صدر في العدد الثاني، في 7 يوليو 2021 من
البحوث المحكمة في المجلة الاكاديمية للأبحاث والدراسات بحث بعنوان:
limamcheikh45@gmail.com
ملخص
هذا البحث يتحدث عن التنقيب وأثره في إعادة النظر في زكاة النقدين"وتصور فقه ما يظهر من ذلك اليوم في البلاد من الذهب، وقد بين التعريف بالتنقيب، والمعادن، وإقطاع الإمام وتعريف الركاز وتعريف الندرة كما يعالج ما يتعلق بزكاة العين، وإخراج الذهب عن الفضة وما يجب في المعادن والركاز،وما تضم له الفائدة، وما فيه الخمس مثل الندرة، وما لا يزكى من المعادن، وحكم العقد والإجارة في إخراج المعدن، وشراء ترابه وتراب الصائغ، كما تعرض لذكر مذاهب العلماء في ذلك وتأصيلها وتفصيلها، وأخيرا تضمن البحث الخاتمة والنتائج التي توصل إليها والتوصيات التي يوصى بها.
الكلمات المفتاحية:
تنقيب، أثره، إعادة النظر، زكاة، نقود.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فإن موضوع التنقيب عن المعادن وما يترتب عليه من الأحكام جدير بالبحث والتبيين للناس، لأنه واقع يجري اليوم فيبلادنا، فقد ظهرفي شمال موريتانيا "تازيازت" في تلك المنطقة في الآونة الأخيرة بعض الذهب، وكثر الحديث عن التنقيب والضرب في الأرض والسفر له بحثا عنه، فمن منقب قد حصل على كثير ومن آخر على قليل ومن من لم يحصل على شيء، و تلك حالة الباحث في الأرض عن المعادن.
ولهذا الأمر كثر تساؤل بعض المنقبين عن تفصيل زكاة ما يخرج من ذلكماهي؟ وما الفرق بين المعدن، والركاز والندرة، وما يجب في كل، وهل كل معدن يزكى؟ وما الذي يجب فيه التخميس؟ وهل يصرف في مصارف الزكاة؟ وما هي الإجارة والعمل في إخراج المعادن؟ وهل يصح البيع لتراب المعادن والصاغة؟ إلى غير ذلك مما سنبينه من هذه التساؤلات التي قد تخفى على الكثير حتى من بعض طلبة العلم، وذلك راجع لتخطي البعض من فقهاء البلد الذين لهم شروح على المختصر شرح ما يتعلق بهذا الفصل نظرا لعدم وجود الذهب والفضة كعملة يتعامل بها، وذلك الترك راجع إلى رأي بعض المتأخرين من فقهاء المذهب الذين لا يرون زكاة الأوراق التي حلت محل النقدين وأنها فلوس وليست بنقود شرعية، فنشأ عن هذا الرأي عدم الاعتناء بدراسة زكاة العين وخاصة الفضة، فترك الناس السؤال عنها، وترك بعض التجار زكاتها إلى يومنا.
ولهذا السبب أحببت أن أنجز بحثا مستقلا في الموضوع يفي بالمطلوب ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل، وجل عمدتي في النقل على شراح المختصر والموطأ وقد أتوسع لغيرها، وكل ذلك بالإيجاز والاختصار.
ثم إني سلكت في المنهج طريقة التبسيط والتقسيم والتأصيل والتحرير والتطرق لبعض المذاهب الأخرى لتوسيع النظر ولأن القارئ اليوم للمكتوب أصبح في كلمكان والمنشور يراه الجميع والله أرجو حسن القصد والنفع لي وللجميع وهو حسبي وعليه توكلي.
وقد قسمت منهجية هذا البحث إلى مقدمة ومبحثين وهي كتالي:
المبحث الأول في التنقيب وحكم العمل في المعادن وإقطاع الإمام.
المطلب الأول: في التنقيب والإقطاع.
المطلب الثاني: حكم العمل في إخراج المعادن.
البحث الثاني: في بيان ما يجب في زكاة المعادن
المطلب الاول: ما يجب في معدن العين
المطلب الثاني: في بيان ما يجب فيه الخمس، وما لا يزكى.
الخاتمة، والنتائج، والتوصيات، والمصادر والمراجع.
