ثقافة الحوار في ظل التعايش الحضاري والمتغيرات المعاصرة..د. محمد القاسم gerou1434@gmail.com.

ملخص لقد حمل العرب قيم الإسلام العليا ومثله السامية وأ

خذوا في نشرها وتعميمها في كل أرجـاء الـدنيا، وبـدأت عمليـة التفاعل بينها وبين الحضارات الفارسية والهندية والمصرية والحضارة الأوروبيـة الغربيـة فيما بعد، ومع مرور الزمن وانصرام القرون نتجت حضارة إسلامية جديـدة أسـهمت في إنضاجها مكونات حضارات الشعوب والأمم التي دخلت في الإسلام، فاغتنت الحـضارة الإسلامية بكل ذلك عن طريق التلاقح والتفاعل، وكانت هي بدورها فيما بعـد، عنـدما استيقظت أوروبا من سباتها وأخذت تستعد للنـهوض، مكونـا حـضاريا ذا بـال أمـَدَّ الحضارة الأوروبية الغربية بما تزخر به اليوم من علوم وقيم وعطاء حضاري متنوع. إن الحوار يعتبر مطلبا إسـلاميا ملحا يـدعو إليه القرآن الكريم وتبشر به السنة النبوية الشريفة. وبقدر ما تعظم الحاجة إلى حوار جدي بين الثقافات والحـضارات لإقامـة جـسور التفاهم بين الأمم والشعوب ولبلوغ مستوى لائق من التعايش الثقافي والحـضاري تقـوم الضرورة القصوى لتهيئ الأجواء الملائمة لإجراء هذا الحوار وإيجـاد الـشروط الكفيلـة بتوجيهه الوجهة الصحيح. إن الانعزال والتقوقع والانغلاق على الذات في عـالم اليـوم الـذي تحـول إلى قريـة صغيرة بحكم التطور التقني الهائل في تكنولوجيا الاتصال أمر مستحيل، كما أن الانسياق وراء الدعوة إلى حضارة عالمية واحدة هو بحد ذاته عمليـة تكـريس لهيمنـة الحـضارة الغربية الكاسحة، وهو طريق التبعية الحـضارية الـذي يفقـدنا خـصوصيتنا الحـضارية ويحولنا إلى مجرد هامش لحضارة الغرب. وتبقى الدعوة إلى حوار الحضارات التعـبير الأسمـى الـذي يحقـق الـذات ويكفـل الانفتاح على الآخر ويثمر مستوى لائقًا من التعايش الثقافي والحضاري المنشود. إن التقاء الحضارات معلم من معالم التاريخ الحضاري للإنسانية، وهو قدر لا سـبيل إلى مغالبته أ وتجنبه، وقد تم دائما وأبدا وفق هذا القانون الحـاكم التمييـز بـين مـا هـو مشترك إنساني عام وبين ماهو خصوصية حضارية. مقدمة الحمد لله الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم، {الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان} فالقرآن كتاب الله الخالد إلى العالمين، وهو كتاب الله إلى الإنسانية جمعاء، ليهديها، ويرشدها، ويعلمها، فهو كتاب الله إلى الإنسان الفرد ليهديه ويعلمه ويزيح البلادة التي تزحف على عقله وقلبه من آن لآخر، لقد استخدم القرآن أسلوب الحوار كوسيلة في عملية الهداية والتعلم، وضرب المثل، وقص القصة، وصور الوقائع، واستخدم الصور المجسمة، واللوحات الناطقة، والمشاهد المعبرة، والمواقف الصاخبة، وعبر عن الحالات النفسية، والنماذج الإنسانية، وأخرج المعاني المجردة في صور شاخصة متحركة، وعبر عن الفكرة الذهنية في صورة مرسومة مصورة.. نعم، جاء كل هذا الأسلوب في القران الكريم. وسنقتبس من القرآن بعض النماذج التي عرضها في فن الحوار وتطبيقاته، فقد ذكر الله تعالى في القران كثيرا من أمثلة الحوار في إثبات كثير من التصورات والحقائق الكونية، وإبراز المعاني، وكذلك إنشاء التصور الصحيح للمنهج الإسلامي في ضمير المسلم عن طريق الحقائق الكونية التي تطالع الأنظار والمدارك كل يوم، نرى ذلك في الحوار الذي دار بين إبراهيم -عليه السلام- وملك من ملوك أيامه يجادله في الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] . فالآية -كما نرى- تمثل مشهدا لحوار إبراهيم -عليه السلام- وأحد الملوك، والمشهد يعرض على الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجماعة المسلمين من خلال التعبير القرآني العجيب. وهذا الملك الذي يجادل إبراهيم في ربه، ليس منكرا لوجود الله أصلا، إنما هو منكر لوحدانيته ولتصريفه للكون وتدبيره لما يجري فيه وحده، كما كان الحال لدى بعض الناس في الجاهلية؛ يعترفون بوجود الله ولكنهم يجعلون له أندادا ينسبون إليها فاعلية وعملا في حياتهم: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} . فالإحياء والإماتة ظاهرتان معروضتان لحس الإنسان وعقله في كل يوم وكل لحظة، فرد الملك على إبراهيم قائلا: أنا سيد هؤلاء القوم، وأنا المتصرف في شأنهم فأنا إذن الرب الذي يجب عليك أن تخضع له، وتسلم بحاكميته: {قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} . وعندئذ عدل إبراهيم عن طريقة العرض المجرد للسنة الكونية والصفة الإلهية في قوله: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} .. إلى طريقة التحدي، حتى يعرف الملك أن الرب ليس حاكم قوم ما، في ركن من أركان الأرض، وإنما هو مصرف هذا الكون كله: قال إبراهيم: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} .. وهذه حقيقة كونية تطالع الأنظار والمدارك كل يوم دون تخلف أو تأخر، وهو تحد يخاطب الفطرة، ويتحدث بلسان الواقع الذي لا يقبل الجدل: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} . وهناك حوار آخر، وهو مشهد حي مرسوم بالكلمات، والمشهد تجسيد لمشاعر رجل مر على قرية محطمة، فجال في شعوره سؤال حائر: كيف تدب الحياة في هذا الموات؟ {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259] . إن المشهد هنا ليرتسم للحس قويا واضحا موحيا، مشهد الموت والبلى والخواء.. يرتسم بالوصف {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} محطمة على قواعدها، ويرتسم من خلال مشاعر الرجل الذي مر على القرية، هذه المشاعر المتجسمة في تعبيره: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} كيف تدب الحياة في هذا الموات؟ {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} . لم يقل له كيف، إنما أراه في عالم الواقع كيف، فالمشاعر قوية، وعنيفة لدرجة أنها لا يجب أن تعالج بالبرهان العقلي.. وإنما يكون العلاج بالتجربة الشخصية الذاتية المباشرة، التي يمتلئ بها الحس ويطمئن بها القلب، دون كلام! {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ} . وتبعا لطبيعة التجربة، وكونها تجربة حسية واقعية، فلا بد أن تكون هناك آثار محسوسة تصور مرور مائة عام، هذه الآثار لم تكن إلا في طعام الرجل وشرابه، فلم يكونا آسنين متعفنين: {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا}. لقد تعرت وتفسخت عظام الحمار، ثم كانت الخارقة هي ضم هذه العظام بعضها إلى بعض، وكسوتها باللحم وردها إلى الحياة، على مرأى من صاحبه الذي لم يمسسه البلى، ولم يصب طعامه ولا شرابه التعفن، ليكون هذا التباين في المصائر، والجميع في مكان واحد، معرضون لمؤثرات جوية وبيئية واحدة، آية أخرى على القدرة التي لا يعجزها شيء، والتي تتصرف مطلقة من كل قيد، وليدرك الرجل كيف يحيي هذه الله بعد موتها، ثم يأتي حوار آخر، وتجربة أخرى لإبراهيم مع ربه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260] . إن هذا الحوار والسؤال من إبراهيم لا يتعلق بوجود الإيمان وثباته وكماله في نفسه، وليس طلبا للبرهان أو تقوية الإيمان، بل هو تشوق إلى ملابسة سر الصنعة الإلهية: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} إنه الشوق إلى "رؤية السر الإلهي أثناء وقوعه العملي، لقد أراد إبراهيم أن يرى يد القدرة وهي تعمل "ليحصل على مذاق هذه الملابسة فيتروح بها، ويتنفس في جوها، ويعيش معها." لم يكن هذا الحوار السؤال إذا من أجل تأكيد الإيمان، فقد كان الله يعلم حقيقة الإيمان لدى عبده وخليله إبراهيم، ولقد استجاب الله لهذا الشوق والتطلع من قلب إبراهيم، ومنحه التجربة المباشرة، أو الخبرة المباشرة: {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . لقد أمر الله إبراهيم أن يختار أربعة من الطير، فيقربهن منه، وينظر إليهن ليتأكد من أشكالهن وصفاتهن ومميزاتهن بحيث لا يخطئ في التعرف عليهن بعد ذلك، وأن يذبحهن ويمزق أجسادهن، ويفرق أجزاءهن على الجبال المحيطة، ثم يدعوهن، فتتجمع أجزاؤهن مرة أخرى، وترتد إليهن الحياة، ويعدن إليه ساعيات.. ففعل، وقد كان. لقد رأى إبراهيم السر الإلهي يقع بين يديه، طيور فارقتها الحياة، وتفرقت أجزاؤها في أماكن متباعدة، تدب فيها الحياة مرة أخرى، وتعود إليه سعيا، وهو سر نحن نرى آثاره بعد تمامه كل يوم، ولكننا لا ندرك طبيعته، ولا نعرف طريقته، إنه أمر الله. إن فن الحوار والصور والمشاهد والتجارب المباشرة السابقة تؤكد لنا أن وسائل الحوار قد استخدمت منذ زمن متقادم في القدم.. منذ طفولة الإنسانية. كما يقول السيد قطب في التصوير الفني للقرآن. فالقران عالج الحوار من الناحية النفسية والتصويرية والشخصية بل تضمن اداب الحوار ومجالاته وفنونا من أمثلته وتطبيقاته وهذا ما سنحاول لملمته في هذا الطرح لنبين كيفية أسلوب الحوار في ظل التعايش الحضاري، لنقف على كيفية التعايش في ظل التغيرات المعاصرة، ومدى معارفها والاستفادة منها في ظل نقاش توافقي، وحوار بناء.. وسنلم قبل ذلك بآداب الحوار، وأسلوبه، وأصوله، وقواعد الاختلاف في فن التجاذبات والمناظرات ومجالات في التربية والتعليم، وفِي التعايش الحضاري مع الاخر.. وفِي خلال تلك الأدوار سنتوقف على العناصر الآتية: العنصر الأول: الحور وآدابه ابتلي العالم الإسلامي بفتن كثيرة، وتعددت مسمياتها، وتنوعت فيه الطرق، وتعددت حولها المفاهيم، فبرزت فيه الطوائف واختلفت مشاربها وتنوعت، وأطلقوا عليها الأسماء والأوصاف. إلا أنها كلها تئول كلها إلى فساد الرأي، وتعبر عن مفهوم الغلو، والتفسير الناقص للنصوص، وإطلاق تسميات الاٍرهاب، والطوائف، والطرق، على المؤمنين دون بصيرة وروية، فاستسهل أقوام قذف المسلمين بالبدعة والكفر والشرك والجهل في أمور خلافية ليست محلًّا لأي من هذه الأوصاف، بل ليست محلًّا للتخطئة والتجهيل، فكيف بالتبديع والتكفير؟!! . إذ إن الكثير من هذه الأمور الخلافية سبقهم إليها أئمة من ذوي الرواية والروية، ولا ينبغي أن يعيب مقلد على مقلد ولا مجتهد على مجتهد. ذلك أن سر خلود الإسلام هو الاختلاف المحمود الذي هو التنوع، واختلاف الرأي، والمصالح، وسياتي تفصيل ذلك ان شاء الله تعالى. وإن الداء الأكبر الذي استشرى في زماننا، وأدى إلى ظهور كل هذه التناقضات هو غياب سنة الحوار التي أرى أنها أولى الأولويات وأهم المهمات. فقواعد الحوار والاختلاف وضوابطه هي العاصم للمتحاورين من الغلو وشتم الآخرين إن كان الحق هو المقصد