الحمد لله والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله وعلى اله وصحبه ومن والاه..
وبعد: فسنحاول في هذه الدرس أن نلقي أضواء على المنهج العلمي في التفسير، وسنمر ان شاء الله بأهم عناصره، وبيان منطلقاته، وذلك فيما يلي:
تعريفه، نظريته، رواده، استمداده، أقسامه، اتجاهاته، طرقه، ضوابطه..
1- تعريفه: هو المنهج الذي يذهب الى استخراج جملة من العلوم القديمة والحديثة من القرآن الكريم..
فهو بعبارة أخرى: استخدام العلوم التجريبية لفهم الآيات القرآنية..
2- نظريته: يرى أبرز أصحاب هذا المنهج أن القرآن ميدان واسع للعلم الفلسفي والصناعي ، والانساني ؛ كالطب والجراحة والتشريح ، وخلايا الجسم ، والهيئة والفلك والنجوم ، وأصول الصناعات ، ومختلف المعادن ، والكهانة والسحر، والطيرة ، حيث يجعلون القرآن مستوعبا لهذه وغيرها من المسائل العلمية، بل وغيرها من المسائل غير العلمية كالأمثلة الأخيرة آنفة الذكر..
3- رواده: وأهم رواد وأصحاب النهج العلمي في التفسير ما يلي:
١-محمد عبدو.
٢-الشيخ طنطاوي جوهري.
٣-عبد الرزاق نوفل.
٤-مصطفى محمود.
وبعد ذكر منهج هؤلاء نأتي على نقد هذا المنهج على يد حسن البنّا.. رحمهم الله..
وممن اشتهر بالتفسير العلمي العالم المصري الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره " الجواهر في تفسير القرآن "
وقد ذكر فيه عدة علوم ومباحث مختلفة لا علاقة لأغلبها بفن التفسير..
وقد سار على نهجه عبد الرزاق نوفل في كتابه: " القرآن والعلم الحديث " ومصطفى محمود في كتابه: " نحو تفسير علمي للقرآن. "
وغير هؤلاء..
ومن الامثلة على ذلك أن فسر أحد الكتاب قوله تعالى : { لتركبن طبقا عن طبقٍ } [الانشقاق : 19] فسر ذلك بقوله : {إن الانسان سيركب طبقاً عن طبق }؛ أي: سينتقل من سماء الى سماء.
4- استمداد منهج التفسير العلمي للقران:
يهتم هذا المنحى من التفسير إلى أمور، منها:
١- إبراز الآيات التى تشير إلى العلم وعناصره ومفرداته وأدواته، مثل استخدام الملاحظة والمشاهدة، والتجربة والعقل، والاستنتاج، والنقد...
كما يشير هذا التفسير أيضا إلى:
٢-محاولة تفسير بعض الظواهر الطبيعية، أو غيرها وفقاً لتطابقها مع بعض الآيات في القرآن.
كما يشير هذا النوع من التفسير أيضاً إلى:
٣- ما طرحه بعض المهتمين بالدراسات القرآنية، تحت عنوان "الإعجاز العلمي في القرآن".
اتجاهات التفسير العلمي في القران:
يمكن تحديد منهجية التفسير العلمي في القران الكريم الى ثلاثة اتجاهات رئيسة:
الأول: يهتم باستخراج كل العلوم من القرآن.
الثاني: يعنى بتطبيق النظريات العلمية على القرآن.
الثالث: يقوم على استخدام العلوم لفهم وتبين القرآن.
وفي العصر الحديث أثار محمد عبده قضية (الإسلام والعلم)، وكيف أن القرآن كتاب يحث أتباعه على العلم، وأن الحضارة الإسلامية أنتجت علوماً تنسب إليها "العلوم الإسلامية".
وأشار – أيضاً – إلى "أن القرآن جامعة من القول والعلم".
وقد نحى محمد عبده في تفسير بعض سور القرآن انطلاقاً من المنظور العلمي، وظهر ذلك واضحاً في تفسيره لجزء (عم)، لاسيما في سورتي (الفيل) و(الانشقاق).
وسار على نفس هذا المنحى طنطاوي جوهري ( 1870-1940) الذى قدم تفسيراً كاملاً للقرآن من نفس ذلك المنظور العلمي.
وهو تفسيره المسمى بالجواهر، الذى يذكر في مقدمته رغبته في إعداد تفسير للأمة يمزج فيه بين "القرآن والعلوم".
وقد حاول طنطاوي جوهري قولبة الآيات القرآنية بمفاهيم العلم ونتائجه، لاسيما تلك التى توصلت إليها الحضارة الغربية آنذاك، فيذكر في الجزء الثاني من تفسير سورة آل عمران العناوين التالية:
– تعداد فقرات الحيوانات المختلفة عن علماء فرنسا والإنجليز .
– ذكر عشر لطائف في عجائب المادة ودقتها كدقة خيط العنكبوت وكالهباء في الهواء، وآلاف ألاف من الحيوان التى تعيش في قطرة الماء.
