناه التواصل والتفاعل والنمو .
7 ـ القادة والزعماء :
إن المجتمع يتغير نتيجة أفكار العظماء ( القادة ) التي تسمو على الظروف الواقعية ، فهم قادرون على دفع المجتمع وتوجيه الناس توجيهاً يؤثر بعمق في اتجاهاتهم وآرائهم وسلوكهم العام .
الفرع الرابع: المؤثرات التربوية في تحقيق تغير اجتماعي وثقافي إيجابي :
إن التربية هي التي تحكم الثقافة، وتمنح الأفراد فهماً واعياً لعناصرها وواجبهم نحو ثقافة مجتمعهم وتمكنهم من الحكم على عناصر الثقافة الوافدة والاختيار .
فمثلاً : الطاقة النووية ، الموضات والفنون التي تتعارض مع ثوابت الثقافة الأصلية ومع الذاتية الثقافية ، رفض الثقافة الإسلامية للمذاهب المادية والإلحادية ، وكذا الفنون الهابطة.
النظام التربوي والتعليمي ينهض بالدفاع عن ثقافة المجتمع وأصالته ، أو تعديل وتكييف الوافد الثقافي الجديد قبل دخوله منظومة الثقافة .
فالتربية قوة ، وهي العامل الأكثر تأثيراً في إحداث تغييرات ثقافية مرغوبة في المجتمع ، وفي تجديد الثقافة بصفة عامة .
طبيعة الدور التربوي الخاص بإحداث التغييرات الاجتماعية والثقافية :
فالتربية هي الأداة الرئيسية لنقل التراث الثقافي في المجتمع والمحافظة عليه وتنقيته وتجديده ، وهي تقوم بوظيفتها هذه في التغير الثقافي ، وكذلك بالنسبة للتغيرات الاجتماعية.
ومن دور التربية الحديثة إزاء إحداث تغير اجتماعي ثقافي إيجابي في المجتمع :
1 ـ بناء الرؤية الفكرية الدافعة للتغير والتقدم في المجتمع .
2 ـ إكساب الأفراد القيم والاتجاهات المسهمة في إحداث التغيير وتقبل نتائجه .
3 ـ تعريف الأفراد بطبيعة التغير ومداه والمغزى منه .
4 ـ عقلنة التربية للتغيرات الاجتماعية والثقافية .
5 ـ تكوين العقلية الشمولية .
6 ـ تعلم طرائق التفكير .
7 ـ المواءمة بين الأصالة المعاصرة .
فالتربية بالنسبة لهذا التغير المنشود ينبغي أن تصبح في موقع الفعل من الكائن الإنساني يخطط ويبحث، ويقترح البدائل العلمية وتشارك في صنع القرار، مع أهمية العناصر بالعنصر البشري، فالإنسان المربي الماهر ، المثقف ، المزود بالقيم الدينية والمثل العليا ) فهو أساس لأي تغير حقيقي.
ونطرح هنا تساؤلا هاما فما هي أبرز التحولات العالمية المعاصرة وأثرها في تجديد أهداف الدراسات الإسلامية؟ لا شك أن هذا العصر شهد هذا العصر مجموعة من التحولات الجذرية العالمية، والتي أعطت لهذا العصر سماته الخاصة، والتي لها تأثير واضح في كافة جوانب الحياة، وقد أصبح من الضروري مواكبة هذه التغيرات، والتحكم فيها، والاستفادة منها، وإلا ستزداد الهّوة بيننا وبين عصرنا، فنظّل في مؤخرة الركب الحضاري، تفرض علينا الإرادات، وتحاك لنا الدسائس من حيث ندري ولا ندري.