والتوجه. أما إذا كان الخلاف انتصارًا للأهواء والسياسية والتعصب الأعمى، فهذا أمر لا ينفع معه قواعد ولا ضوابط، فالهوى خبط في عمياء، وخوض وتضجر، فليس له ضوابط ولا موازين، وقد حذرنا القرآن الكريم من اتباع الهوى فقال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50] . وليس من الاختلاف المذموم اختلاف العلماء في مسائل الفقه والفروع، لأن تنوع قضايا الفقه الإسلامي العظيم لم ينشأ من فراغ، وإنما نشأ عن مناهج وأسس وضوابط وموازين علمية دقيقة اتبعها أصحاب المذاهب في الاستنباط والاستخراج. لذلك فإن غياب هذه الأسس والمناهج في الحوار والاختلاف أوقعنا فيما نحن فيه. وفن الحوار من أهم هذه الموضوعات التي ينبغي أن تنال حظًّا وافرًا من الاهتمام والتعليم سواء في المدارس أو الجامعات، بل إن غيابه في التعليم جعل حوار المتعالمين كحوار الطرشان، ونشأ عن ذلك ما نراه اليوم من فتن وتيارات مختلفة متنافرة، فقد يختلفون حيث لا اختلاف، وقد ينزلقون وهم يعتقدون أنهم مصلحون، وإنما هم في الواقع مفسدون، كما قال الله -تعالى- في أمثالهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11, 12]. وليس هذا إلا من غياب مقاصد الحوار، وأسلوبه، وأهدافه. أهداف الحوار ومقاصده: ١ - إقامة الحجة: الغاية من الحوار إقامة الحجة ودفع الشبهة والفاسد من القول والرأي. والسير بطرق الاستدلال الصحيحة للوصول إلى الحق. 2 - الدعوة: الحوار الهادئ مفتاح للقلوب وطريق إلى النفوس، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] . 3 - تقريب وجهات النظر: من ثمرات الحوار تضييق هوة الخلاف، وتقريب وجهات النظر، وإيجاد حل وسط يرضي الأطراف في زمن كثر فيه التباغض والتناحر، وتكالب أعداء الدين على الإسلام، منتزهين فرصة تفرق أهله. 4 - كشف الشبهات والرد على الأباطيل، لإظهار الحق وإزهاق الباطل، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:55]. ـ الأصول والقواعد الرئيسة التي تضبط مسار الحوار. الأصل الأول: الوصول إلى الحق: فلا بد من التجرد في طلب الحق، والحذر من التعصب والهوى، وإظهار الغلبة والمجادلة بالباطل. يقول الإمام الغزالي عند ذكره لعلامات طلب الحق: "أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة، لا يفرّق بين أن تظهر الضالة على يده، أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معينًا لا خصمًا، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق". الأصل الثاني: تحديد الهدف والقضية التي يدور حولها الحوار، فإن كثيرًا من الحوارات تتحول إلى جدل عقيم سائب ليس له نقطة محددة ينتهي إليها. الأصل الثالث: الاتفاق على أصل يرجع إليه، والمرجعية العليا عند كل مسلم هي: الكتاب والسنة، والضوابط المنهجية في فهم الكتاب والسنة. وقد أمر الله بالرد إليهما فقال سبحانه: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] . فالاتفاق على منهج النظر والاستدلال قبل البدء في أي نقاش علمي يضبط مسار الحوار ويوجهه نحو النجاح، ولا شك أن الاختلاف في المنهج سيؤدي إلى الدوران في حلقة مفرغة لا حصر لها ولا ضابط. قال عبد العزيز الكناني في مناظرته لبشر المريسي بحضرة الخليفة المأمون: "كل متناظرين على غير أصل يكون بينهما يرجعان إليه إذا اختلفا في شيء من الفروع، فهما كالسائر على غير الطريق، لا يعرف الحجة فيتبعها ويسلكها وهو لا يعرف الموضع الذي يريد فيقصده، ولا يدري من أين جاء فيرجع يطلب الطريق فهو على ضلال أبدا. ولكننا نؤصل بيننا أصلا، فإذا اختلفنا في شيء من الفروع رددناه إلى الأصل، فإن وجدناه فيه وإلاّ رمينا به ولم نلتفت إليه. فقال له المأمون: "نعم ما قلت، فاذكر الأصل الذي تريد أن يكود بينكما، ويذكر أيضا هو مثله حتى تتفقا على الأصل فتؤصلاه بينكما". الأصل الرابع: عدم مناقشة الفرع قبل الاتفاق على الأصل، فلا بد من البدء بالأهم من الأصول وضبطها والاتفاق عليها، ومن ثم الانطلاق منها لمناقشة الفروع والحوار حولها. ولا بد للحوار من ضوابط ـ آدابُ الحوار النفسية: هناك آداب تتعلق بنفسية المحاور وشخصه، وهناك ظروف نفسية قد تطرأ على الحوار فتؤثر فيه تأثيرًا سلبيًّا، فينبغي مراعاة ذلك حتى يحقق الحوار غاياته ويؤتي ثمراته، وأهم هذه الآداب النفسية ما يلي: أولًا: تهيئة الجو المناسب للحوار فلا بد من الابتعاد عن الأجواء الجماعية والغوغائية، لأن الحق قد يضيع في مثل هذه الأجواء، كما ينبغي اختيار المكان الهادئ وإتاحة الزمن الكافي للحوار. كما ينبغي مراعاة الظرف النفسي والاجتماعي للطرف الآخر، فلا يصلح أبدًا أن يتم الحوار مع شخص يعاني من الإرهاق الجسدي أو النفسي، لأن هذه الأمور ستؤثر في الحوار. ومن الوسائل في تهيئة الجو المناسب للحوار: 1 - التعارف بين الطرفين. 2 - طرح أسئلة في غير موضوع الحوار لتهيئة نفسية الطرف الآخر. 3 - التقديم للحوار بكلمات مناسبة ومقدمات لطيفة تلفت انتباه الطرف الآخر. ثانيًا: الإخلاص وصدق النية لا بد من توفر الإخلاص لله وحسن النية وسلامة القصد في الحوار والمناظرة، وأن يبتعد المناظر عن قصد الرياء والسمعة، والظهور على الخصم والتفوق على الآخرين، والانتصار للنفس، وانتزاع الإعجاب والثناء. ومن دلائل الإخلاص لله والتجرد لطلب الحق أن يفرح المحاور إذا ظهر الصواب على لسان مخالفه، كما قال الشافعي: "ما ناظرت أحدًا إلا تمنيت لو أن الله أظهر الحق على لسانه". ويعينه على ذلك أن يستيقن أن الآراء والأفكار ومسالك الحق ليست ملكًا لواحد أو طائفة، والصواب ليس حكرًا على واحد بعينه. ثالثًا: الإنصاف والعدل من المبادئ الأساسية في الحوار: العدل والإنصاف، ومن تمام الإنصاف قبول الحق من الخصم، والتفريق بين الفكرة وقائلها، وأن يبدي المحاور إعجابه بالأفكار الصحيحة والأدلة الجيدة، ومن نماذج الإنصاف ما ذكره الله - سبحانه - في وصف أهل الكتاب: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران:113] . رابعًا: التواضع وحسن الخلق إن التزام الأدب وحسن الخلق عمومًا، والتواضع على وجه الخصوص له دور كبير في إقناع الطرف الآخر، وقبوله للحق وإذعانه للصواب، فكل من يرى من محاوره توقيرًا وتواضعًا، ويلمس خلقًا كريمًا، ويسمع كلامًا طيبًا، فإنه لا يملك إلا أن يحترم محاوره، ويفتح قلبه لاستماع رأيه. وفي الحديث الصحيح: «وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله». أي يرفع منزلته في الدنيا عند الناس، وكذلك يرفعه في الآخرة ويزيد من ثوابه فيها بتواضعه في الدنيا. ومما ينافي التواضع: العجب والغرور والكبر. خامسًا: الحلم والصبر يجب على المحاور أن يكون حليمًا صبورًا، لا يغضب لأتفه سبب، ولا ينفر لأدنى أمر، ولا يستفز بأصغر كلمة. فقد أمر -سبحانه- نبيه بأخذ العفو وإعذار الناس، وترك الإغلاظ عليهم، كما في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] . والصفح والعفو أبلغ من كظم الغيظ ورد الغضب، لأن العفو ترك المؤاخذة، وطهارة القلب، والسماحة عن المسيء، ومغفرة خطيئته. وأعظم من ذلك وأكبر هو دفع السيئة بالحسنة، ومقابلة فحش الكلام بلينه، والشدة بالرفق، ورد الكلمة الجارحة بالكلمة الطيبة العذبة، والسخرية والاحتقار بالتوقير والاحترام، وهذه منزلة لا يصل إليها إلا من صبر وكان ذا حظ عظيم: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34-35] . سادسًا: الرحمة والشفقة. إن المحاور المسلم المخلص الصادق يحرص على ظهور الحق، ويشفق على خصمه الذي يناظره من الضلال، ويخاف عليه من الإعراض والمكابرة والتولي عن الحق. فالرحمة والشفقة أدب مهم جدًّا في الحوار، لأن المحاور يسعى لهداية الآخرين واستقامتهم فلذلك يبتعد عن كل معاني القسوة والغلظة، والفظاظة والشدة. فلا يكون الحوار فرصة للكيد والانتقام، أو وسيلة لتنفيس الأحقاد، وطريقة لإظهار الغل والحسد، ونشر العداوة والبغضاء. والرحمة جسر بين المحاور والطرف الآخر، ومفتاح لقلبه وعقله، وكلما اتضحت معالم الرحمة على المحاور كلما انشرح صدر الخصم، واقترب من محاوره، وأذعن له واقتنع بكلامه. يقول - سبحانه - مخاطبًا نبيه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]. ولذلك كان الأنبياء في حوارهم مع أقوامهم يصرحون بالخوف والحرص والشفقة عليهم. ومن نماذج ذلك تصريح مؤمن آل فرعون لقومه بالرحمة والشفقة والخوف عليهم في أكثر من موضع، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ} [غافر: 30 - 32] . سابعًا: العزة والثبات على الحق. إن المحاور المسلم يستمد قوته من قوة الدين، وعظمة الإيمان، فلا يجوز أن يؤدي الحوار بالمسلم إلى الذلة والمهانة. والعزة الإيمانية ليست عنادًا يستكبر على الحق، وليست طغيانًا وبغيًا، وإنما هي خضوع لله وخشوع، وخشية وتقوى، ومراقبة لله سبحانه. ثامنًا: حسن الاستماع. لا بد للمحاور الناجح أن يتقن فن الاستماع، فكما أن للكلام فنًّا وأدبًا، فكذلك للاستماع، وليس الحوار من حق طرف واحد يستأثر فيه بالكلام دون محاوره، فلا بد من الفرق بين الحوار الذي فيه تبادل الآراء وبين الاستماع إلى خطبة أو محاضرة. ومما ينافي حسن الاستماع: مقاطعة كلام الطرف الآخر، فإنه طريق سريع لتنفير الخصم إضافة إلى ما فيه من سوء أدب، كما أنه سبب في قطع الفكرة مما يؤثر في تسلسل الأفكار وترابطها، ويؤدي إلى اضطرابها ونسيانها. وقد ذكر العلماء في آداب المتناظرين: ألا يتعرض أحدهما لكلام الآخر حتى يفهم مراده من كلامه تمامًا، وأن ينتظر كل واحد منهما صاحبه حتى يفرغ من كلامه، ولا يقطع عليه كلامه من قبل أن يتمه. والاستماع إلى الطرف الآخر وحسن الإنصات، تهيئ الطرف الآخر لقبول الحق، وتمهد نفسه للرجوع عن الخطأ. تاسعًا: الاحترام والمحبة على رغم الخلاف. الخلاف أمرٌ واقع لا محالة، ولكن لا يجوز أن يؤدي الخلاف بين المتناظرين الصادقين في طلب الحق إلى تباغض وتقاطع وتهاجر، أو تشاحن وتدابر. فأخوة الدين، وصفاء القلوب، وطهارة النفوس فوق الخلافات الجزئية، والمسائل الفرعية، واختلاف وجهات النظر، لا ينبغي أن يقطع حبال المودة، ومهما طالت المناظرة، أو تكرر الحوار، فلا ينبغي أن تؤثر في القلوب، أو تكدر الخواطر، أو تثير الضغائن. لقد اختلف السلف فيما بينهم، وبقيت بينهم روابط الأخوة الدينية. فهذان الخليفتان الراشدان، أبو بكر وعمر، يختلفان في أمور كثيرة، وقضايا متعددة، مع بقاء الألفة والمحبة، ودوام الأخوة والمودة. ومع هذا