وأن المادة منفصلة غير ملتصقة، والبعد بين ذراتها كالبعد
– بيننا وبين السيارات والجوهر والفرد.
ونظامه كنظام السيارات من حيث دوران أجزائه على بعض.
– الأسرار الكيميائية في الحروف الهجائية للأمم الإسلامية، في أوائل السور القرآنية.
وهكذا حمل تفسير طنطاوي جوهري ألواناً مختلفة من التفسيرات العلمية للآيات القرآنية.
ومحاولة عمل مقاربات بين النظريات العلمية والقرآن الكريم (مثل خلق الإنسان) (الذرات والنيترونات الموجبة والسالبة).
بل وبعض أفكار الفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو، ومن ثم يمكن أن نطلق على تفسير الجواهري: (تفسير العلوم الكونية والتجريبية).
ويؤكد طنطاوي جوهري أن أزمة هذه الأمة لن تحل إلا بـالعبادة والعلوم.
ولعله من جهة أخرى أراد أن يعلى من شأن "العلم" الذى تراجع في واقع الأمة، وساد الجمود على العلوم التى سميت "العلوم الدينية" والحواجز التى أقيمت بينها وبين علوم العمران، وهو ما ذكره في إحدى الفقرات المطولة، نحيل القارئ إليها والتي توضح دوافعه الذاتية نحو السير والمنحى العلمي للتفسير القرآني.
اهتمت الأنساق التفسيرية في المنحى العلمي بـ :
– تقديم تفسيرات علمية لبعض الآيات والحوادث والوقائع في القرآن ( محمد عبده في سورتي الفيل والانشقاق ) .
– تفسير الآيات القرآنية بمفاهيم العلم المعاصر، وما توصل إليه من اكتشافات علمية ( طنطاوي جوهري –تفسير الجواهر ) .
رأي حسن البنّا في هذا المنهج العلمي:
وحول هذا النوع من التفسير يقدم حسن البنا رؤية نقدية لهذه المنهجية ويرى أن هناك مزالق متعددة وقع المفسرون فيها نظرًا لرغبتهم في مسايرة العصر، وما اكتنفه من نهضة علمية فمن المقرر ” أن القرآن الكريم لم ينزل ليكون كتاب هيئة أو طب أو فلك أو زراعة أو صناعة، ولكنه كتاب هداية وإرشاد، وتوجيه اجتماعي إلى أمهات المناهج الاجتماعية التي إذا سلكها الناس سعدوا في دنياهم وفازوا في آخرتهم، وهو [ أي القرآن ] عندما يعرض للعلوم الكونية ولمظاهر الوجود المادية والطبيعية بالقدر الذي يعين على الإيمان بعظمة الخالق جل وعلا، ويكشف من بديع صنعه.
وعما أودع في الكون من المنافع والفوائد لبني الإنسان حتى ييسر لهم بذلك طريق الاهتداء إلى الاستفادة مما في الأرض والسماء.
ويرى أيضا بأن محاولات الربط بين القرآن والنظريات العلمية تكليف بما لم يكلفنا الله به، ويصل في أحوال كثيرة إلى التكلف [ أي الاصطناع ] بما يخرج بالقرآن عما نزل بكونه كتاب هداية وإصلاح…
كما أنه يعرض القرآن لاختلاف الآراء العلمية وتضاربها وكذبها.
والمعنى الذي يود الإمام البنا تأكيده في هذا المنحى هو أن القرآن بتناوله للمظاهر الكونية والمادية، إنما يأتي في إطار تهيئة المناخ للعقل كي يفكر ويتأمل ويكتشف ويخترع.
والقرآن من ناحية أخرى لا يمكن أن يتصادم مع ما توصل إليه العقل الإنساني من حقائق العلوم ومقرراتها، وخصوصاً إذا ما وجدنا أن هذه المقررات العلمية تنقسم على قسمين:
القسم الأول: ما تظاهرت عليه الأدلة وتوفرت الحجج المقنعة والقاطعة حتى كاد أن يلحق بالبديهيات.
القسم الثاني: طور النشأة، وهذا نوع منه، ولكنه لازال في طور البحث العلمي وكل ما في يدي العلماء فروض، تؤيدها بعض القرائن التي لم ترق بعد إلى مرتبة الأدلة.
وفيما يتعلق بالنوع الأول (الحقائق) يرى البنا أن القرآن يوافقه تمام الاتفاق ويعتبر من إعجاز القرآن،
قال الله تعالى: [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ] ومن هذا القبيل ما يتصل بنشأة الإنسان وحقيقة الحياة وبدء التكوين وصلة الأرض بالسماء.
بينما النوع الثاني من الظلم والتجني أن نخضع له تفسيرات القرآن أو أن نخضع القرآن له.
