صدر في العدد الثاني، في 7 يوليو 2021 من
البحوث المحكمة في المجلة الاكاديمية للأبحاث والدراسات بحث بعنوان:
الآثار الشرعية لجائحة كوفيد19 على العبادات والأحكام الشرعية
بقلم د. السالك بن محمد المصطفى
بن إعل سالم.
أستاذ جامعي.
alisalemsalek@gmail.com
فهرس المواضيع:
رقم المحتويات رقم الصفحة
1 عنوان البحث 1
2 فهرس المواضيع 2
3 المقدمة 3
4 المبحث الأول: مفهوم الجائحة 4
5 المطلب الأول: تعريف الجائحة لغةً واصطلاحاً 4
6 المطلب الثاني: أنواع الجائحة 5
7 المبحث الثاني: الآثار الشرعية المترتبة على جائح كوفيد 19 6
8 المطلب الأول: الآثار المترتبة على جائحة كوفيد 19 في مجالات العبادات 6 - 8
9 المطلب الثاني: الآثار المترتبة على جائحة كوفيد 19 في مجال المعاملات المالية 8 - 10
10 الخاتمة 11
11 قائمة المصادر والمراجع المعتمدة في البحث 12 -13
المقدمة:
من المعلوم أن فيروس كورونا المستجد كوفيد 19، اجتاح العالم في أواخر سنة 2019م، وقد صُنف كواحدة من أخطر الجوائح التي أصابت البشري في الزمن الحاضر، مما جعل المنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية أن تدقُّ ناقوس الخطر ، وتستنفر حكومات العالم، وتدعوهم لوضع خطط واضحة للتصدي لهذه الجائحة التي تُلقي بظلالها على جميع أصقاع المعمورة. وقد أثارت جائحة كورونا العديد من الإشكالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والشرعية.
من ناحية أخرى، فالشريعة الإسلامية تمتاز بصفات عديدة من أهمها: رفع الحرج والمشقة والتيسير، فإذا صعُب الفعل الشرعي على المسلم وتعذر عليه فإن الله - سبحانه وتعالى- شرع له رُخصاُ، تُبيح للمكلفين ما حرم عليهم، وتسقط عنهم ما وجب عليهم فعله من العبادات والطاعات فذلك رحمة من الله تعالى بعباده وتفضلاً منه جلَّ وعلا.
ففي الفقه الإسلامي قواعد مُهمة هي الحاكمة لأوقات الأزمات وقاعدة الأمر إذا ضاق اتسع ...الخ، ومن هنا قرر الباحث كتابة هذا البحث الذي سلط فيه الضوء على هذه الجائحة والآثار المترتبة عليها في العبادات والمعاملات المالية وذلك من الناحية الشرعية.
وينقسم البحث إلى مقدمة وخاتمة ومبحثين تناول الأول منهما لتعريف الجائحة وذكر أنواعها، أما المبحث الثاني فتناول الآثار الشرعية للجائحة في مجال العبادات والمعاملات المالية.
المبحث الأول: مفهوم الجائحة
المطلب الأول: تعريف الجائحة لغةً واصطلاحاً
(أ). تعريفها لغة
الجائحة في اللغة مُشتقة من الجوح وهو الاستئصال يقال: جاحتهم السنة جوحاً إذا استأصلت أموالهم، ومن ذلك سنة جائحة أي: جدبة. كما تُطلق الجائحة على الشدة والنازلة العظيمة التي تجتاح المال من سنة أو فتنة.
ومن خلال هذا التعريف يتضح لنا أن الجائحة في اللغة تُطلق على الشدة والمصيبة العظيمة المُتلفة للمال والأنفس والتي لا قبل للبشرية بها.
(ب). تعريفها اصطلاحاً
عرَّف ابن عرفة الجائحة بأنها: "ما أتلف من معجوز عن دفعه عادة قدراً من ثمر أو نباتاً بعد بيعه"
كما عرفها أبو الحسن المالكي والنفراوي بقوله: "هي ما لا يستطاع دفعه كالبرد والريح والحشيش"
إن المتمعن في التعريفين السابقين يرى بأن التعريف الثاني عرف الجائحة، من حيث كنهها وطبيعتها (الذات) عندما أكد على أنها ما أتلف من معجوز.