الخلاف بينهما إلا أن كل واحد منهما كان يحمل الحب والتقدير والاحترام للآخر، ويظهر ذلك من ثناء كل واحد منهما على صاحبه. للحوار قيم وآداب علمية لا بد من الإشارة إلى أهمها فيما يلي: أولًا – العلم. العلم شرط أساس لنجاح الحوار وتحقيق غايته، وبدونه لا ينجح حوار، ويهدر الوقت ويضيع الجهد. فيجب على المحاور ألا يناقش في موضوع لا يعرفه، ولا يدافع عن فكرة لم يقتنع بها، فإنه بذلك يسيء إلى الفكرة والقضية التي يدافع عنها، ويعرض نفسه للإحراج وعدم التقدير والاحترام. يقول الشيخ ابن تيمية في التأكيد على ضرورة العلم وأهميته لمن يتصدى للحوار: "وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة، إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل، كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجًا قويًا من علوج الكفار، فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة. ثانيًا - البدء بالنقاط المشتركة وتحديد مواضع الاتفاق بين كل متناظرين مختلفين حد مشترك من النقاط المتفق عليها بينهما والتي يسلم بها الطرفان، والمحاور الناجح هو الذي يظهر مواطن الاتفاق. والبدء بالأمور المتفق عليها يساعد على تقليل الفجوة، ويوثق الصلة بين الطرفين، ويعيد الحوار هادئًا هادفًا. أما إذا كان البدء بذكر مواضع الخلاف وموارد النزاع فإن فرص التلاقي تقل، وفجوة الخلاف تتسع، كما أنه يغير القلوب، ويثير النفوس للغلبة دون النظر إلى صحة الفكرة. فالبدء بالنقاط المشتركة يساعد على تحرير محل النزاع، وتحديد نقطة الخلاف، ويفيد في حسن ترتيب القضايا والتدرج في معالجتها. ثالثًا - التدرج والبدء بالأهم إن المحاور الناجح هو الذي يصل إلى هدفه بأقرب طريق، ولا يضيع وقته فيما لا فائدة منه، ولا علاقة له بأصل الموضوع، فمعرفة الأهم والبدء به يختصر الطريق. وأوضح الأمثلة على ذلك بدء الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - بأهم قضية وأكبر غاية، وهي الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 95، 65، 73، 85] . قالها نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام. ومع التأكيد على هذا الأدب - البدء بالأهم - فقد يحتاج المحاور إلى أن يتدرج ويتنازل مع خصمه، ويسلم له ببعض الأمور تسليمًا مؤقتًا حتى يصل إلى القضية الأم والمسألة الأهم. ومن نماذج هذا الأسلوب ما اتبعه إبراهيم مع قومه ليصل بهم إلى التوحيد وإبطال الشرك، كما قال سبحانه: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} وهذا على وجه التنزل مع الخصم، أي ربي -بزعمكم- {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} فبطلت عبادة الكواكب، ثم فعل مثل ذلك لما رأى القمر ولما رأى الشمس حتى وصل بهم إلى حد إبطال ما هم عليه من الشرك. رابعًا – الدليل. إن أهم أسباب نجاح الحوار: الدليل، ولا بد من إثبات صحة الدليل، كما قيل: "إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل". ولا يحسن بالمحاور أن يستدل بأدلة ضعيفة أو حجج واهية. فدليلان قويان لا يمكن الرد عليهما أفضل من سوقهما مع ثلاثة أدلة أخرى يمكن الأخذ والرد فيها، إذ ربما يستغلها الطرف الآخر، فيضعف الفكرة ويسيء إلى موقف صاحبها بسبب الأدلة الضعيفة. ومتى وجد الدليل وثبتت صحته، فلا بد من صحة دلالته على المطلوب، ولا بد من ترتيب الأدلة حسب قوتها وصراحتها في الدلالة على المقصود. خامسًا - ضرب الأمثلة: إن المحاور الناجح هو الذي يحسن ضرب الأمثلة، ويتخذها وسيلة لإقناع محاوره، إذ إن الأمثلة الجيدة تزيد المعنى وضوحًا وبيانًا. ولما للأمثلة من دور كبير في تقريب المعاني والإقناع بها، فقد اعتنى القرآن بها كثيرًا، وأشار إلى أهميتها وبيان هدفها: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر:21] . {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25] . سادسًا - العدول عن الإجابة إن الأصل في الحوار الناجح أن يبنى على الإخلاص والتجرد للحق والصدق والوضوح، ولكن قد تتعذر هذه الصفات في الخصوم، فقد يكون الخصم يهوى الجدال والمراء، ويقصد إضاعة الوقت والتهرب من الحوار الجاد، وقد يلقي أسئلة لا قيمة لها ولا تفيد شيئًا بالحوار. ففي مثل هذه الأحوال يعدل المحاور الناجح عن الجواب المباشر للسؤال المطروح، إلى جواب مفيد مهم. سابعًا - الرجوع إلى الحق والتسليم بالخطأ. إن من أهم الآداب والصفات التي يتميز بها المحاور الصادق أن يكون الحق ضالته، فحيثما وجده أخذه، والعاقل هو الذي يسلم بخطئه، ويعود إلى الصواب إذا تبين له، ويفرح بظهوره، ويشكر لصاحبه إرشاده ودلالته إليه. والتسليم بالخطأ صعب على النفس، خاصة إذا كان في مجمع من الناس، فهو يحتاج إلى تجرد لله وصدق وإخلاص، وقوة وشجاعة. ثامنًا - التحدي والإفحام وإقامة الحجة على الخصم. إن الهدف من الحوار هو الوصول إلى الحق، فعلى المحاور أن يتجنب أسلوب الإفحام والإسكات، لأنه يترك في نفس المحاور حقدًا وغيظًا وكراهية. ولكن يلجأ المحاور إلى التحدي والإفحام مع من استطال وتجاوز حدود الأدب، وطغى وظلم وعادى الحق وكابر مكابرة بينة ولجأ إلى الاستهزاء والسخرية، ونحو ذلك. وفي مثل هؤلاء جاءت الآية الكريمة: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] . ولما أمر الله - سبحانه - بالتلطف في المناقشة - حتى مع الكفار - استثنى حالة إذا ما ظلموا وبغوا، فلا ينفع معهم الرفق واللين، بل يستعمل معهم الغلظة والشدة: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت:46]. أولًا - الكلمة الطيبة والقول الحسن. لقد أمر الله - عز وجل - بدعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، فقال سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] . ومن القول الحسن أيضًا: حسن المناداة للطرف الآخر، واختيار أحب الأسماء إليه، وقد تأدب الأنبياء بهذا الأدب في خطابهم لأقوامهم، فقد كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم لخصومه المعاندين: (يا قوم) في تودد وسماحة وتذكير بالروابط التي تجمعهم، ليستثير مشاعرهم، ويطمئنهم فيما يدعوهم إليه. ثانيًا - التعريض والتلميح بدلًا عن التصريح. إن لفت النظر إلى الأخطاء من طرف خفي، وتجنب اللوم المباشر، وعدم تخطئة الطرف الآخر بعبارة صريحة، كل ذلك له أثره في تسليم الخصم للحق والرجوع عن الخطأ، فالنفوس غالبًا لا تتحمل أن تواجه بقوة وصرامة، وهناك من الألفاظ الموحية والكلمات اللطيفة والتي تؤدي الغرض نفسه، دون جرح لمشاعر الآخرين، أو إشعارهم بالذل والهزيمة. ثالثًا - ثناء المحاور على نفسه أو على خصمه بالحق. إن الكلام عن النفس ومدحها والثناء عليها مذموم غالبًا، ولا يحب الناس أن يسمعوا ممن يملأ آذانهم بمناقبه وسيرته وأحواله وتقلباته، بل إن من يفعل ذلك ويفرح به ويكثر منه يعد ناقصًا في عقله، أو ربما فاسدًا في نيته وقصده. وكما قال الإمام مالك: إن الرجل إذا ذهب يمدح نفسه ذهب بهاؤه. وقد نهى الله - عز وجل - عن تزكية النفس والتمدح بطهارتها فقال سبحانه: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32]. وعاب أناسًا فعلوا ذلك فقال فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 49] . وفي المقابل فإن مدح الآخرين وإطراءهم والثناء عليهم بما ليس فيهم، وتجاوز الحد في ذلك، كل هذا مذموم ممقوت أيضًا. ولكن قد تكون هناك حالات يحتاج فيها المحاور إلى أن يثني على نفسه بالحق، لتحقيق غرض معين، كأن يشعر خصمه بمقدار علمه في موضوع الحوار أو في مسألة من مسائله، أو لينفي عن نفسه تهمة أو طعنًا في صدقه وأمانته أو نحو ذلك، فهنا قد يسوغ ذكر شيء من محاسن النفس بقدر وبحق. وكذا قد يحتاج المحاور إلى أن يثني على الطرف الآخر - بالحق - لتحقيق غرض معين، كأن يكون القصد إشعاره بالتقدير والاحترام، والاعتراف بفضله أو علمه. رابعًا - محذورات لفظية إن للسان سقطات، وللكلام زلات، والمسلم مأمور بحفظ لسانه، كما أنه مأمور بطيب الكلام، وأن يقول خيرًا فيغنم، أو يسكت فيسلم، ويسلم الآخرون منه، وهناك أمور قد يقع فيها اللسان فتورد صاحبها الموارد، وقد تهوي بالحوار وتعطل سيره أو تحوله إلى جدل عقيم، أو تبادل سباب وشتائم، ولذلك ينبغي للمحاور أن يحذرها، فمن هذه المحذورات: 1 - اختيار الألفاظ والمعاني التي تقود إلى الجدل، أو تستثير الفتن والمشكلات. 2 - إظهار التفاصح والتشدق في الكلام تيهًا على الآخرين واستعلاء. 3 - الغيبة: فإن المناظر لا ينفك عن حكاية كلام خصمه ومذمته، فيحكي عنه ما يدل على قصور كلامه وعجزه ونقصان فضله، وهو الغيبة. 4 - الكذب: ربما لا يقدر المناظر على محاورة خصمه، فيلجأ إلى الكذب عليه، فينسبه إلى الجهل والحماقة وقلة الفهم، تغطية لعجزه فيقع في الكذب. 5 - تزكية النفس والثناء عليها بالقوة والغلبة والتقدم على الأقران، كقوله: لست ممن يخفى عليه أمثال هذه الأمور ونحو ذلك، مما يتمدح به على سبيل الادعاء. ٦ - الاستئثار بالكلام دون الطرف الآخر، والإطالة الزائدة عن حدها وعدم مراعاة الوقت في أثناء الكلام. 7- اللوم المباشر عند وضوح خطأ الطرف الآخر، كقوله: "أخطأت"، "سأثبت لك أنك مخطئ جاهل" ونحو ذلك مما يجرح الطرف الآخر. 8- رفع الصوت أكثر مما يحتاج إليه السامع، ففي ذلك رعونة وإيذاء. 9- الاستهزاء والسخرية، وكل ما يشعر باحتقار الطرف الآخر. 10- استعمال الألفاظ الغريبة، والأساليب الغامضة، والعبارات المحتملة تلبيسا على الطرف الآخر، تمويها للحقيقة... إلى غير ذلك من المحذورات التي يجب على المحاور أن يبتعد عنها. قواعد في أدب الاختلاف أولا - أنواع الاختلاف وأسبابه الاختلاف نوعان: اختلاف مذموم، واختلاف محمود: أما الاختلاف المذموم، فهو اختلاف تضاد، ويرجع إلى أسباب خلقية متعددة، ومن هذه الأسباب: 1- الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي. 2- سوء الظن والمسارعة إلى اتهام الآخرين بغير بينة. 3- الحرص على الزعامة أو الصدارة أو المنصب. 4- اتباع الهوى وحب الدنيا. 5- التعصب لأقوال الأشخاص والمذاهب والطوائف. 6- العصبية لبلد أو إقليم أو حزب أو جماعة أو قائد. 7- قلة العلم في صفوف كثير من المتصدرين. 