كلة البحث
وتتكون مشكلة البحث مما يحصل الآن من كثرة الاتصالات التي تتلقاها من زملائك وطلابك وأقاربك يخبرك أحدهم بأنه قد سافر إلى التنقيب عن الذهب وحصل على إخراج بعض لا يدري هل هو معدن زكاته منوطة بالتصفية أو الإخراج؟ أوهو ندرة يجب فيها الخمس...إلخ؟ والبعض أيضا يسأل عن زكاة الشركة في الخارج منه، وبعض يسأل عن حكم العمل في الحفر عن المعدن مقابل ما يخرج منه، وعن بيع تراب المعدن وتراب الصاغة ما وجه الحكم الشرعي في تفصيل ذلك كله؟
أهمية البحث:
تتلخص أهمية البحث في الآثار الفقهية المترتبة على ما يخرجه المنقبون من تلك الحفريات من المعادن وما يجب عليهم معرفته من نصاب ذهب وفضةومقدار ما يلزم إخراجه منه ولمن يدفع له، والفرق بين زكاة ذلك وتخميسه.
أهداف البحث:
هو إحياء وبيان ما يخفى على الناس من معرفة أحكام زكاة النقدين ولفت النظر إلى اعتبار أوراق العملة المحلية في الزكاة كالنقدين وعدم الركون إلى من يقول بعدم زكاتها، وكذلك بيان جواز إخراجها عنهما كما يخرج الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب.
منهج البحث وإجراءاته
اتبعت في هذا البحث المنهج الاستقرائي التفصيلي التعريفي التأصيليللأحكام الفقهية المتعقلة بثمرة التنقيب عن المعادن وإقطاعها، والركاز، والنَّدْرةُ، وما يخص الواقع الحالي منها من زكاة وتخميس وغير ذلك.
الدراسة السابقة:
لم أقف على دراسة شاملة مستقلة معاصرة على شكل مقال تناوله مثل تناولي له على شكل أبحاث، ومحاور ومطالب مبسطة توفي بالغرض المطلوب بشكل منهجي، مع العلم أن أحكام هذه الدراسة وفروعها معلومة ملفوفة في طي المختصرات طيا في محلها ولكن ليست في متناول الجميع، وذلك ما يتميز به بحثي هذا من الوضوح والتقريب والتنظيم.
حدود البحث:
ركز البحث على تصور مفهوم أحكام ثمرة التنقيب من معادن وركاز وندرة ذهب وفضة.
الخاتمة:
المبحث الأول في التنقيب وحكم العمل في المعادن وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في التنقيب والإقطاع.
أولا: كلمة التنقيب: من نقب وفتش في البلاد سار فيها قال الله تعالى: {فَنَقَّبُوافِي الْبِلَادِ} [ق: 36].
قال الهروي عن الزجاج: نقبوا: طوقوا وفتشوا.
وقال امرؤ القيس:
وقد نقبت في الآفاق حتى ... رضيت من السلامة بالإياب".
والتنقيب أيضا: البحث، قال ابن السكيت: "وبحثت عنه أبحث بحثا، ونقبت عنه أنقب تنقيبا، قال المنخل:
فلئن بنيت لي المشقر في .... صعب يقصر دونه العصم
لتنقبن عني المنية ... إن الله ليس كعلمه علم.
ثانيا: المعدن في اللغة مكان كل شيء، أصله ومبتدؤه، نحو الذهب، والفضةوالجوهر والأشياء، ومنه: جنات عدن، قاله الخليل.
ثالثا: إقطاع أرض المعدن يرجع إلى الإمام خوفا من اقتتال الناس لأن المعادن قد يجتمع عليها بعض شرار الناس فكان أمرها إلى من يمنع ذلك، ويمكن أن يقطعها للغني وللفقير قال ابن عبد البر: الإقطاع جائز للإمام يقطعهمن رآه من أهل الغنى والنفع للمسلمين وهو كالفيء يضعه حيث رآه فيما هوللمسلمين أعم نفعا، وينبغي أن يكون ذلك على قدر ما يقوم به المرء وعماله، ولوقطع لشخص أكثر من حاجته فيمكن أن يؤخذ منه ما زاد على حاجته، لما رويعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لبلال بن الحارث أقطعك رسول اللهصلى الله عليه وسلم ما لا تطيقه فانظر ما تطيق منه فأمسكه وأذن لي فيإقطاع الباقي من يحتاج إليه فأذن له فأقطع ما أخذ منه غيره. من الاستذكار.