(ج). تعريف مرض كوفيد 19
مرض كوفيد 19 من الأمراض الانتقالية المعدية، يُسببه فيروس متطور من عائلة فيروسات الكورونا، وقد ظهر في مدينة ووهان الصينية في كانون الأول ديسمبر 2019، وقد تحول فيروس كوفيد 19 إلى جائحة تفشت في جميع بلدان العالم.
المطلب الثاني: أنواع الجائحة.
قسَّم العلماء الجائحة إلى نوعين هما:
(أ). جائحة لا دخل للآدميين فيها
اتَّفق العلماء على دخول هذا النوع في جملة الجوائح، وقد قسمه فُقهاء المذهب المالكي إلى قسمين: جائحة من من قبل الماء، وجائحة من قبل غيره.
(ب). جائحة من قبل الآدمي
اختلف العلماء في الجائحة من قبل الآدمي كالسرقة مثلاً، فمنهم من لم ير ذلك جائحة لقوله صلى الله عليه وسلم فيما روى أنس "إذا منع الله الثمرة" ، ومنهم من جعله جائحة لدخوله في حدِّ الجائحة عندهم.
والذي نحن في صدد الحديث عنه في هذه البحث يندرج تحت القسم الأول، فقد صنفت المنظمات الدولية جائحة كورونا كوفيد 19 كإحدى أعظم جوائح العصر، حيث اجتاح الفيروس جميع القارت في وقت قياسي، وقد ساهم ارتباط العالم من خلال وسائل النقل في انتشار الفيروس بين الأفراد والجماعات مما أدى إلى عرقلة الحياة اليومية، والدورة الاقتصادية في عدد متزايد من دول العالم.
المبحث الثاني: الآثار الشرعية المترتبة على جائح كوفيد 19
المطلب الأول: الآثار المترتبة على جائحة كوفيد 19 في مجالات العبادات
من المعروف أن الشريعة الإسلامية وأحكامها تمتاز بصفات عديدة من أهمها: السماحة والتيسير على الناس ورفع الحرج، ودفع المشقة، وقلة التكاليف فإذا وُجد ما يُصعِّب على المكلفين ما حرم عليهم فقد يسقط عنهم ما وجب عليهم، ففي الفقه الإسلامي قواعد مهمة حاكمة لأوقات الأزمات منها: قاعدة المشقة تجلب التيسير، وقاعدة إذا ضاق الأمر اتسع، وقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وقاعدة التصرف على الرعية منوط بالمصلحة، وقاعدة للإمام تقييد المباح في حدود اختصاصه ومراعاة صحة الإنسان ، فيجب على كل مسلم أن يحافظ على نفسه من الأمراض قدر المستطاع، وقد أوجبت الشريعة الإسلامية المحافظة على الأرواح والأنفس قال تعالى: ( مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) (المائدة، 32).
وفي ذات السياق، نجد البُعد المقاصدي حاضراً بقوة في فقه كوفيد 19، فالإسلام قادر على معالجة قضايا كل عصر وقضايا كل مصر وفي كل الظروف، ولا شك أن هذه الظروف الاستثنائية تستلزم تسليط الضوء على العبادات وكيفية أدائها في زمن الجائحة.
(أ). إقامة الصلاة
حثَّ الشارع على أهمية اجتماع الناس لأداء الصلاة في المساجد؛ سواء في الصلوات الخمس المكتوبة، أو أداء صلاة الجمعة الواجبة في الكتاب والسنة، ولكن مع تزايد عدد الإصابات بفيروس كورونا وانتشار الوباء بين الناس عن طريق المخالطة والاجتماع، لجأت العديد من الحكومات الإسلامية إلى إغلاق المساجد لفترات طويلة حفاظاً على أرواح المواطنين. خاصة في ظل وجود بدائل كإقامة الصلوات الخمس في البيوت، وصلاة الجمعة ظهراً، وأداء صلاة العيدين في المنازل.