8- عدم التثبت في نقل الأخبار وسماعها. وهذه الأسباب وغيرها من الرذائل الأخلاقية والمهلكات هي التي ينشأ عنها اختلاف غير محمود وتفرق مذموم، وكل واحد من هذه الأسباب يطول شرحه، وسنأتي على ذكر الكثير من هذه الأسباب عند الكلام عن القواعد العلمية والأخلاقية في أدب الخلاف. أما الاختلاف المحمود، وهو اختلاف تنوع، وهو عبارة عن الآراء المتعددة التي تصب في مشرب واحد، ومن ذلك ما يعرف بالخلاف الصوري، والخلاف اللفظي، والخلاف الاعتباري. وهذه الاختلافات مردها إلى أسباب فكرية، واختلاف وجهات النظر، في بعض القضايا العلمية، كالخلاف في فروع الشريعة، وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية. وكذلك الاختلافات في بعض الأمور العملية، كالخلاف في بعض المواقف السياسية، ومناهج الإصلاح والتغيير، ويدخل في الخلافات الفكرية: اختلاف الرأي في تقويم بعض المعارف والعلوم مثل: علم الكلام والمنطق والفلسفة والتصوف. والاختلاف في تقويم الأحداث التاريخية، وبعض الشخصيات التاريخية والعلمية. وهذا الخلاف ليس فيه مذمة، وإنما الذم في عدم مراعاة آداب الخلاف العملية والأخلاقية التي سيأتي ذكرها في ثنايا هذا البحث. وجود الخلاف في خير قرون الأمة: لقد كان الخلاف موجودًا في عصر الأئمة المتبوعين الكبار: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم. ولم يحاول أحد منهم أن يحمل الآخرين على رأيه أو يتهمهم في علمهم أو دينهم من أجل مخالفتهم. بل كان الخلاف موجودًا في عصر شيوخ الأئمة وشيوخ شيوخهم من التابعين الكبار والصغار، بل كان الخلاف موجودا في عصر الصحابة نظرًا لاختلاف أفهامهم وتفسيرهم للنصوص. بل إن الخلاف وجد في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فأقره ولم ينكره، كما في قضية صلاة العصر في بني قريظة، وهي مشهورة، وفي غيرها من القضايا. فأما طبيعة الدين: فقد أراد الله أن يكون في أحكامه المنصوص عليه والمسكوت عنه، وأن يكون في المنصوص عليه: المحكمات والمتشابهات، والقطعيات والظنيات، والصريح والمؤول، لتعمل العقول في الاجتهاد والاستنباط، فيما يقبل الاجتهاد. ولو شاء الله لأنزل كتابه كله نصوصًا محكمة قطعية الدلالة، لا تختلف فيها الأفهام، ولا تتعدد التفسيرات. ولكنه لم يفعل ذلك، لتتفق طبيعة الدين مع طبيعة اللغة، وطبيعة الناس وضروريات الزمن. وأما طبيعة اللغة: فإن نصوص القرآن والسنة، جاءت على وفق ما تقتضيه اللغة في المفردات والتراكيب، ففيها اللفظ المشترك الذي يحتمل أكثر من معنى، وفيها ما يحتمل الحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والمطلق والمقيد. وأما طبيعة البشر: فقد خلقهم الله مختلفين، فكل إنسان له شخصيته المستقلة، وتفكيره المتميز، وميوله الخاصة، ومن العبث صب الناس في قالب واحد، ومحو كل اختلاف بينهم، فهذا أمر مخالف للفطرة التي فطر الله عليها الناس. وأما طبيعة الكون والحياة: فالكون الذي نعيش في جزء صغير منه، خلقه الله - سبحانه - مختلف الأنواع والصور والألوان، وهذا الاختلاف ليس اختلاف تضارب وتناقض بل هو اختلاف تنوع. وكذلك طبيعة الحياة، فهي أيضا تختلف وتتغير بحسب مؤثرات متعددة، في المكان والزمان. فالخلاف سنة كونية اقتضتها الحكمة الإلهية، قال الله عز وجل: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} [هود: 118] . وفي الأثر: "لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا". ب - الاختلاف رحمة: الاختلاف مع كونه ضرورة، هو كذلك رحمة بالأمة وتوسعة عليها. ولهذا اجتهد الصحابة واختلفوا في أمور جزئية كثيرة، ولم يضيقوا ذرعا بذلك، بل نجد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول عن اختلاف الصحابة رضي الله عنهم: "ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن لنا رخصة". فهم باختلافهم أتاحوا لنا فرصة الاختيار من أقوالهم واجتهاداتهم، كما أنهم سنوا لنا سنة الاختلاف في القضايا الاجتهادية، وظلوا معها إخوة متحابين. ج - الاختلاف ثروة: اختلاف الآراء الاجتهادية يثري الفقه، وينمو ويتسع، لأن كل رأي يستند إلى أدلة واعتبارات شرعية. وبهذا التعدد والتنوع تتسع الثروة الفقهية التشريعية، وإن تعدد المذاهب الفقهية، وكثرة الأقوال كنوز لا يقدر قدرها، وثروة لا يعرف قيمتها إلا أهل العلم والبحث، فقد يكون بعضها أكثر ملاءمة لزمان ومكان من غيره. رد الاختلاف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مصداقًا لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء 59] ، شريطة أن نعود ونستنبط بالطرق التي استنبط بها علماؤنا السابقون، وليس بالأهواء أو بالاعتساف أي أن يكون الأمر مجمعًا عليه فلا نعود لمذهب دون مذهب بل يعرض الأمر على ثلة من العلماء حتى نحقق الأمور." ٢- اتباع المنهج الوسط فالله - سبحانه وتعالى -يقول: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة 185] ، ويقول: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء 28] ، ويقول سبحانه وتعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة 6] . فالتشدد منهج ينبذه الإسلام فلا بد إذًا من رخصة وتيسير على الناس ومراعاة ظروفهم. ٣- التفريق بين القطع والظن في الأدلة والتركيز على المحكمات لا المتشابهات، فمن المعلوم أن النصوص بعضها ظني الثبوت وظني الدلالة، وبعضها ظني الثبوت قطعي الدلالة، وبعضها قطعي الثبوت ظني الدلالة، وبعضها قطعي الثبوت قطعي الدلالة. فقطعية الثبوت هي القرآن الكريم والسنة المتواترة، والأحاديث أحاديث الآحاد الصحيحة التي حفت بها قرائن وتلقتها الأمة بقبول حسن. ٤- تجنب القطع في المسائل الاجتهادية. فالاجتهاد إذا كان وفقًا لأصول الاجتهاد ومناهج الاستنباط في علم أصول الفقه يجب عدم الإنكار عليه، ولا ينكر مجتهد على مجتهد آخر، ولا ينكر مقلد على مقلد آخر وإلا أدى ذلك إلى فتنة. ٥- إن من أراد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فلا بد له أن يطلع على خلافات العلماء وأدلة كل منهم حتى لا ينكر على الناس أمرًا هم متبعون فيه علماء أفاضل فالاختلاف من ضروريات الحياة، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} [هود 118] ، فالتعصب لمذهب واحد واعتقاد أن كل من خالفه مخطئ أمر يجرُّ إلى فتن عظيمة. ٦- تحديد المفاهيم والمصطلحات التي يدور حولها النقاش إذ يجب أن تكون واضحة جلية وهو ما يسميه العلماء تحرير موضع النزاع، فكثير من النقاشات التي تقدم اليوم مردها إلى خلاف في اللفظ. ٧- النظرة الشمولية، فلا بد من الجمع بين كل ما ورد فيما يخص المسألة الواحدة لتحريرها تحريرًا جليًّا واضحًا. وأرى ألا ننساق وراء شيخ واحد نقدسه أو عالم واحد نعظمه ولا نلتفت إلى سواه وإلا دخلنا في محظور قول الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} . ٨- النظر في المقاصد واعتبار المآلات. فمسألة المقاصد الإسلامية لها دور كبير في تيسير المعاملات وتسهيل العمل في هذا الزمن، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى». ٩- أعمال القلوب مقدمة على أعمال الجوارح، فالإخلاص مقدم على غيره. لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم وصوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» فكل الفضائل مردها إلى القلب. ١٠- الاهتمام بهموم المسلمين، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. إن مشكلاتنا اليوم كثيرة ومتعددة احتوت الظلم الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، والتفسخ والانحلال، وهناك أمراض جديدة لم نكن نألفها، فلماذا لا نتفق على ما اتفقنا عليه، وندع الخلافيات ونواجه الخطر الداهم اليوم خطر التمزق، وخطر التدهور. ١١- التعاون في المتفق عليه. إن مشكلة الأمة الإسلامية اليوم ليست في ترجيح أحد الرأيين أو الآراء في القضايا المختلف فيها بناءً على اجتهاد أو تقليد. فالواقع أن الخطأ في هذه القضايا يدور بين الأجر والأجرين. ولكن مشكلة الأمة حقا في تضييع الأمور المتفق عليها، مشكلة المسلمين ليست في الذي يؤول آيات الصفات وأحاديثها - وإن كان مذهب السلف أسلم وأرجح - بل في الذي ينكر الذات والصفات جميعًا. مشكلة المسلمين ليست فيمن يقول: استوى على العرش بمعنى (استولى) أو كناية عن عظمة سلطانه تعالى، بل فيمن يجحد العرش ورب العرش معا. مشكلة المسلمين ليست فيمن يجهر بالبسملة أو يخفضها أو لا يقرؤها في الصلاة، ولا فيمن يرسل يديه في الصلاة أو يقبضهما، ومن يرفع يديه عند الركوع أو الرفع منه أو لا يرفعهما، إلى آخر هذه المسائل الخلافية الكثيرة المعروفة. إنما مشكلة المسلمين فيمن لا ينحني يومًا لله راكعًا، ولا يخفض جبهته لله ساجدًا، ولا يعرف المسجد ولا يعرفه المسجد. مشكلة المسلمين ليست فيمن يأخذ بأحد المذاهب المعتبرة في إثبات هلال رمضان أو شوال، بل فيمن يمر عليه رمضان كما مر عليه شعبان وكما يمر عليه شوال، لا يعرف صيامًا ولا قيامًا، بل يفطر عمدًا جهارًا ونهارًا، بلا خشية ولا حياء. مشكلة المسلمين ليست في عدم تغطية الوجه بالنقاب، واليدين بالقفازين، كما هو رأي بعض العلماء، بل في تعري الرؤوس والنحور، والظهور، ولبس القصير الفاضح، والشفاف الوصاف، إلى آخر ما نعرف مما يندى له الجبين. إن المشكلة حقًّا هي وهن العقيدة، وتعطيل الشريعة، وانهيار الأخلاق وإضاعة الصلوات، ومنع الزكوات، واتباع الشهوات، وشيوع الفاحشة وانتشار الرشوة وخراب الذمم، وسوء الإدارة، وترك الفرائض الأصلية وارتكاب المحرمات القطعية وموالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين. مشكلة الأمة المسلمة الحقيقية في إضاعة أركان الإسلام، ودعائم الإيمان، وقواعد الإحسان. فالواجب على دعاة الإسلام أن ينبهوا على التركيز على مواطن الاتفاق قبل كل شيء، وأن يرفعوا شعار (التعاون في المتفق عليه) فإن هذا التعاون فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين وضرورة يحتمها الواقع. ومن خلال ما سبق علينا أن ندرك أن الخلل الذي يعاني منه المجتمع الإسلامي لا يصلحه إلا التفاعل من خلال الحوار بعيدًا عن القهر وتأليب جانب على آخر، والسلطة السياسية يجب أن تمثل دور الوازع الذي يقف عند تهيئة جو الحوار الهادف، والذي يحترم حريات جميع الفئات، حتى وإن كانت متحفظة عليها، ولا يمكن أن نتخيل عدالة اجتماعية بدون استقلال فكري ومذهبي، نعم ولا بد من أدب في الحوار يحترم فيه صاحب السلطة. إن الأمم التي بنت حضارتها أوجدت أماكن مناسبة للمفكرين والمثقفين بالقرب من السلطة، واستفادت منهم في حركة النقد الهادف، فأصبحوا عمادًا لها، ولم يكونوا حربًا عليها. فالكبت الفكري لا يضر المفكر والمثقف فقط، بل سيضرب في عنق النظام بعد أن يستفحل خطره، فالنصائح التي تبذل للمجتمع والنظم إن لم تجد طريقها إلى النور، ستجد طريقها إلى من يحملها في قالب عنيف ومفاجئ، فالفكرة المكبوتة قنبلة موقوتة. إن منهج الجدل والحوار الإسلامي قادر على احتواء جميع الصراعات والاختلافات، فقد احتوى هذا المنهج الصراعات مع الأديان الأخرى وانتصر، واتسع فكيف لا يتحمل الحوار بين المسلمين؟ إن الفكر الديني المستنير هو ضرورة مهمة لأي بناء حضاري، ولن يكون هنالك فكر ديني مستنير إلا في ظل الحوار الإسلامي. العنصر الثاني: الحوار والتربية والتعليم من الأساليب التي تقوم عليها التربية الإسلامية والتعليم في توجيه الإنسان نحو الحق والخير أسلوب الحوار والمناقشة والإقناع والاقتناع عن طريق العقل والمنطق. والقرآن الكريم مليء بالأمثلة التي تؤكد أهمية الصبغة العقلية للإنسان. وعلينا كمسلمين أن نستخدم عقولنا في التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الصالح والطالح من الأمور، وقد ضرب الله مثلا لرسوله الكريم بأن يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعطة الحسنة {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} . ويتضمن أسلوب الحوار والمناقشة في التربية الإسلامية ضرورة تعريف الناشئة بالأساس العقلاني والمنطقي لأي قضية مطروحة أمامهم، وألا يرددوا المعلومات ترديدا أعمى دون فهم لمضمونها الحقيقي. أو دون إدراك لارتباطها بواقعهم الفردي والاجتماعي. كما يجب أن تتاح لهم الفرصة للمناقشة الجادة البناءة التي تحلل أبعاد الموضوع المطروح للمناقشة وتلقي الضوء على جوانبه المختلفة. ومن الطرق التي يمكن أن يلجأ إليها المعلم لإقناع التلاميذ في الأمور الدينية ولا سيما في الغيبيات أن يوضح لطلابه أن هناك أنواعا مختلفة من المعرفة من بينها المعرفة اللدنية الغيبية والنقل عن السلف الصالح، وأن هذا اللون من المعرفة قد يقصر عقل الإنسان عن فهمه وتصوره وما أكثر الأمور التي تبين ذلك حتى في ميدان العلم الطبيعي أو التجريبي، والكون من حولنا مليء بالظواهر التي لا نراها ولا نحسها ولا نسمعها، ومع ذلك لا يستطيع أحد أن ينكر وجودها، ومن أمثلتها الموجات الصوتية والضوئية فهناك كائنات متناهية في الدقة مثل دبيب النمل لا يمكن سماعه بالأذن العادية. وهذه أمور موجودة لم يكن يعلم الإنسان من قبل عنها شيئا. وقد يصعب على العقل مثلا تصور اختراق الأشعة السينية للأجسام الصلبة. وليس من الضروري أن تستدل على الشيء بوجوده المباشر، وإنما عن طريق آثاره، فقديما قالوا: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير. ومظاهر إبداع الكون تدل بالتالي على عظمة خالقه. والعلم الحديث يأخذ بهذا الأسلوب في التفكير، فالطاعة مثلا هو موضوع علم الطبيعية برمته، ومن الصعب تعريفها تعريفا مباشرا إلا من خلال آثارها التي تحدثها أو من خلال ما يعرف "بالتعريف الإجرائي" الذي يعرف الظاهرة بإجراءاتها وعملياتها التي تتضمنها. ونحن في التربية لا نعرف على وجه التحديد ماذا يحدث في عقل الإنسان نتيجة لعملية التعلم. نحن نسلم بأن الإنسان يتعلم ألوانا من المعارف والسلوك والمهارات أما كيف يحدث هذا التعلم في الإنسان وما الأثر الذي يحدثه في عقله؟ فهذا اجتهاد للنظريات الكثيرة التي تحاول تفسير التعليم عند الإنسان. والأساس هنا بيان اختلاف أساليب الإقناع وأن العقل الإنساني نفسه محدود والإنسان قد يصل إلى الاقتناع العقلي، ومع ذلك يكون أسيرا لعادة تحكمت فيه، فكثير منا مثلا مقتنع بمضار التدخين ومع ذلك لا يستطيع أن يمتنع عنه. وقد يكون الإنسان مقتنعا بشيء من الناحية العقلية المنطقية لكنه غير مقتنع من الناحية العاطفية أو الوجدانية مما يحول بينه وبين السير في الطريق الذي يمليه التفكير العقلي والمنطقي، ويبدو هذا الأمر بوضوح في المسائل التي تتصل بعواطف الإنسان، ولذلك تهتم التربية الإسلامية بتربية الإنسان المسلم تربية سليمة تمكنه من التحكم في عواطفه والسيطرة عليها والبعد عن التعصب الأعمى. ويجب أن يهتم المعلم في إقناعه لتلاميذه بالأساس العقلي والحوار الذي يساعد تزكية العواطف النبيلة لدى الإنسان ومثله العليا في الحق والخير والجمال. ويؤكد ابن خلدون أن الطريقة الصحيحة في التعليم هي التي تهتم بالفهم والوعي والمناقشة والحوار، لا الحفظ الأعمى عن ظهر قلب، ويشير إلى أن "ملكة العلم" إنما تحصل بالمحاورة والمناظرة والمفاوضة في مواضيع العلم وهو يعيب طريقة الحفظ عن ظهر قلب ويعتبرها مسئولة عن تكوين أفراد ضيقي الأفق عقيمي التفكير لا يفقهون شيئا ذا بال في العلم. والواقع أن المربين المسلمين قد اهتموا بأسلوب المناظرة والحوار في التدريس واعتبروه أسلوبا مفضلا مجديا في التعليم. يقول الزرنوجي: إن قضاء ساعة واحدة في المناقشة والمناظرة أجدى على المتعلم من قضاء شهر بأكمله في الحفظ والتكرار. وقد احتاط المربون المسلمون من سوء استخدام أسلوب المناظرة والحوار بأن له بعض الشروط التي تجعل منه أسلوبا فعالا للتعلم والبحث العلمي من أهمها: ١-أن يكون هدف المناظرة الوصول إلى الحقيقة لا التضليل وحب الانتصار بالباطل. ٢- يشترط في المتناظرين أيضا الإلمام بموضوع المناظرة والتحلي بالهدوء وسعة الصدر وعدم التكلف وغيرة الصدر. ومع أن أسلوب المناظرة هو أقرب إلى الدراسات العالية فإننا نجد صورة مبسطة منه في أسلوب الحوار والنقاش الذي يدبره المعلم مع تلاميذه ليحفزهم على التفكير. العنصر الثالث: الحوار والتعايش الحضاري إن الحاجة إلى حوار هادف في هذا الوقت بالذات يزداد أهمية؛ في ظل إشعال فتيل صدام الحضارات، وظهور مفاهيم التنازع والصراع، وتغييب مفاهيم التفاعل والتعايش، وفي ظل التحولات الجذرية والسريعة في وسائل الاتصال والإعلام، وتدفق المعلومات في عالم بلا حدود، ومحاولات فرض النموذج الحضاري أحادي القطب فكرًا وسلوكا وثقافة، بهدف محو الخصوصيات الثقافية، في عالم لا يعترف بالتنوع والتعددية الحضارية، ويتجاهل حقيقة الاختلاف. ومن المفارقات العجيبة أن نجد هذه القوى التي يخلو قاموسها السياسي والثقافي والفكري من مفهوم الحوار، هي التي تبادر وتدعو إلى الحوار، إذ إن جميع المواثيق والعهود الدولية التي صدرت في الخمسين سنة الأخيرة بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة، تخلو من الإشارة إلى لفظ الحوار، بينما تعتمد معاني إنسانية أخرى مثل: التسامح والتعاون والتعايش، وإنماء العلاقات الودية بين الأمم... فليس الحوار من ألفاظ القانون الدولي، فهو لا يوجد له ذكر أصلا في ميثاق الأمم المتحدة، ولا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا في إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي، وعلى هذا الأساس فإن الحوار بهذا المعنى، هو مفهوم سياسي أيديولوجي ثقافي حضاري، وليس مفهومًا قانونيًا. ومع ذلك كعادتنا مع القضايا الحيوية والفاعلة، لا نبادر نحن إلى تحديدها، وننتظر الآخر ليقوم بهذه المهمة، مع أن الحوار قيمة أساسية من قيم الإسلام، وكغيرها من القيم غابت أو ُغيبت نتيجة تراكمات مختلفة، ومع أننا لا نريد أن نكون انعكاسًا للآخر، ُنردد ما يقول، ونقّلد ما يفعل، إلا أننا نوكٓد أن الحوار ضرورة عصرية، وفق رؤانا وأولوياتنا ومعطياتنا الدينية والثقافية والفكرية والاجتماعية، ومن هنا وجب علينا أن نؤكٓد أن الإسلام يعترف بالاختلاف والتعددية والتنوع، قال تعالى في سورة هود: {وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (117) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} الاية. إلا أنه يستثمر هذا الاختلاف ليدعو إلى التعارف والتواصل وتبادل الخبرات والمنافع، قال تعالى في سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)}. والتعارف فيما بين الناس يبدأ أول ما يبدأ بالحوار... وجاء الخطاب القرآني موجهًا للناس جميعًا وليس لقبيلة أو قوم أو حتى للمسلمين فقط كما يعتقد الغربيون خطأ، بل إن القرآن يخاطب البشر جميعًا بلا استثناء، والدليل على ذلك ٔن كثيرًا من آياته تبدأ بنداء إلى الناس كافة بقوله تعالى: {يا أيها الناس} وكلمة الناس في اللغة العربية معناها الجنس البشري... ولقد وردت كلمة الناس بهذا المفهوم في القرآن أكثر من 200 مرة. ومن هنا كانت دعوة الإسلام إلى الحوار، حتى مع المخالف لنا في العقيدة، قال تعالـى في سورة ال عمران: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)}. والأصل أن التعايش الثقافي والحضاري هو خلاصة التعاون الذي يجب أن يكون قاعدة عامة للعلاقات بين الدول والأمم والشعوب وتزدهر في ظّله الحياة الإنسانية، وتسود قيم الإخاء الإنساني الذي يتسع لكل معاني الحب والخير والحق والعدل والفضيلة. والحوار هو الذي يحقق مثل هذا التعايش، لذا علينا أن نعمل على الأخذ بمبدأ الحوار، وأن نجعله مبدأ المبادئ، ونضع له أكثر الصياغات سعة ومرونة، ونؤسس له من الأسس والضوابط ما نضمن به تحّوله من ممارسة عشوائية إلى ممارسة منظمة، لأنه بالحوار نفتح الطريق رحبًا فسيحًا لبناء علاقات صحية قوامها التآلف والتفاهم... ولهذا فإن الواجب يحتّم على عقلاء المجتمع الدولي أن يمتلكوا الجرأة والإقدام والإصرار على تفعيل الحوار، ورفع شعاره، وجعله هو السلاح ا لأقوى لحل المشاكل سلميا. وكيف يكون، حتى نصل إلى أرضية مشتركة لإزالة العقبات، وتجاوز أزمة الثقة، وسوء الفهم المتبادل بين الأفراد والأمم. لذا فإن المجتمعات الإسلامية في المرحلة الراهنة؛ في حاجة إلى أن ينفتح فيها الحوار على آفاق العصر، ولن يتيّسر ذلك إلا بسلوك إحدى السبيلين: أولاهما: الدخول في حوار مع العصر بلغة العصر وبأسلوبه وبطرائقه، فيكون الحوار مدخلا إلى القرن الحادي والعشرين، بتصورات أكبر وبإمكانات أوفر وبفرص أكثر. وثانيتهما: تحصين الذات بإصلاح أحوال الفرد والمجتمع إصلاحًا عميقًا، ومن النواحي كافة؛ حتى تسود روح الحوار العالم العربي الإسلامي. ويرى الباحثون أن حاجتنا إلى الحوار أشد لتصحيح الصورة عن الإسلام أولا، ولتحقيق غايات الحوار الموضوعي ثانيًا، ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي انهالت بعدها سلسلة من الاتهامات على الإسلام والمسلمين كالعنف والتطرف والإرهاب، إذ بدأ الغرب برسم الصورة التي يريدها لنا، في إطار دعوته إلى نظام عالمي جديد، تكرس فيه تبعية المجتمعات الإسلامية وغيرها، وتحويلها