التفكير والإبداع في الاسلام.


القرآن يدعو للتفكير والإبداع

دعى القرآن الكريم إلى إعمال العقل، ولم يأت لفظ العقل جامدًا، بل جاءت اشتقاقاته المختلفة؛ للدلالة على أن المطلوب هو قيام هذا العقل بوظائفه المتعددة، فجاء لفظ "التفكر" في ست عشرة آية، تناولت التفكر في آيات الأنفس والآفاق، وامتدت لتشمل كل مـا فـي الكــون قال الله تعالى في سورة الجاثية: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)}.

كما دعى إلى كل مستويات التفكير: من تعقل ونظر وتدبر وتفقه وتذكر واعتبار، فوردت مشتقات العقل بالصيغة الفعلية في (٤٩) آية، والنظر في (١٢٩) آية، والتفكير في (١٤٨) آية، والتدبر في (٤) آيات، والتفكر في (١٦) آية، وهي عملية عقلية أعلى من التفكير، والاعتبار في (٧) آيات، والتفقه في (٢٠) آية، والتذكر في (٢٦٩) آية. وتصّنف هذه العمليات العقلية بأنها مستويات تفكير ُعليا، فالتدبر والنظر عمليات تفكير عميق.
أما التفقه فهو "خطوة عقلية أبعد مدى من التفكير، إذ هي الحصيلة التي تتمخض عن عملية التفكير، وتجعل الإنسان أكثر وعيًا لما يحيط به، وأعمق إدراكا لأبعاد وجوده وعلاقاته في الكون، كما تجعله متفتح البصيرة دومًا. وكذلك الاعتبار الذي يتطلب إدراك العلاقات بين الجزئيات والكليات، إذ يتطلب نوعًا من القياس، فيحتاج إلى تحليل وتركيب وتعليل وهي عمليات عقلية عليا. وما اهتمام القرآن الكريم بوظائف العقل المختلفة، إلا لتتناسب مع مسؤولية الإنسان، وأعباء تكليفه، ولعّل من دلالات هذا الأمر أن الاهتمام بالتفكير هو موضوع الحياة نفسها، وموضوع البناء الحضاري المستمر، وأهم أنواع التفكير التي يجب أن تهدف إليها الدراسات الإسلامية ما يلي : أولا: التفكير الإبداعي الإبداع شكل را ٍق للنشاط الإنساني، وقد أصبح مشكلة من مشكلات البحث العلمي في عدد كبير من الدول، فبعد أن حّلت الآلة في إطار الثورة التقنية العلمية المعاصرة، وتكّونت ظاهرة النشاط العقلي الذي ُيعيد العمل آليًا وروتينيًا، ازداد الطلب أكثر  فأكثر على النشاط الإبداعي، فالتقدم العلمي لا يمكن تحقيقه دون تطوير القدرات المبدعة عند الإنسان، وهذا التطوير من مهمات العلوم الإنسانية عامة، وعلم النفس في دراسة الإبداع خاصة، وقد أشار (جيلفورد) في دراسة له إلى الحاجة الكبيرة لكوادر تملك المواهب المبدعة، بتأكيده على القيمة الاقتصادية الضخمة للأفكار الجديدة، وعلى ضرورة تمييز أولئك الذين تكمن فيهم القدرة على الإبداع والاختراع، وفي الوقت نفسه فإن علم النفس والعلوم الإنسانية أصبحت تهتم بهذه الظاهرة، لا على المستوى النظري المنهجي فحسب، بل على مستوى تطبيقي عملي أيضًا. ويعود ازدياد الاهتمام بالإبداع في ظل التغيرات الحالية إلى تغُّير كثير من المعايير والمواصفات للجودة في التعليم؛ إذ أصبحت تقاس فعالية الكفايات بمقدار ما ُتقّدمه من أفكار مبدعة، وبالقدرة على توظيف هذه الأفكار والمعلومات توظيفًا فّعا ًلا منتجًا، فتحّول الاستثمار من استثمار أموال إلى استثمار عقول، ومن هنا أخذ هذا المفهوم في الاتساع لينتقل من مجرد الإبداع في العلوم التطبيقية إلى عالم الاقتصاد والتجارة والقيادة والإدارة، والمتتبع لوسائل الإعلام المختلفة يجد تلك النقلة النوعية في مجال الإبداع، فنجد ُجلّ برامج الإبداع حول القائد المبدع، والإداري المبدع، والمعلم المبدع، وانتشرت برامج التدريب على هذه الفعاليات بشكل ملحوظ، وأصبح ينتسب إليها أفراد ينتمون إلى تخصصات ووظائف مختلفة، ومن هنا بدأ الاهتمام بموضوع الإبداع في ميدان التربية والتعليم، باعتباره الطريق إلى تحقيق الإبداع في ميادين الحياة كّلها. ثانيا: التفكير الناقد يفتقد الكثير من طلابنا إلى الرؤية النقدية، مما