من ناحية أخرى، فضَّلت بعض حكومات العالم الإسلامي عدم إغلاق المساجد أمام المصلين، لكن مع ضرورة الالتزام بشروط صحية كالتَّباعد ووضع الكِمامات وعدم إطالة المُكث في المساجد إلى غير ذلك من الإجراءات الاحترازية التي يجب امتثالها شرعاً من أجل المحافظة على أرواح المسلمين، فالسُّلطان هو الذي يُقرر سنَّ هذه القوانين في زمن الأزمات مراعاة لمصالح الناس الصحية، ويجب عليهم الانصياع لأوامره، فهو وحده المُقدر لتلك المصالح. وتجدر الإشارة إلى أن الجمعة والجماعة لا تجب على النساء والأطفال مما يجعل حضورهم لها في هذه الأزمات يشكل ضغطاً على بيوت الله ، وبالتالي فالأفضل لهم أداؤها في البيوت.
(ب). أداء الزكاة
أفتى جمهور علماء السلمين في العصر الحالي، بضرورة تعجيل إخراج الزكاة قبل وقتها في زمن الجائحة، لحاجة الفقراء الماسَّة إليها في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها العالم جرَّاء تفشِّي جائحة كوفيد 19، وما خلَّفته من مشاكل اقتصادية كبيرة، وذلك استناداً منهم إلى تعجيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إخراج زكاة عمه العباس لسنتين. خاصة أن الكثير من العُمَّال والموظفين فقدوا وظائفهم بسبب انكماش الاقتصاد فلزموا بيوتهم وأصبحوا يمثلون مصرفاً للزكاة نظراً لدخولهم في بطالة قسرية. ولا شك أن أموال الزكاة ستساعدهم في مُواصلة حياتهم بشكل طبيعي. وتصبُّ هذه الاجتهادات في مصب واحد وهو جلب المصالح للأمة الإسلامية، ومن المعلوم أن جلب المصالح ودرء المفاسد من كُبريات قواعد الفقه المندرجة تحت قاعدة لا ضرر ولا ضرار
(ج). صوم رمضان
عاشت الأمة الإسلامية ظروفاً استثنائية غيَّرت سِمات الحياة مما أثَّر على المظاهر المألوفة أثناء صيام شهر رمضان المعظم، كالتَّراويح وصلاة التَّهجد، وموائد الإفطار، والزيارات العائلية، والولائم الرمضانية، وقد أشار شوقي علامة رئيس الهيئة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم أنه ينبغي للمسلم الاستفادة بإيجابية من هذه الإجراءات المقررة لمواجهة هذه الجائحة وأن يعمل على تعجيل زكاة الفطر فيي أول يوم من أيام رمضان، كما أشار أيضا إلى ضرورة أن يتفهم المسلمون أن عدم إقامة الشَّعائر الدينية في ظل الظروف الحالية واجب شرعاً، وهو أمر من الله تعالى ولذلك تحرم مُخالفته أو التَّحايل عليه لأي سبب، ولو كان إقامة الجماعة والتراويح، ولا يجوز استغلال العاطفة الدينية لدى عامة الناس وتعريض حياتهم للخطر بحجة إقامة سنة التراويح أو غيرها.
ولا بد من التنبيه هنا إلى أن مسألة مُهمة وهي أن التراويح من جُملة النَّوافل، والنَّوافل يُفضل العلماء إقامتها في البيوت على أدائها في المساجد مالم تعطل المساجد ، وهي كسائر النوافل وهذا يتأكد في زمن الأوبئة تماشياً مع البروتوكولات الصحية المتبعة في شتى دول عالمنا الإسلامي.