وهذا ير ِّتب المسؤولية الكبرى على المؤسسات التعليمية والتربوية التي وجدت نفسها أمام مستجدات ومتغيرات تختلف عما كان عليه في أواخر القرن الماضي، ومن هنا فإن القيام بمتطلبات الحاضر والتهيئة لبناء المستقبل لن يتم دون إعادة النظر في المناهج الدراسية، فالمناهج بوضعها الحالي أو بصور تنفيذها قد تكون إحدى العقبات أمام تحقيق الأهداف المرجوة والمخرجات المطلوبة؛ إذ أن الواقع يؤكد عجز تلك النتاجات التربوية عن الوقوف أمام ما نشهده من تحديات ثقافية وفكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية، مما يتطلب معالجة شاملة تتناول عناصر العملية التربوية، وعلى رأس أولويتها المناهج بإعادة بنائها، وتطويرها لتتحول إلى مصانع لتوليد القدرات وتشكيل القنوات الفاعلة القادرة على إزالة العقبات وتجاوز التحديات وتحقيق التنمية الشاملة.
وعملية النهوض الحضاري وقودها الرئيسي المعرفة المتجددة المتطورة، لأن كل ما نفعله يستند إلى هذا النوع من المعرفة، فلكي نعيش يتعّين علينا بكل بساطة أن نحول الموارد المتاحة لنا إلى الأشياء التي نحتاج إليها، وهو ما يتطلب تجديدًا في المعرفة، وإذا أردنا أن نعيش في الغد أفضل مما نعيش اليوم، وإذا أردنا أن نرفع مستوى حياتنا بوصفها أسرة أو بلد، وأن نحسن صناعتنا، ونعلم أولادنا أفضل تعليم، وأن نحافظ على بيئتنا المشترآة... ]فكل[ هذا يتطلب معرفة تتحسن وتتطور يومًا بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة. ولا يمكن تحقيق تلك التنمية، وتصحيح مسار حركتها، وبناء نهضة حقيقية، إلا من خلال توضيح أهم التحديات التي تواجه مجتمعاتنا وتهدد سلبياتها كيانها، وتحديد معالمها واستيعاب أبعادها، لنتمكن من وضع الإستراتيجيات والخطط والبرامج العملية للاستفادة من إيجابياتها، وتجنب مخاطرها وسلبياتها.
يراجع: علي، سعيد إسماعيل، الخطاب التربوي الإسلامي، سلسلة كتاب الأمة، قطر، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، س24، ع100، ربيع الأول 1425هـ، أيار 2004م، ص 125 بتصرف يسير. يراجع أيضا: مجلة جامعة النجاح للأبحاث )العلوم الانسانية( المجلد 28 )5(، 2014.
المبحث الثاني: خصائص التحولات والحلول المعاصرة.
يرجع ازدياد الاهتمام بالتربية في ظل التغيرات الحالية إلى تغُّير في المعايير ومواصفات الجودة في التعليم؛ إذ أصبحت تقاس فعالية الكفاءات بمقدار ما ُتقّدمه من أفكار مبدعة، وبالقدرة على توظيف هذه الأفكار والمعلومات توظيفًا فّعا ًلا منتجًا، فتحّولت التربية من استثمار عقول إلى استثمار أموال، ومن هنا أخذ هذا المفهوم في الاتساع لينتقل من مجرد الربيّة إلى الإبداع في العلوم التطبيقية إلى عالم الاقتصاد والتجارة والقيادة والإدارة.
والمتتبع لوسائل الإعلام المختلفة يجد تلك النقلة النوعية في مجال الإبداع في التربية، فنجد ُجلّ برامج الإبداع حول القائد المبدع، والإداري المبدع، والمعلم المبدع، وانتشرت برامج التدريب على هذه الفعاليات بشكل ملحوظ، وأصبح ينتسب إليها أفراد ينتمون إلى تخصصات ووظائف مختلفة، ومن هنا بدأ الاهتمام بموضوع الإبداع في ميدان التربية والتعليم، باعتباره الطريق إلى تحقيق الإبداع في ميادين الحياة كلها...