يوقعهم في أخطاء منهجية، منها عدم التفريق بين الآراء الشخصية والحقائق، فيتوجه النقد إلى الأشخاص لا إلى الأفكار، مع عدم امتلاك القدرة على الاستقلالية في إصدار الأحكام، وأخذ أقوال الآخرين كمسّلمات ابتدا ًء من أقوال المعلم والأب، إلى مفردات المنهاج، مما ينسحب على الحياة فيما بعد. وتزداد هذه الحاجة إلحاحًا في ضوء تعدد مصادر المعرفة وتضاربها، من خلال هذا الانفتاح اللامحدود بكافة مستوياته وأنواعه، ولا سيما في هذا العصر، الذي تنوعت فيه تلك المصادر وتشعبت بشكل لا يمكن السيطرة عليه أو تقنينه. وتبرز أهمية تعليم التفكير الناقد نظرًا لعدم فهمه مما يؤدي إلى تطبيق خاطئ لأنه: حين يتم النقد فإّنه يوّجه غالبًا إلى السلبيات، مع أن النقد عملية تقويمية شاملة، ومن ثم فإن بيان ما يشتمل عليه الناقد من مساحات الخير والجمال والصواب، أمر ضروري لإثراء فن النقد وصقل معاييره، كما أنه يساعد على تلطيف الأحكام الصادرة من خلال الوزن المنصف لمختلف جوانب العمل وأبعاده... 
ويلاحظ أن الذهنية –ما زالت- تتجه إلى نقد القضايا الصغيرة والمسائل الفرعية، مع أن اختلاف الأذواق والأفكار والمواقف فيها أمر سائغ، حيث إنها مناط الاجتهاد، وكٓان ينبغي توجيه النقد إلى المنظومات الجوهرية والمحورية، وإلى القوانين العامة التي تغذي المسائل الصغرى، وتهيمن عليها.
كما أننا لم ننجح في الفصل بين القضايا موضع النقد وبين الجوانب الشخصية، فنعتقد أن نقد الفكرة هو نقد لصاحبها، فُنحجم عن نقدها، حتى لا نخسر
العلاقة الحميمة مع صاحبها... 
ومما أضعف حركة النقد لدينا ادعاؤنا الدائم للكمال وتمجيد الذات، والخلو من المشكلات، مما يجعل أي نقد عبارة عن خدوش في الصورة الصقيلة التي نحاول إعطاءها. إن مهارة النقد تساعد المتعلم على الدراسة الواعية، وتمحيص الحقائق، والاهتداء بنور الحق المستمد من الكتاب والسنة. 
وقراءة الحياة في ضوء السنن الربانية التي لا تتخلف ولا تتبّدل. 
كما تمكن المتعلم من تكوين بصيرة عقلية وعلمية للتمييز بين المفاهيم الصحيحة والمفاهيم الدخيلة في الإسلام، ومن هنا فلا بد من تنمية القدرة على التحليل والنقد، وتمييز الأفكار وتمييز الحقائق من الآراء. كما أنها تتيح له الفرصة للتفكير العميق، وتمكنه من سعة الأفق، وُبعد النظر، والإدراك العميق لمغازي الأمور، كما تحميه من العشوائية والسطحية، وتجعله يشعر بقيمة العلم، ويدرك عن كثب أنه لن يتعلم التعلم الصحيح ويفكر التفكير السليم، إلا بعد أن تكون له شخصيته المستقلة وهويته المستقيمة، المنبثقة عما جاء في كٓتاب االله تعالى وسنة رسوله صلى االله عليه وسلم. ومن الأسباب الداعية إلى تعليم طلابنا التفكير الناقد أنهم يحتاجون إلى قدرة أكٓبر من كونهم مجرد مشاهدين ومراقبين، دون أن يعرفوا كيفية تطبيق هذه المهارات، من أجل تقييم تفكيرهم الخاص، لتغيير سلوكياتهم نتيجة تفكيرهم الناقد البناء. ومن هنا فإن الباحثين يرون أنه إذا أردنا إعداد أبنائنا للمستقبل، وجعلهم أكٓثر قدرة على التكيف مع الحياة، وإخراجهم من دائرة السلبية إلى الإيجابية الفاعلة، بعيدًا عن أحادية النظرة، وكٓل أشكال التعصب والتطرف فلا بد من تمليكهم عين الناقد لا عين الناقل، لإكسابهم الرؤية الإسلامية الصحيحة في خضّم كثرة المصادر التي يتلقى المتعلم منها معارفه واختلاطها، فتأثير المنهج الخفي قد يكون أشد خطرًا من المناهج الرسمية المخطط لها، ومن هنا وجب علينا تحصين عقول أبنائنا من كل ما يؤثر في أحكامهم، أو يسلبهم القدرة على اتخاذ القرارات أو إصدار الأحكام الموضوعية؛ وهنا تقع المسؤولية على أهداف الدراسات الإسلامية لتأخذها بعين الاعتبار.

د. محمد القاسم أحمد جِّباب

إرسال تعليق

أحدث أقدم