(د). حج البيت
إن المتتبع لتاريخنا الإسلامي يجد أن فريضة الحج قد عُطِّلت مرات عديدة وفي ظروف استنائية مرت بها أرض الحجاز ، سواء كانت تلك الظروف حروباً أو أوبئة أو مجاعات وكان أول توقف لهذه الشعيرة سنة 317هـ بسبب سيطرة القرامطة على الحرم، ومنع الناس من الحج بذريعة أنه من شعائر الجاهلية. ثم تلت تلك الحادثة مذبحة صعيد عرفة سنة 865م، ثم تفشي داء الماشوري سنة 357 هـ، ثم الغلاء سنة 390 هـ، ثم حروب الصليبيين سنة 492 هـ، ثم وباء الهند سنة 1246 هـ، ثم وباء الكوليرا سنة 1930م، والذي كان كارثة على الحجيج في ذلك الموسم، حيث تساقطت أعداد كثيرة منهم جثثاً هامدة في عرفات ومنى.
وفي ذات السياق، فإن جائحة كوفيد 19 لا تقل خطراً عن هذه الأوبئة السابقة، خاصة أن أدلة الحج من كتاب الله العزيز جمعت بين وجوب الحج مع الاستطاعة عليه قال تعالى ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران:97). كما ورد في حديث ابن عمر الذي خرجه الإمام البخاري من رواية عكرمة بن خالد عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: بُنِي الإسلامُ عَلى خَمْسٍ: شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وأنَّ مُحمَّداً عَبْدُه وَرَسولُهُ، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وحَجِّ البيتِ، وصَومِ رَمضانَ).
ومن الواضح أن النصوص ربطت وجوب الحج بالاستطاعة، والاستطاعة قسمان؛ استطاعة مادية وهي توفر المصاريف المالية للسفر، واستطاعة بدنية وهي القُدرة على أداء الشّعائر، ولا شك أن وجود العوائق المُختلفة مثل الفتن وانتشار الأوبئة وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة تدخل في عدم الاستطاعة، قال جل من قائل: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185).
المطلب الثاني: الآثار المترتبة على جائحة كوفيد 19 في مجال المعاملات المالية
(أ). الاحتكار
يُؤكد استقراء مُجمل النصوص الشرعية حرمة الاحتكار والقواعد الشرعية الكلية، ولا شك أن الاحتكار فيه من الإضرار بالناس ومصالحهم ما لا يخطر على بال، حيث أن المحتكر يمتنع عن البيع للناس وهذا ظُلم كبير وتجبر ومثله زيادة أسعار البضائع زيادة فاحشة. فالتاجر يجب عليه من الناحية الشرعية أن يستشعر أنه مُستخلف في ماله ولا يملكه إلا ملكاً مجازياً، وأنه يتعبد الله تعالى بتجارته، فإذا انتبه التاجر المسلم لهذا المعنى استيقظ ضميره وعفَّت نفسُه عن التَّطلُع لما حرم الله تعالى ورسوله . ومما يُميز الاقتصاد الإسلامي أنه اقتصاد أخلاقي بالدرجة الأولى، والمسلم الحق لا يبيح لنفسه أن تكثر ثروته على حساب الفقراء والمُحتاجين.
(ب). فسخ عقد الإيجار للعقار الذي تعطلت منفعته بسبب الجائحة
لا خلاف بين العلماء في أن الجائحة إذا أصابت العين المؤجرة وأتلفتها وتعذرت منفعتها فإن العقد يُصبح مفسوخاً مثل: تحطم السفينة، أو انهدام الدار المُؤجرة. فالذي عليه جمهور العلماء أن عقد الإيجار ينفسخ بسبب الجائحة والوباء العام وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة ومن أدلتهم قوله تعالى: ( وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ ) (الأنعام: 119)، وقوله جل من قائل: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ ) (الحج:87)، فقد رفع الله الحرج والضرر فإذا اضطُرَّ المُستأجر للرحيل عن البلد أو اضطُرَّ المُؤجر لذلك فإن الإجارة تنفسخ إذا كان في بقائها ضرر على أحدهما كمرض مانع أو خوف . ولا شك أن جائحة كوفيد 19 من أعظم الجوائح التي حلَّت بالعالم عبر التاريخ لذلك يجب مُراعاتها في مثل هذه المسائل.