إلى مجتمعات استهلاكية لا منتجة، تابعة علميًا وثقافيًا وسلوكيًا وتقنيًا وفكريًا، ولا خيار أمامنا سوى التعامل مع معطيات تلك الحضارة، فلا نستطيع أن نعيش في عزلة عما يجري على الساحة الدولية، في ظل معطيات هذا العالم الجديد، وهذه هي المشكلة الحضارية التي تواجهنا، فالتعامل مع أي جانب مادي من جوانب الحضارة المادية يتضمن ضرورة التعامل في الوقت نفسه مع القيم الاجتماعية والسلوكية، لهذا الجانب، ذلك أن العناصر المادية لهذه الحضارة تصنع أسلوب التعامل معها بما تتطلبه طبيعة تكوينها ووظيفتها... وقد أثرت هذه القضية في المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية الذي عقدته اليونسكو في مكسيكو في أمريكا اللاتينية عام 1982م، بل كانت هي الموضوع الرئيسي لذلك المؤتمر الجامع، وقد جاء في توصياته النهائية: أن نمو التكنولوجيات يجب ألا يتم على حساب الهويات الثقافية، وأن من واجب المسئولين في العالم كله، أن يعملوا على الحفاظ على هذه الكيانات الحضارية، وأن يوسعوا الحوار فيما بينها، وأن يكون هناك احترام متبادل بين هذه الثقافات، يقوم على الندية والتقدير المتبادل، فالتراث الإنساني هو مجموع تلك الحضارات وتلك الثقافات، فالحوار هو من طبيعة الحضارات، وأسلوب من أساليب تطورها... أما المواجهة التي تهدف إلى إلغاء الحضارة الأخرى، وإلى الإحلال مكانها، فهي ما أخذ على الحضارة المعاصرة، التي تهدف إلى صياغة العالم صياغة نمطية في إطار طبيعتها وغاياتها، وهو عمل غير أخلاقي، ولا يفضي إلى نتائج إيجابية، إن لم يفْضِ إلى عواقب سلبية، ويحرم البشرية من الإبداع الحضاري المتنوع للإنسان. العنصر الرابع: الحوار ومناهج الدراسات وتبرز الحاجة إلى ادخال الحوار كهدف أساسي في مناهج الدراسات الإسلامية للأسباب الآتية: 1. اللحاق بركب العالم المتقدم، والإفادة من معطياته المتعددة والمتنوعة، والحوار الدائم طريق للنهضة، والتخلص من كثير من المشاكل والتخلف، بوساطة تحديد الواقع تحديدًا دقيقًا سواء بموارده أم بعوائقه، ورسم الأهداف والسياسات، والبرامج. 2. غياب الحوار أو رفضه يعني زيادة في التخبط والتخلف والعزلة اجتماعيًا وحضاريًا، إضافة إلى صيرورة العقل منغلقًا جامدًا، وتجاهل القدرات العقلية لدى البعض، ووأدها لدى البعض الآخر، فالحوار يمدنا بالقدرة على اصطياد الأفكار البناءة، ومعرفة أفكار الآخر، ومواقفه نحونا. ٣- أن الحوار يمنع من بروز ظاهرة التطرف السياسي أو الديني، إذ يفهم كل طرف حقيقة موقفه، دون مغالاة أو محاولة فرض الرأي على الآخرين. 4. ان الحوار يعني التخلي عن سياسة أن الآخر مخطئ وأنا المحق الوحيد، أو أنا على صواب وغيري على خطأ، وإنما يعرض كل طرف أفكاره بترتيب وموضوعية ونزاهة، دون إغفال لغرض أن يفهم الآخر الفكرة أو العقيدة بمنتهى الهدوء والروّية. والحوار الفعّال هو الحوار الهادف، لذا فإن الحوار بمفهومه العام يهدف إلى تحقيق الخير والصلاح، وتنمية العلاقات الإنسانية، وتحقيق التواصل بيننا وبين الاخر، والمسلم وغير المسلم، حتى يكتسب كل إنسان من المعرفة ما يدفعه إلى التقدم في الميدان العلمي، لإثراء الثقافات، ونشر المعارف، وحفز المواهب للابتكار بروح المنافسة الشريفة، فهو تدافع لا تنازع، ويرتكز على إشاعة قيم التسامح الذي يدعو إلى التفاعل بين الثقافات والحضارات، لأن هذا هو الأمل المنشود لفك الاختناقات السياسية والعقد الثقافية، فيكون هدف الحوار التفاعل الحضاري، وبهذا يكون إنساني النزعة، رباني الهدف، يؤثر في حركة التاريخ إيجابًا، انطلاقًا من اللفظ القرآني "التعارف" الذي يتسع ليشمل كل ضروب العمل الإنساني المشترك لما فيه الخير والمنفعة لبني البشر، دون طمس للخصوصية أو مساومة على المبادئ أو تهاون في الحقوق. لذا فالمسلم مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى، بأن يتعلم أسلوب الحوار وأسسه ومقّوماته، ولا ُبد َّ أن تسعى مؤسساتنا جادة للتخطيط لإدارة حوار فّعال، ُيجلي صورة الإسلام التي ُشّوهت، ويتفاعل مع النتاج الإنساني، بما ينسجم مع ثوابتنا وقيمنا ومبادئنا، لتحقيق التواصل الإنساني المنشود، وعلى الدراسات الإسلامية أن تؤسس لتحقيق هذا الهدف كأولوية من أولوياتها. العنصر الخامس: الحوار في ظل تقدم البحث العلمي تعد تكنولوجيا المعلومات والاتصال إحدى منجزات الثورة العلمية والتكنولوجية في هذا العصر، مما حتم علينا أن نعيش في عصر المعلوماتية والانفجار المعرفي، مما جعل سمة إنسان هذا العصر، "إنسان المجتمع المعلوماتي"؛ لأن المعلومات أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياته واحتياجاته، ودافعًا قويًا لإبداعه وتطويره، وقد مكنت هذه الثورة المعلوماتية الإنسان من التخاطب والتحاكي، والتواصل والاتصال، وتبادل الآراء بصورة واسعة، ليس لها حدود مكانية، وستؤدي إلى تغيير كبير لما سيستخدمه الإنسان في المستقبل، وتتضاعف المعرفة مما يترتب عليه تقادم المعارف كل فترة، مما يؤدي إلى انخفاض قيمة ما يتم اكتسابه في مؤسسات التعليم العام، واستحالة توصيله للأفراد، مما يؤكد أن التحدي ليس كامنًا في تزويد الطلبة بأكبر قدر وقد رد الإسلام إلى أوربا ما أخذ عن اليونان بطريق بلاد الشام، كما قدم لها زادا علميا وفكريا اعتمدت عليه في اندفاعتها القوية إبان عصر النهضة وما بعده. ويقول محمد إقبال في كتابه "التجديد الديني في الإسلام": لقد أتى على الفكر الأوربي حين من الدهر تلقى فيه وحيَ النهضة من العالم الإسلامي.. والثقافة الأوربية في جانبها العقلي ليست إلا ازدهارا لبعض الجوانب الهامة في ثقافة الإسلام. لذلك فإنه لا يرى تعارضا في ذلك والاستفادة من نتائج العلم أو الفكر الأوربي. ويقول في ذلك بأنه لا بد أن يصاحب يقظة الإسلام تمحيص بروح مستقلة لنتائج الفكر الأوربي، والكشف عن المدى الذي تستطيع به النتائج التي وصلت إليها أوربا أن تعييننا به في إعادة النظر في التفكير الديني في الإسلام. ولا غرو أن نتساءل كما قيل قبلنا: لماذا أنطفأت شعلة العلم الخلاقة في المجتمعات الإسلامية؟: يقول الدكتور محمد عبد السلام العالم الباكستاني العالمي المشهور في الفيزياء النظرية، والحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، عام 1979 في تساؤله عن السر في إنطفاء شعلة العلم الخلاق في مجتمعات الحضارة الإسلامية بأن ذلك يرجع لأسباب داخلية أكثر منها خارجية. وأول هذه الأسباب يتمثل في تقوقع هذه المجتمعات على نفسها وتحولها إلى الداخل وانعزال منشآتنا العلمية. ويتمثل السبب الثاني في عدم تشجيع الإبداع... بسبب التقليد. فإن الجزء الأخير من القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر -حينما بدأ التدهور- يمثل فترات نزاعات دينية وطائفية عميقة وذات دوافع سياسية، حتى إن رجلا مثل الإمام الغزالي كتب حوالي عام ألف ومائة ميلادية "1100م" يقول بأنها جريمة ضد الدين يقترفها من يتصور أن الإسلام تتم حمايته برفض العلوم الرياضية. ذلك أنه لا يرى في هذه العلوم ما يتعارض مع جوهر الدين. ويرتبط بهذا الموضوع أيضا النقص الكبير في عدد المشتغلين بالعلوم والبحث في الدول العربية والإسلامية. فقد جاء في دراسة قدمت للاجتماع الأول للجنة العلمية التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي في إسلام أباد في الفترة من 10-13 مايو 1983م أن عدد المشتغلين بالبحث العلمي في جميع البلاد الإسلامية حوالي خمسة وأربعين ألف عالم ومهندس مقابل مليون ونصف في الاتحاد السوفيتي سابقا، وأربعمائة ألف في اليابان، وما يقرب من خمسة وثلاثين ألفا في إسرائيل، مع الفارق الكبير بينها وبين البلاد الإسلامية في عدد السكان. إذ تصل نسبة سكان إسرائيل إلى سكان العالم الإسلامي حوالي نصف في المائة. ويرتبط بذلك أيضا قلة الأموال التي تخصصها البلاد الإسلامية للبحث العلمي والتكنولوجيا بالنسبة للدول المتقدمة. إذ لا يتعدى ما تخصصه الدول الإسلامية لهذا الغرض ما يقرب من 1% من ناتجها القومي الإجمالي في حين تصل النسبة في الدول المتقدمة إلى حوالي 6%. العنصر السادس: حوار الثقافات. إن فكرة حوار الحضارات من أول من تكلم بها المفكر الفرنسي روجيه جارودي وتعبر نظريته الرائدة ومشروعه للجمع بين الحضارات المختلفة على أساس أرضية مشتركة للتفاهم على مستوى شعوب الأرض، "وسماه حوار الحضارات". تم إنشاء العديد من المؤتمرات، والجمعيات، والمؤسسات، الداعية لترسيخ (سياسة الحوار)، والتفاهم، والتعايش السلمي .. بدلا من الصدام، وتبني العديد من الكتاب هذه النظرية، ودعوا إلى تنمية الحوار بين العالم الإسلامي والغرب.. حتى يمكن لكل طرف أن يتفهم الاخر ويتعايش معه، وقد حددت الأمم المتحدة عام ٢٠٠١م عام حوار الحضارات، وعينت مندوبا متخصصا لهذا المنصب. نعم، إن الحضارات يجب أن تتحاور ولا تتصادم، فالعالم يعيش مرحلة مخيفة، ويمر بمتغيرات صعبة في ظل تنامي العولمة، فنجد أن المجتمع أصبح يتصدى للكثير من أخطار الأفكار الرائجة والتي تهدف أساساً لانهيار وزعزعة الأمن في الكثير من الدول والأمم سواء كانت تلك الأخطار مباشرة أوغير مباشرة، داخلية أو خارجية. وفي الآونة الأخيرة جاء مشروع «حوار الحضارات» ليوضح ويعبر لنا ما يمكن أن يكون مشتركاً بين الدول من أجل تقوية علاقاتهم وإن وجد الاختلاف، آخذين في عين الاعتبار أن مقاييس الاختلاف والتشابه لا تقاس بين البشر بمقياس محدد فلابد من التنازل من اجل زمن صعب وجيل مختلف وعالم متغير بفضائه المشاع المتسع للجميع. لا يجادل اثنان في كون الدعوة إلى الحوار تعتبر سمة من سمات النـصف الثـاني مـن القرن العشرين، وكأنما أدرك العالم بعد اكتوائه بلظى حروب عالمية مدمرة أن البـشرية لا تستطيع أن تتحمل حروبا أخرى، بعد أن حـصدت ويـلات كـثيرة أسـهمت في تفـاقم المشكلات الجوهرية الكبرى التي ظل يعاني منها كل من الغالب والمغلوب، لذلك بادرت جهات ومؤسسات كثيرة في العالم إلى تبني الـدعوة إلى الحـوار، أمـلا ً في الالتقـاء علـى مبادئ موحدة وقواسم مشتركة بين أتباع مختلف الحضارات، تكون كفيلة بفـتح الطريـق للتفاهم والتعاون والتعايش. لقد دعت محافل ومنظمات كثيرة إلى حـوار الثقافـات منـذ الـستينات مـن القـرن المنصرم، ثم انتهى الحوار إلى أوراق نشرت في كتب وأذيعـت في صـحف لكنـها لم تثمـر نتائج ملموسة حتى الآن، وعندما ترددت في أرجاء العـالم الـسياسية والفكريـة نظريـة هنتنغتون عن "صِدام