وحيث نظر فيه الإمام ـ ينظر فيه بالأصلح جباية وله أن يقطعه لشخص في مقابلة عوض ولكن يجعل ذلك العوض في بيت المال، ولا يأخذ منه إلا بقدرحاجته، ويكون الإقطاع انتفاعا لذلك الشخص، لا تمليكا فلا يجوز لمن أقطعه لهأن يبيعه ولا يورث عمن أقطعه له لأن ما لا يملك لا يورث.
وقد يبع الشخص أرضا ويظهر فيها معدن فيطلع عليه بعد البيع وحكمه أنه ليس تابعا للأرض فهو للبائع، وللمشتري الأرض فقط دون المعدن، لما روىأبي عكرمة مولى بلال بن الحارث المزني، قال: «أقطع رسول الله صلى الله عليهوسلم بلالا أرض كذا، من مكان كذا إلى كذا، وما كان فيها من جبل أو معدن. قال: فباع بنو بلال من عمر بن عبد العزيز أرضا، فخرج فيها معدنان، فقالوا: إنما بعناك أرض حرث، ولم نبعك المعدن. وجاءوا بكتاب القطيعة التي قطعهارسول الله صلى الله عليه وسلم -لأبيهم في جريدة، قال: فجعل عمر يمسحهاعلى عينيه، وقال لقيمه: انظر ما استخرجت منها، وما أنفقت عليها، فقاصهمبالنفقة، ورد عليهم الفضل.
المطلب الثاني: حكم العمل في إخراج المعدن، على قسمين: عقد إجارة، وعقد بيع
أولا: عقد الإجارة في إخراجه:
1ـ إما بدفع المعدن إجارة لعامل يعمل فيه: بأجرة يدفعها العامل لمالك المعدن وما خرج يكون للعامل فهذه يصح جوازها بشرط نفي الجهالة وذلك بالعلم بما يلي:
بأن تحدد المدة في العمل أو مقدار الحفر كقامة أو قمتين
أن تعلم الأجرة التي يدفعها العامل في نظير ما يخرج خوفا من الجهالة في الإجارة وسمي العوض إجارة لأنه ليس في مقابلة ذات بل في مقابلة إسقاط الاستحقاق.
أن يكون العوض المدفوع عن المعدن ليس نقدا لئلا يؤدي إلى دفع عين عن عين وهي مجهولة، وأما لو استأجر المنقب عاملا على الحفر وما يخرج من المعدن لصاحب المعدن فيجوز ولو بأجرة نقد.
2ـ وإما بدفع المعدن على صفة القراض: لمن يعمل فيه بجزء مما يخرج منه كنصف أو ربع ففيها خلاف قيل بالجواز قياسا على القراض وقيل بالمنع للغرر والقول بالجواز لمالك وعلله بأن المعادن لما لم يجز بيعها جازت المعاملة عليهابجزء كالمساقاة والقراض، والقول بالمنع لأصبغ، وفرق بين بين القراض والمعدن في التعليل بما يلي:
بأن القراض فيه رأس مال معلوم ولذا جاز، عكس المعدن فقد يخرج منه شيء وقد لا يخرج
وبأن الأصل في كل منهما المنع للغرر لكن ورد الجواز في القراض وبقي المعدن على الأصل
وبأن العامل في المعدن يزكي حصته إن كانت نصابا وإن كان حصة ربه المعدن دون نصاب، بينما عامل القراض يزكي ما ينوبه وإن دون نصاب حيثكان حصة ربه من رأس المال وربحه نصابا. (حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير بتصرف).
فهذا فيما يتعلق بالإجارة، ثم لنبين ما يتعلق ببيع المعدن أو ترابه.
ثانيا: عقد البيع في المعدن منه ما يمنع ومنه ما يجوز وذلك على النحو التالي:
ـ ما ينع لحق الغير، مثل: بيع نفس المعدن بتمامه وهذا لا يجوز لأن حكم النظر فيه للإمام كما تقدم.
ـ ما يجوز بقيد مثل: بيع تراب معدن الذهب والفضة، وهذا يجوز إن كان بغير صنفه، وأما بصنفه فيمنع للشك في التماثل ـ ومن المعلوم أن الشك في التماثل كتحقق التفاضل، أما معدن غير العين فيجوز بيعه بكل شيء ما لم يؤدي ذلك إلى المزابنة مثل بيعه بجنسه.