(ج). القرض
إن نصوص الشرع متضافرة على تحريم الربا جُملة وتفصيلاً، إلا في حالة الاضطرار الشديد حيث أباحت الضروروة الشرعية التي تشمل الشخص العادي والشخصية الاعتبارية (المؤسسة أو الشركة)، فعندما يتعرض شخص ما لضيق شديد في عيشه زمن الجائحة ويخاف على نفسه الهلاك فإنه في هذه الحالة يجوز له اللجوء إلى المصارف للإقتراض بالفائدة . وكذلك الشركات الكبيرة والمتوسطة التي تمثل مصدر رزق الكثير من الناس فإذا تحققت من الإفلاس بواسطة الخبراء الماليين والاقتصاديين وكان إفلاسها يسبب ضرراً كبيراً وتعطلاً في الرواتب التي تدفعها للعمال في زمن الجائحة، ولا سبيل لها غير اللجوء إلى الاقتراض من البنوك بالفائدة، ففي هذه الحالة تدخل الشركات في مرحلة الضرورات، التي تجيز لها الاقتراض من البنوك ولو بالفائدة، ولكن بشرط ألاَّ تكون هذه الشركات متوفرة على أصول أوأسهم أو صكوك يمكن بيعها من تفادي الإفلاس، وألا تُوجد مُؤسسات مالية مُستعدة لتقديم عقود مشروعة لهذه الشركات .
(د). البيع بالتقسيط
البيع بالتَّقسيط هو بيع سلعة بثمن مؤجل وفي الغالب يكون أعلى من ثمنها الحالي، على أن يدفع الثمن على أجزاء مُتفرقة مُقسمة على أوقات معلومة (أقساط)، ويختلف البيع بالتقسيط عن البيع الآجل في كون دفع الثمن في البيع الآجل يكون مُتأخراً عن وقت استلام السلعة بغض النظر عن كونه سيدفع مرة واحدة أو على دفعات، أما البيع بالتقسيط فيكون الثمن المدفوع مُنجمًا على دُفعات بعد استلام الأصل المبيع، ويمكن للظروف الطارئة الناجمة عن آثار جائحة كوفيد 19، أن تُؤدِّي إلى إعسار المشتري بالتقسيط، كما قد تؤدي إلى إفلاسه، فإذا عجز المشتري عن أداء الأقساط بسبب ظروف طارئة أدّت إلى إعساره فإن الواجب شرعاً إنظاره إلى حين ميسرة ، كما دلت الآية الكريمة على ذلك في قوله تعالى (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ) (البقرة: 280).
(هـ). عقد المُقاولة والاستصناع
عقد المُقاولة هو عقد يتعهد بموجبه أحد طرفيه أن يصنع شيئاً أو يؤدي عملاً نظير بدل يتعهد به الطرف الآخر، ويُطلق على هذا النوع من العقود في الشريعة الإسلامية عُقود الاستصناع، ويقع في مجال العمران دائماً كبناء الدور والجوامع والمدارس وغيرها، ويُحدد فيه الأجل والثمن فإذا حصلت خلال فترة العقد جائحة مثل جائحة كوفيد التي نحن الآن في زمنها أدَّت إلى استيراد العمال أو بعض أدوات البناء أو مواده، أو ارتفاع تكاليفها بشكل كبير جداً ما يجعل المقاول في حرج شديد جراء هذا الغلاء الذي سيؤدي به إلى خسارة كبيرة. وفي هذه الحالة يحق للقاضي عند التَّنازع أن يُعدل تلك العقود بطريقة توزع الخسارة بين الطرفين أو يُلغي العقد من أصله، فيما لم يتم تنفيذه منه إذا رأى أن في ذلك مصلحة للطرفين . فهذه من السلطات التَّقديرية للقاضي، وهي سُلطة ردِّ الالتزام المُرهق للحد المعقول حفاظاً على مصلحة الأطراف وهذا من صميم اختصاصات القاضي
الخاتمة
خلص البحث إلى النتائج التالية:
• يُعتبر مرض كوفيد 19 الذي خيَّم بظلاله على العالم، جائحة من المنظور الشرعي.