الحضارات" كان البديل المنطقي الذي تمت المسارعة إلى استدعائه هو "حوار الحضارات" الذي تمت الدعوة إليه بقوة في جميع المحافل والملتقيـات والعمـل على إنجاحه قصد تجنيب العالم ويلات الصراع وكوارث الصدام الحـضاري، وإذا كانـت جهات غربية كثيرة قد دأبت على الدعوة إلى حوار الحضارات وفق شـروط وضـوابط معينة أملتها ظروف التفوق والاستعلاء الغربي، فإن الطرف الإسـلامي خاصـة في عـصر الصحوة الإسلامية الراهنة لم يكن بعيدا عن فكـرة تنظـيم مـؤتمرات وملتقيـات دوليـة لترسيخ آليات الحـوار والتقريـب بـين الثقافـات والحـضارات مـن طـرف مؤسـسات ومنظمات ثقافية، إيمانا منها بأن "حوار الحضارات" يعتبر مطلبا إسـلاميا ملحا، يـدعو إليه القرآن الكريم وتبشر به السنة النبوية الشريفة. وبقدر ما تعظم الحاجة إلى حوار جدي بين الثقافات والحـضارات لإقامـة جـسور التفاهم بين الأمم والشعوب، ولبلوغ مستوى لائق من التعايش الثقافي والحـضاري، تقـوم الضرورة القصوى لتهيئ الأجواء الملائمة لإجراء هذا الحوار، وإيجـاد الـشروط الكفيلـة بتوجيهه الوجهة الصحيحة. إن نقطة الانطلاقة الأولى لأية استجابة فعالة تبدأ من خلال فهم الذات وفهم الآخر، فالبداية أن نتعرف على واقعنا كما هـو بالفعـل دون رهبـة أو خجل ودون وين أو ويل، ثم التعرف على الآخر وفهمه وهو هنا الغرب وحضارته. إن الانعزال والتقوقع والانغلاق على الذات في عـالم اليـوم الـذي تحـول إلى قريـة صغيرة بحكم التطور التقني الهائل في تكنولوجيا الاتصال أمر مستحيل، كما أن الانسياق وراء الدعوة إلى حضارة عالمية واحدة هو بحد ذاته عمليـة تكـريس لهيمنـة الحـضارة الغربية الكاسحة، وهو طريق التبعية الحـضارية الـذي يفقـدنا خـصوصيتنا الحـضارية ويحولنا إلى مجرد هامش لحضارة الغرب. وتبقى الدعوة إلى حوار الحضارات التعـبير الأسمـى الـذي يحقـق الـذات ويكفـل الانفتاح على الآخر ويثمر مستوى لائقًا من التعايش الثقافي والحضاري المنشود. إن التقاء الحضارات معلم من معالم التاريخ الحضاري للإنسانية، وهو قدر لا سـبيل إلى مغالبته أوتجنبه، وقد تم دائما وأبدا وفق هذا القانون الحـاكم التمييـز بـين مـا هـو مشترك إنساني عام، وبين ماهو خصوصية حضارية. ولاشك أن الخيار البديل لصدام الحضارات هو أن تتفاعل الحضارات الإنسانية بمـا يعود على الإنسان والبشرية جمعاء بالخير والفائدة، فالتفاعـل عمليـة صـراعية ولكنـها متجهة نحو البناء والاستجابة الحضارية لتحديات الواقع الراهن، عكس نظريـة "صـدام الحضارات" التي هي مقولة صراعية تدفع الغرب بـإمكاناته العمليـة والماديـة لممارسـة الهيمنة ونفي الآخر، والسيطرة على مقدراته وثرواته، تحـت دعـوى وتبريـر أن نزاعـات العالم القادمة سيتحكم فيها العامل الحضاري. بيد أن التفاعل الحضاري لا يمكن أن يتم ويتحقق إلا عن طريق حوار بناء وفعـال بين الأديان، وقد سبق لعالم اللاهوت الألماني هانس كينغ Hans King أن قال: "لا حوار بين الحضارات بدون سلام ولا سلام بدون حوار بين الأديان". وإذا كـان القـرن الحادي والعشرون هو قرن الأديان بامتياز كما قال المفكـر والكاتـب الفرنـسي اندريـه مالرو، فإن الدين قد أضحى منبع الثقافات وملهمها، ومنـه تتـأتى معظـم خـصوصيات الشعوب ومقوماتها، والحوار بين أهـل الأديـان المختلفـة الأديـان يرمـي إلى تحقيـق "العيش المشترك" في عالم يسع الجميع مهما كـانوا متبـاينين علـى المـستوى العقائـدي والثقافي والحضاري. والإسلام كدين وحضارة عندما يدعو إلى التفاعل بين الحضارات ينكـر "المركزيـة الحضارية" التي تريد العالم حضارة واحـدة مهيمنـة ومتحكمـة في الأنمـاط والتكـتلات الحضارية الأخرى. فالصحوة الإسلامية المعاصرة تسعى إلى أن يكون العالم "منتـدى حضارات متعدد الأطراف ، ولكنه مع ذلك لا يريد للحـضارات المتعـددة أن تـستبدل التعصب بالمركزية الحضارية القسرية، إنما تريـد لهـذه الحـضارات المتعـددة أن تتفاعـل وتتساند في كل ماهو مشترك إنساني عام. وإذا كان الإسلام دينا عالميا وخاتم الأديان فإنه في روح دعوته وجوهر رسـالته لا يرمي إلى تسنم "المركزية الدينية" التي تجبر العالم على التمسك بدين واحد، إنـه ينكـر هذا القسر عندما يرى في تعددية الشرائع الدينية سنة من سنن االله تعالى في الكون، قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتاكُمْ...َ (48)}. الاية. وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ولا يزالون مختلفين إلا من رٌحِمَ رَبُّك ولذلك خلَقَهم} [هود: 118] . إن دعوة الإسلام إلى التفاعل مع باقي الديانات والحضارات تنبـع مـن رؤيتـه إلى التعامل مع غير المسلمين الذين يؤمنون بالرسالات السماوية، فعقيدة المـسلم لا تكتمـل إلا إذا آمن بجميع الرسل، قال تعالى في سورة البقرة: {آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)}. بيد أنـه لا يجـوز أن يفهـم هـذا التسامح الإنساني الذي جعله الإسلام أساسا راسخا لعلاقة المسلم مع غير المسلم علـى أنه انفلات واستعداد للذوبان في أي كيان من الكيانات التي لا تتفـق مـع جـوهر هـذا الدين. فهذا التسامح لا يلغي الفارق والاختلاف ولكنه يؤسس للعلاقات الإنسانية التي يريد الإسلام ان تسود حياة الناس، فالتأكيد على الخصوصيات العقائديـة والحـضارية والثقافية، لا سبيل إلى إلغائه، ولكن الإسلام لا يريد لهذه الخصوصيات أن تمنع التفاعل الحضاري بين الأمم والشعوب والتعاون فيما بينها. إن الصحوة الإسلامية المعاصرة تقوم على أساس التفاعـل الحـضاري ، فهـي لهـذه الخاصية ثقافة حوار في المقام الأول، حيث أخذت الحضارة الإسلامية عـن الحـضارات السابقة واقتبست من ثقافات الأمم والشعوب التي احتكتا وصـهرت حـصيلة هـذا كله في بوتقة التفاعل الحضاري، فكانت حضارة الإسلام ولا تزال مثالا نـادرا للتفاعـل بين الحضارات. ولقد كان للحيوية الإسلامية وقوا الذاتية الدافعة لها إلى التطور والتقدم والإبداع الأثر القوي في نقل روح المدنية إلى العالم الغربي، وهو الأمر الذي يعترف به ويشهد له معظم الكتاب والمؤرخين والمفكرين الغربيين الذين برئوا من الهوى والغـرض، وكتبـوا بـإنصاف عن التفاعل الحضاري في الإسلام. ولعلنا لا نغالي إذا أكدنا هنا علـى أن الإسـلام وهـو دعـوة االله إلى النـاس كافـة ورسالته سبحانه وتعالى إلى العالمين هو الدين الذي يدعو إلى التفاعل الحضاري دعوة صريحة قوية ويحث عليه حثا، على اعتبار أن الحوار الذي نـادى بـه الإسـلام هـو في طبيعته وجوهره ورسالته تفاعل حـضاري، كمـا لا نحتـاج إلى أن نقـول بـأن قاعـدة التسامح التي يقوم عليها الإسلام فتحت أمام الأمة الإسـلامية الـسبيل إلى الاحتكـاك الواسع بالأمم والشعوب، وشجعت الحـضارة الإسـلامية علـى التفاعـل مـع الثقافـات والحضارات جميعا. ونعني بالتسامح الديني ـ تحديدا ـ أن تكون لكل طائفـة في المجتمـع الإسلامي الحرية في تأدية شعائر دينها. وأن يكون الجميع أمام قوانين الدولة الإسلامية سواء. وإذا نظرنا إلى الإسلام من حيث مبادؤه وتعاليمه الأصلية نجـد أنـه هـو أرقـى الأديان في تحقيق مبدأ التسامح الذي هو القاعدة الأولى للتفاعل الحضاري. وفي سياق التفاعل الحضاري المنشود يمكن القول باحتمال أن تتقدم حـضارة علـى أخرى ذا الجانب أو ذاك، كما هو الشأن بالنسبة للحضارة الغربية في عالم اليوم، ولكـن القول بأفضلية حضارة على أخرى هو قـول متـهالك، فمـن يـستطيع إثبـات أن هـذه الحضارة أفضل من تلك؟ أو أغزر ثقافـة أو حكمـة وإنـسانية وتـسامحا، ولا يوجـد في الواقع أي مقياس أو معيار نقيس به هذه الأفضلية في كل الجوانب؟ هذا من جهة، ومـن جهة أخرى كيف يمكن الاقناع بأن العلاقة بين الحضارات محكومـة بعلاقـة الـصراع لا التفاعل والحوار، وأن انتصار حضارة في هذا الصراع هو انتصار أبدي، وهل هناك أبدي باستثناء القيم العليا للإنسانية.. قيم الحق والخير والسلم والتعاون والتـسامح والمـشاركة في الحضارة واحترام الآخر وحقوق الإنـسان والـشعوب وثقافاتهـا وتقاليـدها وقيمهـا الروحية والمادية وتجاربها ومنجزاتها؟ . إن شرط ازدهار هذه القيم في أية حضارة يرتبط أساسا بمدى القدرة على التفاعـل مع معطيات الحضارات الأخرى ، وبالتالي الاعتراف بهذه الحضارات ومحاورها، وقبـول تعددية الثقافات وتفهم مفاهيم وتقاليد الآخـرين، واعتبـار الحـضارة الإنـسانية نتاجـا لتلاقح وتفاعل هذه الحضارات، لا صراعها فيما بينها، أو استعلاء بعـضها علـى الـبعض الآخر. والحضارة الإسلامية منذ نشوئها وتكونها لم تخرج عن هـذا الإطـار التـواق إلى التفاعل مع الحضارات الأخرى أخذا وعطاء، تأثرا وتأثيرا. لقد حمل العرب قيم الإسلام العليا ومثله السامية وأخذوا في نشرها وتعميمها في كل أرجـاء الـدنيا، وبـدأت عمليـة التفاعل بينها وبين الحضارات الفارسية والهندية والمصرية والحضارة الأوروبيـة الغربيـة فيما بعد، ومع مرور الزمن وانصرام القرون نتجت حضارة إسلامية جديـدة أسـهمت في إنضاجها مكونات حضارات الشعوب والأمم التي دخلت في الإسلام، فاغتنت الحـضارة الإسلامية بكل ذلك عن طريق التلاقح والتفاعل، وكانت هي بدورها فيما بعـد، عنـدما استيقظت أوروبا من سباتها وأخذت تستعد للنـهوض، مكونـا حـضاريا ذا بـال أمـَدَّ الحضارة الأوروبية الغربية بما تزخر به اليوم من علوم وقيم وعطاء حضاري متنوع. ذات الشيء يمكن قوله عن الحضارة الغربية التي لم تظهر فجأة بـل تكونـت خـلال قرون عديدة حتى بلغت أوجها في عصرنا الحاضر وذلك نتيجة التفاعـل الحـضاري مـع حضارات أخرى هيلينية ورومانية وغيرها، وبفعل التراكم التاريخي وعمليـات متفاعلـة من التأثر والتأثير خلال التاريخ الإنساني الحديث. إنه لولم يكن هنالك تفاعل حضاري، وكان بالمقابل تدمير ومحو كل حضارة لما قبلها، من خلال صراعها معها لما كانت الحضارة الغربية على الصورة التي هـي عليـه الآن. إن مما قاله بر نارد لويس في معرض نقده لنظرية الـصدام الحـضاري لقـد كانـت هنـاك حضارات مهيمنة في الماضي، وبدون شك ستكون هناك أخرى في المستقبل، الحـضارات الغربية تدمج حداثات سابقة عديدة بمعنى أنها مثرية بإسهامات وتأثيرات ثقافية أخرى سبقتها في الزعامة، وهي نفسها ستترك إرثا ثقافيا غربيا لحضارات أخرى ستأتي. إن أكبر دليل على أن الصحوة الإسلامية لم تـسع في أي وقـت مـن الأوقـات إلى التصادم مع الحضارة الغربية، كما ينذر بذلك أصحاب نظرية الـصدام الحـضاري، هـو أن العرب والمسلمين لم يضعوا في أي