أقسام المنهج العلمي:
تنقسم العلوم على أساس البحث إلى:
1. العلوم التجريبية: وهي التي تَستخدم التجربة أساسا للبحث وتشمل:
(أ) العلوم الطبيعية: مثل الفيزياء و الكيمياء
(ب) العلوم الإنسانية: مثل علم الاجتماع وعلم النفس
2. العلوم العقلية: وهي التي تَستخدم العقل للاستدلال كالفلسفة
3. العلوم النقلية: وهي التي تَستخدم المنهج النقلي كالتاريخ واللغة
4. العلم الشهودي: وهو الذي يَستخدم نتهج الشهود كالعلم الإلهي للأنبياء
تنبيهات:
1. المقصود بالعلم في منهج التفسير العلمي هو العلم التجريبي
2. قضايا العلوم التجريبية ليست ثابتة ومطابقة للواقع حتما ولكن قد تصبح ثابتة عن طريق المشاهدة أو عن طريق قرائن أخرى.
مثل (حركة الأرض) فقد أصبحت في عصرنا بديهية بينما هي سابقا ليست كذلك
3. يجب استخدام العلوم التجريبية كوسيلة لفهم الآيات القرآنية
4. عندما يبين القرآن مسألة علمية لم تكن معروفة قبل 14 قرن ثم يتبين صحتها بواسطة العلوم التجريبية فهذا يدل على اعجاز القرآن
5. تطبيق النظريات العلمية على القرآن وتأويل الآيات المخالفة ؛ من قبيل التفسير بالرأي لأنه بعيد عن ظاهر الآية ومخالف للاصطلاحات اللغوية.
التطور التاريخي لمنهج التفسير العلمي
تقسم مراحل التطور لهذا المنهج إلى ثلاث أدوار:
الأول: يبدأ من القرن الثاني إلى الخامس الهجري بترجمة الآثار اليونانية إلى اللغة العربية ومحاولة تطبيق بعض الآيات القرآنية على العلوم
الثاني: بدأ من القرن السادس وقام بعض العلماء باستخراج جميع العلوم من القرآن
الثالث: في القرن الثامن عشر بلغ التفسير العلمي أوج تطوره بعد ترجمة كتب الطب و الكمياء وغيرهما وهذا أدى إلى تطبيق القرآن على العلوم الجديدة.
أسباب نشوء هذا المنهج:
1. اهتمام القرآن بالعلم و الحث على التفكر في الآيات الكونية
2. ترجمة الآثار العلمية إلى العربية
3. إثبات الأعجاز العلمي للقرآن
4. الدفاع عن القرآن ورد الشبهات الغربية عنه كقوله بالتعارض بين العلم والدي
ضوابط المنهج العلمي:
توجد عدة ضوابط وطرق في منهج التفسير العلمي
1. الطريقة الصحيحة:
تطبيق النظريات العلمية على القرآن
2. القول باستخراج كل العلوم من القرآن يؤدي إلى تفسير بالرأي
3. من ضوابط التفسير العلمي: تجنب التفسير المخالف للظاهر .
4. يمكن بالتفسير العلمي للقرآن : إثبات الإعجاز العلمي للقرآن
5. استخدام العلوم يؤدي إلى فهم وبيان الآيات القرآنية بشكل أفضل
6. من امثلة التفسير العلمي الاستفادة من قوله: ( الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ) في إثبات الجاذبية..
ومما سبق يمكن القول بأنه مما لا شك فيه أن القرآن كتاب هداية وإرشاد يربط الناس بالله عزوجل ، ويأخذ بأيديهم نحو الخير والصلاح والعبودية المطلقة لله تعالى ؛ ليسعدوا في دنياهم وأخراهم ، ولم ينزل ليكون كتابا علميا ، يتناول الحقائق العلمية ، والفرضيات كغيره من الكتب العلمية الاختصاصية ، وإن كان لا يخلو القرآن من ذكر بعض الحقائق العلمية الدقيقة .
لذلك لا يجوز جر القرآن الكريم وآياته المباركة الى المسائل العلمية والفرضيات ؛ لأنها عرضة للخطأ ، فيكون ذلك توهينا بالقرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، هذا إضافة الى كونه كتاب هداية ونور كما قلنا...
فالقرآن لا يفسر بالمصطلحات الحادثة، ولا بالتبؤات العلمية، بل لا بد أن يكون مما يرجع لكلام لغة العرب ومفاهيمها، وطرق أساليبها.. ولا يفسر الا بما تعرفه العرب من كلامها..
نعم يمكن الاستفادة من المسائل العلمية، وتطور العلوم والمعارف في فهم كثير من الآيات الكونية، والنفسية والفلكية وغيرها...
ولكن ينبغي أن لا يقطع بأن معنى الآية هو تلك الحقيقة العلمية ، وإنما يستظهر ، ويحتمل ذلك ؛ لئلا يكون القرآن عرضة للأخطاء إذا ما كانت تلك الفرضيات أو الحقائق العلمية خطأ بالمستقبل..
المصادر:
-تفسير طنطاوي.
-مصطفى محمود.
-الثوابت العلمية في القرآن الكريم: د. عدنان شريف...
د. محمد القاسم أحمد جباب..
التسميات :
دروس جامعية