• تتمتع الأحكام الشرعية بمرونة كبيرة في زمن الأزمات انطلاقاً من القواعد الفقهية الكُلية الحاكمة لذلك وهي قاعدة رفع الضرر، وقاعدة المشقة تجلب التيسير وقاعدة الأمر إذا ضاق اتسع وغيرها من القواعد الفقهية.
• يجب على المسلمين المحافظة على أرواحهم وممتلكاتهم في هذه الظرفية والاصطفاف صفاً واحداً خلف الحكومات والانصياع لكل ما يُسنّ من قوانين وقائية تحقيقاً للمصلحة العامة.
• تنقسم الجوائح إلى قسمين ، نوع للآدمي دخل فيه ونوع لا دخل للآدمي فيه مثل جائحة كوفيد 19.
• تخضع العبادات الشرعية في زمن جائحة كوفيد 19 لضوابط شرعية ونُظُم صحية لا بُدَّ للمسلم من اتباعها حفاظاً على المصلحة العامة.
• يجب على المسلمين أن يحرصوا على أداء العبادات في وقتها مع الاحتياط التام من العدوى، وأخذ الوسائل الضرورية لذلك.
• يحرم احتكار البضائع في زمن الجائحة إذا كان الناس بحاجة إليها.
• يجوز فسخ إيجار العقار الذي تعطَّلت منفعته بسبب الجائحة.
• يجوز للمُحتاج الذي وقَع في ضيق مالي اللجوء إلى القرض، كما يجوز ذلك أيضاً للشركات التي تخشى الإفلاس والإغلاق بسبب تأثير الجائحة، ولا خيار أمامها سوى الإقتراض بالفائدة، وهو ما سيضمن استمرار رواتب العمال ويحول دون قطع أرزاقهم وتضييق معاشهم.
• يحقُّ للقاضي أن يُعَدِّلَ بعض بنود عقود المقاولات في زمن الجائحة أو يلغيها متى رأى في ذلك مصلحة للطرفين.
قائمة المصادر والمراجع المعتمدة في البحث
(أ). المصادر
القرآن الكريم
(ب). المراجع
أبو عبد الله بدر الدين الزركشي، المنثور في القواعد الفقهية، ج2.
أبو الحسن المالكي، كفاية الطالب، ج2
ابن منظور، لسان العرب، ج2
ابن كثير، البداية والنهاية، ج11.
أحمد بن علي بن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج2.
عبد الله بن محمد الطيار، عبد الله بن محمد المطلق، محمد بن إبراهيم الموسوي، الفقه الميسر، ج6.
الحطاب، مواهب الجليل، ج4.
رملي محمد بن أحمد، نهاية المحتاج، ج3.
سنن الترمذي، كتاب الزكاة.
السيوطي، الأشباه والنظائر.
صحيح البخاري، ج8، الحديث رقم 4515
فتوى للعلامة الشيخ القره داغي، الأمين العام لاتحاد علماء المسلمين، متاحة على الإنترنت من خلال الرابط التالي: https://bit.ly/3nQ7ENP
الماوردي، الأحكام السلطانية.
محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني، شرح الزرقاني، ج3.
محمد بن حزم، المحلي، ج8.
محمد بوكماش، سلطة القاضي في تعديل العقد.
محمد علي الخطيب، سلطة القاضي في تعديل العقد.
محمد صدقي أحمد، الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية.
محمد سعد، مقاصد الشريعة وعلاقاتها بالأدلة الشرعية.
منظمة الصحة العالمية، معلومات عن الوبائيات، شوهد بتاريخ 12/03/2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3vA9oxI
نشرة جسور الناطقة باسم الهيئة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، العدد الثالث.
التسميات :
بحوث المجلة الأكاديمية