زمـن مـن الأزمـان صـوب أهـدافهم القـضاء علـى خصوصيات الحضارة الغربية وهويتها الحضارية، كما نجد الفكر العربي والإسـلامي قـد اتجه بانفتاح وقوة صوب التراث الغربي، للاستفادة منه وتطويره ، لقد كـان هنالـك فعـلا استجابة سريعة للحضارة الإسلامية في تفاعلها مع الحضارة الغربية، وهذا ما لا نلمـسه في الحضارة الغربية الـتي لا تـسعى إلى الاسـتفادة مـن تـراث ومعطيـات الحـضارات الأخرى. من جهة أخرى فإنه لما كان أمام العالم الإسلامي مهام مستعجلة لبناء الذات، وتقـدم المجتمع وازدهار الحياة، فهو مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الانفتاح على آفـاق العصر على امتداداتها، والتفاعل مع الحضارات الأخرى. كمـا أن الـدخول في حـوارات جدية وهادفة مع دوائر عديدة وعلى مستويات متنوعة فيه إثبـات للعـالم أجمـع أنـه جدير بالمساهمة في صياغة حضارة إنسانية جديدة تـسود فيهـا قـيم الحـق والفـضيلة، والتسامح والتعاون ومبادئ السلم. إن التعايش سمة مميزة للإسلام وملمح جامع يطبع كل جوانبه التشريعية والـسلوكية، إنه إحدى أهم قيم هذا الدين وصفاته المميزة التي تعني الحرية للبـشر كافـة والمـساواة بينهم من غير تفوق جنسي أو تمييز عنصري. إنه ليس هنالك ثمة ماهو أبلغ وأوفى بالقصد في الدلالة على عمق مبـدأ التعـايش في الإسلام من الآية الكريمة: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)}. ذلـك أن المساحة المشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب مساحة واسعة، وإذا كان الإسلام قد جعل في قلوب المسلمين متسعا للتعايش مع بني الإنسان كافـة، ففيـه مـن بـاب أولى متـسع للتعايش بين المؤمنين بالله، ويشهد التاريخ ان معاملة المسلمين لغيرهم في البلاد المفتوحة كانت مثالا رائعا، من التسامح لا مثيل له في التاريخ، ولعـل مـن أكـبر الأدلـة وأقـوى الحجج على قيام الحضارة الإسلامية عبر العصور على أسـاس مـتين مـن التـسامح في أسطع معانيه هو تعايش المسلمين مع أهل الـديانات والملـل والعقائـد في البلـدان الـتي فتحوها خلال قرون متطاولة وعهود مديدة، ويدل ذلـك علـى أن التعـايش مبـدأ مـن المبادئ التي قامت عليها الحضارة الإسلامية والذي يرمي إلى القضاء على أسباب التوتر، واضطراب حبال الأمن والسلام، وعدم الاستقرار. إن من أبرز معالم التعايش السلمي الذي يقـره الإسـلام للآخـر هـو تـوفيره لغـير المسلمين بوجود اندماجي يحافظ فيه على جميع مكونات شخصيته، وفي طليعتها المكون الديني وما يرتبط به من ممارسات وعادات يؤكد ذاته عقديا وثقافيا ونفـسيا ومعهـا يثبت خصوصيات هويته مما يتحقق به الانتماء إلى ذلك المجتمع. إن المتأمل في دعوة الإسلام إلى التعايش السلمي يجدها قائمة على الحـوار الفعـال والجدي، الذي هو في الإسلام.. حوار معرفي متكافئ يهدف إلى التفاهم والالتقـاء علـى نقط وقواسم مشتركة وليس إلى التقابل الجدلي العنيف، أو الصدام الحضاري كما يتـوهم أن يكون، وهذا ما أشار إليه القرآن الكـريم في قولـه تعـالى: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)}. وقوله سبحانه: {وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)}. من جهة أخرى تنبني دعوة الإسلام إلى التعايش الحضاري بـين الأمـم والـشعوب على جملة من الأسس منها. ١ـ ان الإسلام يرفض القتال لإرغام المخالفين في الـدين علـى اعتناقـه وإكـراههم عليه، قال تعالى: {لا َإِكراه فِي الدينِ}. كما أنه يحمـي الـنفس الإنـسانية أيـا كانـت عقيدتها أو جنسيتها إلا في حالة العدوان، ويعتبر قتل الفرد جريمـة تعـادل في بـشاعتها قتل أبناء الإنسانية كلها، قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)}. ٢- إن دعـوة الإسـلام إلى التعـايش والـسلم لا تعـني قبـول العـدوان والطغيـان، والاستسلام للظلم والفساد، وما إلى ذلك مما هو طعن في الحياة البـشرية الـتي أقـام االله شريعتها على أساس التعارف والتسامح والتعايش والتساكن. ٣- إن الإسلام بهذه الدعوة السامية يعتبر الأصل هو الجنوح إلى السلم قال تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)}. وقال أيضا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)}. كما لا يدعو الإسلام إلى اللجوء إلى الحرب إلا عند الضرورة بـدليل أن رسـول االله صلى االله عليه وسلم نهى عن تمني القتال، ودعا الصحابة إلى الثبـات عنـد الاضـطرار إليه، وذلك حين قال: "لا تتمنوا لقاء العـدو وسـلوا االله العافيـة فـإذا لقيتمـوه فـاثبتوا واذكروا االله كثيرا" ومن ثم فهو يعتبر الحرب خرقا للسلام وجريمة مـالم تـدع إليهـا حالات معينة، تبيحها وتكون فيها عادلة ومشروعة )١٢ إنه ليس بدعا إذن أن يكون الإسلام بهذا التفرد دين "التعـايش الـسلمي" ولـيس دين الصدام الحضاري كما يتـوَّهم بذلك، فهو آخر الأديان، أي كلمة االله الأخيرة ، وقـد استطاع أن يقيم أمة عاش في كنفها المسلمون وغيرهم، وعاشت هـي في علاقـات مـع غيرها أساسها التعارف، مما جعل ويجعل للإسـلام رسـالة تبـدأ مـن التوحيـد وتنتـهي بالدعوة إلى الوحدة التي يتعايش داخلها كل البشر تحقيقا للعـدل الحـضاري والمـساواة، والكرامة الإنسانية، بعيدا عن أي لون من ألوان الصراع وفي منأى عـن أي مظهـر مـن مظاهر الصدام الحضاري الذي يستحيل أن يكون الإسلام يحمل شيئا من بذوره. إن الإسلام بهذه المعاني والمبادئ السامية قد تجاوز كـل عوامـل ودعـوات الـنزاع والصراع، وذلك بتسامحه وسعة آفاقه، وقدرته الفائقـة علـى الهـضم والامتـصاص، و َلـم المنضوين في ظله حتى من غير المسلمين، ينظـرون لأنفـسهم وللآخـرين، وللكـون مـن حولهم برؤية شمولية واضحة، تتيح التعايش في نطاق التسامح والتساكن، وتبادل المـصالح والمنافع في أخذ وعطاء دائمين، انطلاقًـا مـن التعـدد والتنـوع ومـا ينـشأ عنـهما مـن خصوصيات وتميزات ينتهي بها التفاعـل إلى الائـتلاف والانـسجام، ويجمعهـا المـدلول الرحب الذي عبر عنه القرآن الكريم بمفهوم "التعـارف" الـذي يتجـاوز مجـرد مظـاهر العيش المشترك. الخاتمة: وأختم في نهاية هذا المقال بكلمات مهمة، ولفتة مركزة وتلخيص لنقاط متسلسلة بالقول: ـ إن سر خلود الإسلام هو الاختلاف المحمود الذي هو التنوع، واختلاف الرأي، والمصالح. ـ وإن الداء الأكبر الذي استشرى في زماننا، وأدى إلى ظهور كل هذه التناقضات هو غياب سنة الحوار التي أرى أنها أولى الأولويات وأهم المهمات. ـ فقواعد الحوار والاختلاف وضوابطه هي العاصم للمتحاورين من الغلو وشتم الآخرين إن كان الحق هو المقصد والتوجه. ـأما إذا كان الخلاف انتصارًا للأهواء والسياسية والتعصب الأعمى، فهذا أمر لا ينفع معه قواعد ولا ضوابط، فالهوى خبط في عمياء، وخوض وتضجر، فليس له ضوابط ولا موازين. وقد حذرنا القرآن الكريم من اتباع الهوى فقال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50] . ـ وليس من الاختلاف المذموم اختلاف العلماء في مسائل الفقه والفروع، لأن تنوع قضايا الفقه الإسلامي العظيم لم ينشأ من فراغ، وإنما نشأ عن مناهج وأسس وضوابط وموازين علمية دقيقة اتبعها أصحاب المذاهب في الاستنباط والاستخراج. لذلك فإن غياب هذه الأسس والمناهج في الحوار والاختلاف أوقعنا فيما نحن فيه. ـ إنه لا قيمة للحديث عن حوار بناء بين الطوائف والفرق والأديان إذا لم يسع أتباع كل ثقافة وديـن إلى التعرف أكثر على ما عند الأخرى، وفهم مكوناتها واسـتيعاب قيمهـا ومثلـها، قـصد تصحيح المفاهيم الخاطئة والمغلوطة التي تكون قد تكونت بفعل ظروف وعوامل تاريخية وإيديولوجية معينة، ـ ومن هنا فإنني أرى أن من أكبر أسباب عدم نجاح كثير من لقاءات الحوار الحضاري والديني التي تعقد بين الفينة والأخرى بين الجانب الإسلامي والجانب الغـربي كون هذا الأخير ـ وباعتراف عقلائه ومنصفيه ـ لم يستطع حتى الآن تمثل قيمة الإسـلام الحضارية وسمو مبادئه وتعاليمه الروحية التي تدعو إلى الـسلم والأمـن، والتـسامح مـع العالم الإسلامي. -إن الإسلام يدعو أتباع وأبناء الحضارات والثقافات إلى أن يتعاملوا فيما بينهم على أساس الانتماء إلى أسرة إنسانية مشتركة، تتفاعل في إطارها مختلف الروابط الحـضارية بين الأمم والشعوب، وهذا الأمر كفيل بنزع فتيل الأحقاد والكراهيات والعصبيات التي طالما أنهكت الإنسانية برمتها بفعل الحروب المدمرة، والـصراعات المنهكـة، الـتي أثـرت بشكل كبير على مستوى التقارب بـين الحـضارات والـشعوب، حـتى أمـست متنـافرة متباعدة. ـ فالتعارف كمبدأ إنساني حضاري سام له أكبر الدور في منع النزاعات والـصراعات، فهو يقرب الأفكار والمسافات، وينسج أواصر التعاون والتفاهم، ويهدف إلى بنـاء أسـس حوار حضاري مثمر وبناء. إن المبدأ القرآني في الدعوة إلى الحوار والتعارف بين الطوائف والفرق، والامم وبين الشعوب والحضارات يهدف إلى تجـاوز المصالح النفعية المحكومة بالأبعاد والميكانيزمات السياسية والاقتصادية، ويرمي أيضا إلى استبعاد وإقصاء المعايير القومية الضيقة في التفاضل بالأعراق والأنساب واللغات. ـ لكـن بالمقابل لابد من اعتبار الأسس الاجتماعية والأخلاقيـة القائمـة علـى منظومـة القـيم والآداب، لأنها الوحيدة الكفيلة باستمرار وتقوية أواصر ووشائج التقارب والتفـاهم. هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد أولا واخرا وآله وصحبه. المصادر والمراجع * إحياء علوم الدين - لأبي حامد الغزالي. * الحوار (آدابه وضوابطه) - للزمزمي. * صحيح البخاري وصحيح مسلم. * درء تعارض العقل والنقل - لابن تيمية. * سير أعلام النبلاء - للحافظ الذهبي. * الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم - للقرضاوي. * صفحات في أدب الرأي - للشيخ محمد عوامة. * فريضة الحوار - للدكتور عمر عبد الله كامل. * دائرة الفتنة وسبل الخروج منها - للدكتور عمر عبد الله كامل. * المتطرفون (خوارج العصر) - للدكتور عمر عبد الله كامل." * في ظلال القرآن، في تفسير القران للسيد قطب. * التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية لمحمد منير مرسي. * الإسلام وترسخ ثقافة الحوار الحضاري بحث منشور لحسن عزوزي رئيس تحرير مجلة كلية الشريعة بالقرويين – فاس. * آداب الحوار وقواعد الاختلاف لعمر عبد الله كامل. * التربية في ظل العوامل والمتغيرات المعاصرة بحث لي غير منشور. * ثقافتنا للدراسات والبحوث الد ٦ ــ العدد الثالث والعشرون ــ ١٤٣١ ــ ٢٠١٠ ٥٧

إرسال تعليق

أحدث أقدم