انظر: روشكا ألسكندرو، الإبداع العام والخاص، ترجمة: غسان أبو فخرو، الكويت، 1410هـ- 1989م، ص13-14. مجلة جامعة النجاح للأبحاث )العلوم الانسانية( المجلد 28 )5(، 2014، ص (١١٨٩).
قد يرى العديد من المحللين والمهتمين بالشأن التعليمي أن التعليم التقليدي يواجه أزمة هي الأخطر والأكبر في تاريخه لكن دعونا نراقب هذه الحالة بمنظور مختلف وندرس ملامح ما بعد الأزمة وكيف سيكون شكل التعليم بعد انجلاء أزمة فيروس كورونا.
ونحاول تلخيص بعض التحولات الرئيسية التي ربما يشهدها مستقبل القطاع التعليمي في نظر بعض الباحثين والدارسين لهذه الحالات، بناءاً على المعطيات المتاحة والاجراءات التي اتخذتها العديد من الدول العربية في المجال التعليمي لمواجهة هذه الجائحة، وذلك فيما يلي:
١- حتمية التغير والتطور: يواجه التعليم التقليدي حتمية التغير والتطور التي فرضتها عليه كورونا وتبعاتها من اغلاق للمدارس والجامعات والتحول للتعليم عن بعد والتعليم الإلكتروني وقد يفرز هذا التطور العديد من الابتكارات الميسرة للعملية التعليمية الالكترونية الجديدة
ويُوجد حالة من الإبداع والريادة عند فئة كبيرة من الشباب والشركات الريادية الشابة العاملة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والتطبيقات الذكية مما سيدعم بشكل غير مباشر هذا القطاع السوقي الذي يشكل الشباب الفئة الأكبر من العاملين فيه ويمنحهم فرصة جيدة للمساهمة في تطوير قطاع التعليم التقليدي في بلدانهم.
٢- إعادة تعريف دور المعلم: أثبت التعليم عن بعد ضرورة تغير دور وصورة المعلم والمحاضر في عصر التكنولوجيا وفي وقت أصبحت المعرفة متاحة للجيمع ويمكن لأي طالب الحصول على المعلومة من مصادر الكترونية متنوعة ولم يعد لديه حاجة ملحة لوجود معلم بصورته النمطية التقليدية لتلقينه المعلومات في غرفة صفية مكتظة بالطلاب في حين يمكنه الحصول على نفس المعلومات وبطرق شرح متنوعة عبر العديد من المنصات الرقمية.
وفي أجواء قد تكون أكثر راحة وأقل إزعاجاً واكتظاظاً بات من المهم أن نزود المعلم المدرسي والمحاضر الجامعي بالأدوات والمهارات الإلكترونية اللازمة لمواكبة هذا التطور وإعادة تشكيل الصورة النمطية له وللطرق التعليمية التقليدية المحصورة بين الجدران الصفية ليصبح المعلم ليس فقط ملقن للطالب بل ميسر للعملية التعليمية وصاحب مهارات ذكاء عاطفي واجتماعي ومهارات تواصل رقمية تمكنه من التواصل مع الطلاب بلغتهم وبالوسائل التي يتعاطون بها.
٣- تطوير الادارات التعليمية والغرف الصفية: تفرض جميع المتغيرات السابقة على الإدارات التعليمية في الوزارات المعنية والمدارس والجامعات تطوير أدواتها وأساليب تواصلها مع المعلمين والطلاب وذويهم وتفرض على المدارس تغير المفهوم التقليدي للغرف الصفية وتزويدها بوسائل الكترونية حديثة وتعزيز فكرة التعليم المدمج والتعليم الإلكتروني وتعزيز فكرة التواصل الإلكتروني مع الطلاب ومع الأهل أيضاً لنساعد الأهل الشريك الأول في عملية التعليم عن بعد في فهم وتقبل هذه المنظومة الحديثة ولمس مميزاتها، لنقل على سبيل المثال أن جزء من دمج الأهل في عملية التحول الرقمي عقد اجتماعات أولياء الأمور عبر الاتصال المرئي عن بعد باستخدام إحدى تطبيقات الاتصال قد يكون فكرة ناجحة أو تخصيص دورات تثقيفية تضم مجموعة نشاطات وتطبيقات تساعد الأهل على استخدام تطبيقات التعليم عن بعد ومتابعة آداء أبنائهم وغيرها الكثير من الأفكار التي تساعد في قبول هذا التحول الرقمي.
٤- تمكين وتعزيز التطور التكنولوجي لجميع فئات المجتمع لتقليل آثار وتبعات الفجوة الرقمية: وفق بيانات البنك الدولي فإن ٦٠ بالمئة فقط من سكان العالم يستخدمون الإنترنت، وحسب تقرير موقع هوت سويت فإن ٧١ بالمئة من سكان منطقة الشرق الأوسط يصلون إلى الإنترنت.
لكن في المنطقة العربية وبسبب تدني خدمات البنية التحتية وشبكات الاتصالات في العديد من هذه الدول بالإضافة إلى تدني مستوى الدخل الفردي والعديد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية الأخرى وما كشفته لنا جائحة كورونا من رداءة مستوى خدمات الاتصال بالشبكة العالمية في العديد من هذه الدول وتكلفته المرتفعة بالاضافة لتكلفة شراء أجهزة الكمبيوتر المحمول والأجهزة الذكية بشكل عام والتي تعتبر مكلفة بالنسبة للعديد من العائلات، كل هذه التحديات تفرض على الدول والوزارات والأجهزة المعنية فيها المساهمة في تعزيز ودعم وصول مواطنيها لجميع الأدوات التكنولوجية اللازمة لتسيير العملية التعليمية سواء للتعليم أو التعلم عن بعد بجودة وتكلفة مقبولة تعزز مبادئ المساواة في الفرص والعدالة الاجتماعية والحق في التعليم للجميع باختلاف مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية وبناء خطة طويلة المدى لتحقيق هذه الأهداف ودعم فكرة التحول الرقمي في القطاعات المساندة والخدمات اللوجستية المساعدة في العملية التعليمية وليس فقط في القطاع التعليمي.
٥- تحديث وإعادة صياغة المناهج الدراسية المدرسية والجامعية: فتحديث المناهج وإعادة صياغتها بما يتناسب مع طبيعة التعليم عن بعد والتحول الرقمي وطرق التواصل عن بعد أصبح ضرورة ملحة يجب على الإدارات المسؤولة العمل عليها في القريب العاجل لتواكب التغيرات الطارئة التي أحدثتها جائحة كورونا في العالم أجمع وتتماشى مع مفهوم التعليم عن بعد ووسائله والاختلاف الكبير في طريقة العرض والشرح الرقمي عن التقليدي بالاضافة لطريقة تعاطي كل من المعلم والطالب مع المادة المطروحة.
فمن الضروري إعادة التفكير في أهداف هذه المناهج وما هي المخرجات المرجوة منها وإعادة صياغتها وفق ذلك مع مراعاة طبيعة الوسائل الرقمية وأسس عملية التعليم عن بعد والمتغيرات التي سبق ذكرها.
لا تقتصر التحولات والتحديات التي ستواجه القطاع التعليمي بعد أزمة ما ثم تمضمحل ونرجع ونعود لحياتنا الطبيعية ولكن لن تعود الحياة بمجرياتها الطبيعية كسابق عهدها وسيتوجب علينا مواجهة الحياة بجميع تغيراتها وتحدياتها التي قد تكون فرصة للتغير وبداية لواقع أفضل، نعم...
ولعلنا في أزمة ما يجب أن نكون قادرين على التأقلم من جديد مع معطيات وواقع جديد وتغييرات قد يكون بعضها إيجابي مثل تطوير وتحديث نظامنا التعليمي التقليدي الذي بتطويره وتحديثه نكون على استعداد التغيير والتعامل مع هذا التغييرات المستجدة التي تفرض نفسها على واقعنا التربوي...
فالتغير الذي نريده لمجتمعنا ينبغي أن يكون تغيراً عقلانياً ينفذ إلى اللباب قائماً على العلم ، منزه عن الميل والهوى والذاتية ، مستلهماً حاجات الأفراد في اللحظة الحاضرة وممهداً لمستقبل لم يولد بعد .
والتربية بالنسبة لهذا التغير المنشود ينبغي أن تصبح في موقع الفعل من الكائن الإنساني تخطط ، وتبحث ، وتقترح البدائل العلمية وتشارك في صنع القرار، مع أهمية العناية بالعنصر البشري فالإنسان التربوي: هو الماهر ، المثقف ، المزود بالقيم الدينية والمثل العليا فهو أساس لأي تغير حقيقي. ويستخلص مما سبق ما يلي:
١- إعادة التقويم حول التربية، وتشكيل الوعي المعرفي والمنهجي، وفق أحكام الإسلام ومبادئه، لتحقيق المصلحة الحقيقية للفرد والجماعة، وإعادة الإسلام عقيدة وشريعة حيًا في النفوس،ٔ و ُحسن تنزيل النص على الوقائع والمستجدات، وينبغي تحديد مفهوم ذلك بأمرين: - العودة إلى منهج النبي- صلى االله عليه وسلم -وأصحابه والسلف الصالح في فهم النص وتطبيقه. - وضع الحلول العملية التي تلبي حاجات المجتمع مما لم يرد فيه نص، على نحو يحقق مقاصد الشرع.
٢- ترتيب الأولويات: فلا بد من الانشغال بالقضايا الكلية والقواعد الكبرى، وعدم الانشغال بالجزئيات والفرعيات عن الأساسيات، فلا يعقل في ظل هذه التحديات في التربية والفكر والثقافة، أن نفتقد الرؤية المنهجية الصحيحة للتربية، فنقلب ميزان التعامل مع قضايا الأمة، ويدخل في هذا الضابط الانكفاء على الماضي ومعالجة قضاياه التي عفا عليها الزمن، والانشغال بها عن معالجة الحاضر واستشراف المستقبل، وإغفال الواقع بمعطياته المختلفة، مما يعطل مصالح الناس الحقيقية، فلا بد من ترتيب الأولويات بحيث تندرج تنز ًلا من الضروريات إلى الحاجيات إلى التحسينات في ظل الوعي بالمقاصد الكلية للأحكام الشرعية. عدم الخلط بين الغايات والوسائل: فالاهتمام بالتربية لا يعني الاهتمام بالوسيلة والاستغراق فيها، مع تناسي الهدف والمقصد، وليس هذا بتقليل يمن أهمية الوسيلة، وأثرها في بناء الأهداف، فلا بد من المراجعة المستمرة للوسائل التي تتغّير بتغّير العصر، حتى يتحقق النهوض والتقدم الحضاري، مع عدم تغطية الفشل في اختيار الوسائل المناسبة إلى المساس بصواب الأهداف والقيم، مما يتطلب منا وقفة للإعداد والتصويب والتدريب على تحديد مواطن الخلل واستدراكه مستقبلا. ٣- الواقعية: فلا بد في التربية من مراعاة أحوال الأمة وقضاياها ومشكلاتها، وهمومها، ومصالحها الحقيقية، بعيدًا عن القضايا التي لا تمس واقعها، وبعيدًا عن المثالية المفرطة أو الخيالية المغرقة، مما يستلزم سعة الأفق وُبعد النظر. ٤- التزام المنهج الإسلامي: فللإسلام منهجه الخاص به، فلا بد من الالتزام به، وعدم التأثر بغيره من المناهج، سواء في تطبيقاته التفصيلية أم روحه العامة، فلا يجوز أن نستعير من خارج الإسلام منهجًا لنعتمده في التربية، لأن لكل منهج روحًا خاصة تنعكس من مضمونه ومحتوياته، وتتبلور في معالمه وسماته الظاهرة، ولكل فكر وعلم منهج خاص تتكامل فيه الأصول والفروع، بحيث لا نستطيع أن نفهم هذا الفكر بصورة واضحة وشاملة إلا من خلال هذا المنهج. ٥- العناية بالمصطلح الإسلامي: فاللتربية مصطلح إسلامي ينبغي أن يكون وفق المفهوم والمصطلح الإسلامي، فضبط المصطلح والمفهوم مسألة أساسية في كل فكر، وقد أكد القرآن الكريم على دقة المصطلح. مجلة جامعة النجاح للأبحاث )العلوم الانسانية( المجلد 28 )5(، 2014.
الخاتمة:
التربية هي صانعة العقول وبناء الأخلاق، والمربين هم قادة المجتمع وهم القدوة الحسنة، والأمل فيهم كبير،
١- ولتصحيح الأهداف لن تقف هذه التغيرات المعاصرة عقبة في تحقيق رسالتنا التربوية.
من المنظار الحضاري يلحظ الاسلام مقولتي الزمان والمكان، وبناء الحضارة الاسلامية هو :
٢- الى الوضع الراهن والمستقبل الاتي من منظار المبادئ والاصول الاسلامية والاخذ بأسباب العلم والتقدم والتطور.
وهنا سوف اشير الى نموذج تربوي معاصر يؤكد المدّعى، ليس لاقول بأن الاسلام لديه كل شيء، بل لاقول بأن الحضارة الاسلامية هي نموذج انساني يتلائم مع مقتضيات الانسان في كل زمان ومكان،
٣- ويجب العودة الى ديننا الأصيل لننهل منه المباني والاصول التي تساهم في بناء هذه الحضارة وفي مختلف العلوم وفي الابعاد الانسانية كافة، لا سيما على المستوى التربوي.
٤- ونظرا لاهمية متابعة التحولات العلمية ومواكبة مجتمع المعرفة، فلم يعد ممكنا الاكتفاء بما تعلمه الانسان على المستوى الاكاديمي لانه لا يلبي مختلف الحاجات نتيجة التطور السريع في مختلف العلوم والاكتشافات العلمية والذي يستدعي مواكبة العصر.
٥- عودة الى الاسلام: وعليه نجد انفسنا أمام تحديات جمة، تجدنا نتخبط فيها بين الرث والثمين، فماذا نقبل وماذا نرفض، وهذه التحديات تؤثر على مختلف الصعد الفكرية والثقافية والاجتماعية للمجتمع الاسلامی. والتربية في الحياة الاجتماعية جزء من منظومة المجتمع ، تقدم له عدداً من الوظائف المتبادلة .
والتربية مسئولة عن إعداد الإنسان نواة المجتمع ، ومسئولة عن نجاح المجتمع واستمراريته في تحقيق أهدافه .
ودور التربية في مواجهة مشكلات المجتمع يكون وقائياً حيناً ، ويكون علاجياً حيناً آخر، ويتحدد هذا أو ذاك حسب طبيعة تلك المشكلات وظروف المجتمع الموجودة فيه.
وهنا سوف اشير الى حديثين واردين عن النبي صلى الله عليه وسلم التي أكدت على المخرجات التعليمية الحديثة، ليس بهدف تأييدها أو اعطائها شرعية، بل للتأمل في أهمية القراءة التربوية للنصوص الواردة، والتي تأخرنا كثيرًا فيها، بينما وصل اليها الاخرون بالتجربة البشرية التراكمية، كل هذا يستدعي الاستنهاض التربوي القائم على المباني والاصول الاسلامية.
فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد" وهذا الحديث انما يعبر عن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الى التعلم مدى الحياة، ولم يقصر التعلم على الصغر ولا على أي مرحلة زمنية، ونجد من خلال مضمون النص اشارتين:
فعل الامر "اطلبوا" اي امر بطلب العلم ولم يستحسنه فقط، بل أمر به، وهذا ما يتعارف عليه بـ"التربية المستدامة" بالمعنى المعاصر! ولم يقيد العلم هنا بقيد وبقي على اطلاقه وهذا يفيد أيضا مختلف العلوم التي تصب في بناء الحضارة الاسلامية، وهو ما يعبر عنه بالعلم النافع.
وجاء في الأثر أيضا: عن النبي (صلى الله عليه وآله)، انه قال: " طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة".
وهذا الحديث يستدعي الوقوف عنده مليًا ، من الناحية التربوية، كونه تأسيسي في بناء المجتمع الاسلامي، ويمكن من خلاله ايضًا الاشارة الى نقطتين تربويتين اساسيتين:
العلم فريضة اي بمعنى واجب على الناس، وحسب الرؤية الاسلامية فقد فرض العلم على جميع ابناء الامة، ولم يقيد هذا العلم بعلم معين كالعلوم الدينية، لان العلوم الدينية والتفقه فيها خصه القرآن بفئة معينة حيث قال تعالى: ۞ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ۞.
أما العلم النافع وغير المقيد فهو وظيفة الامة بتمامها، وهذا إنما يدل على دعوة الامة الى الاخذ بفنون العلم النافع.
وللاسلام نظرة تكاملية للانسان، فقد جعل بعض العلوم مشتركة بين الجنسين، وخصهما بتعلم علوم اخرى كـ"الطب النسائي" للمرأة على سبيل المثال لا الحصر.
كان يمكن للرسول صلى الله عليه وسلم أن يوجب العلم على كل مسلم، وكلمة مسلم تفيد التذكير والتأنيث معًا، لكننا نرى تأكيده على ذكرهما، وهذا إن دل على شيء فانما يدل على أهمية نيل كل من المرأة والرجل قسطهما من العلم لما فيه خير المجتمع الاسلامي، هذا المجتمع الذي لن تقوم له قائمة ما لم يرجع الى أسسه ومبادئه ويأخذ بأسباب العلم ليستحق قول الله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ}.
وأختم هذا البحث بهذه الاية الشريفة التي تدعونا الى التأمل اكثر بالعمل التربوي الاسلامي الذي يدعو الى بناء مجتمع الحياة الطيبة حيث يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الامي واله وصحبه اجمعين.
المراجع :
كتاب بيان العلم وفضله لابن عبد البر النمري القرطبي.
إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم الجوزية.
محمد عطية الإبراشي: التربية الإسلامية وفلاسفتها، القاهرة، دار الفكر العربي، 1976.
محمد منير مرسي: التربية الإسلامية، أصولها وتطورها في البلاد العربية، القاهرة، عالم الكتب، 1982.
كتاب التربية الإسلامية : المؤلف د. عبد الرحمن النحلاوي.
الدكتور يوسف أبو خليل : أستاذ جامعي ، نائب مدير مركز الأبحاث والدراسات التربوية ومدير مديرية الأبحاث النظرية في المركز، أضيف بتاريخ :2019/07/15 - آخر تحديث : 2019/07/15
كتاب الامة، العدد: (٦٣)، النظم التعليمية الوافدة في افريقيا قراءة في المنظور الحضاري.
علي، سعيد إسماعيل، الخطاب التربوي الإسلامي، سلسلة كتاب الأمة، قطر، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، س24، ع100، ربيع الأول 1425هـ، أيار 2004م، ص 125.
روشكا ألسكندرو، الإبداع العام والخاص، ترجمة: غسان أبو فخرو، الكويت، 1410هـ- 1989م، ص13-14.
مجلة جامعة النجاح للأبحاث )العلوم الانسانية( المجلد 28 )5(، 2014، ص (١١)..
التسميات :
بحوث المجلة الأكاديمية