ـ ما يمنع للغرر مثل: بيع تراب الصوغين التي تبقى بعد صياغة الذهب ووجه منعها شدة الغرر، وعلى المنع فمن اشتراها يجب عليه ردها ولو خلص منها شيئا وله أجرة التخليص ما لم تزد أجرته على الخارج من تلك التراب.
وإن لم يخرج منها شيء فلا شيء له، وإنما جاز بيع تراب المعدن دون تراب الصوا غين لخفة الغرر في الأول دون الثاني، ـ لأن تراب الصائغ قل أن يوجد فيها شيء بعكس تراب المعدن.
وحاصل هذه المسائل كما في الدسوقي: أن معدن العين يجوز دفعه بأجرة غير نقد ويمتنع بها للنسيئة صورة، ومعدن غير النقد يجوز دفعه بأجرة من النقد ومن العرض لكن من غير جنس المعدن وإلا منع للمزابنة صورة.
قلت ولتوضيح كلامه في قوله "نسيئة".. يشير بذلك إلى: أن شراء معدن الذهب بالفضة، أو معدن الفضة بالذهب يؤدي إلى الصرف المؤخر، وذلك ممنوع، كما هو معلوم، كما أن بيع معدن الفضة بالفضة أو الذهب بالذهب يؤدي إلى المبادلة في فضة بفضة، ومراطلة في ذهب بذهب تأخيرا، وكل ذلك ممنوع لما فيه من ربا النسيئة.
أما المزابنة فهي المدافعة ووجه منعها في بيع معدن غير النقد مثل النحاس والحديد خوفا من الغبن لأن كلا من المتبايعين حريص على أخذ سلعة صاحبه لتكون أغلى من سلعته.
قال ابن بطال: أجمع أئمة الأمصار أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب، والفضةبالفضة تبرهما وعينهما ومصوغهما إلا مثلا بمثل يدا بيد، ولا يحل التفاضلفي شىء منهما، وعلى هذا مضى السلف والخلف، وبذلك كتب أبو بكرالصديق إلى عماله.
والأصل في هذا ما في الموطأ عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى اللهعليه وسلم قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها علىبعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولاتبيعوا منها شيئا غائبا بناجز».
البحث الثاني: في بيان ما يجب في زكاة المعادن
المطلب الاول: فيما يجب في معدن العين، إذ من المعلوم أن المعادن تنقسم إلى قسمين معدن عين، وهي الذهب والفضة، وغيرهما مما ليس بنقد والكلام في هذا المطلب على القسم الأول وهو الخارج بعد التصفية من معدن الذهب والفضة إذا بلغ نصابا زكي بإخراج ربع العشر قياسا على الزرع لأنه خارج من الأرض ولا يشترط الحول في المعدن، كما لا يشترط في الزرع، هذا إذا خرج من المعدن الواحد نصاب في وقت، وقد يكون له عرق، فيضم بقية عرقه له حتى يحصل منه نصاب فيزكى ما اجتمع منه ثم ما خرج بعد ذلك يزكى وإن كان أقل من نصاب ولا يضم معدن لا خر وإن كانا جنسا كما في المختصر وشراحه.
ويمكن تقسيم حكم الضم في المعدن بالنظر إلى العرق والعمل إلى ما يلي:
1ـ جواز ضم بقية عرق المعدن لنفسه إن كنا للعرق الواحد فروع إن اتصل العمل فيه.
2ـ جواز ضم بقية العرق إن انقطع العمل فيه اختيارا أو اضطرارا ككسر آلة ومرض العامل.
3ـ عدم الضم إذا تعددت العروق، فلا يضم عرق لعرق آخر في معدن واحد،فكل عرق زكاته على انفراده. وقد استظهر الضم في هذه، واعتمده الدسوقي
4ـ لا تضم المعادن بعضها إلى بعض ولو أخرجت في وقت واحد، فكل معدن يزكى على انفراده.
5ـ ضم الفائدة: فمن حصلت له فائدة من ذهب أو فضة وكانت أقل من نصاب وحال حولها فيضمها لما أخرج من المعدن إن حصل من بينهما نصاب، وهذاهو المعول عليه، فإن كانت نصابا فلا تضم اتفاقا. من الدسوقي والشرح الكبير(بتصرف).
6ـ ضم الذهب إلى الفضة: المشهور في المذهب جوازه ودليله أن الرقة التي ذكرت في الحديث شاملة لنوعي العين قال الباجي: والرقة اسم للفضة وقيل اسم للفضة والذهب، وعلى الوجهين فإن في المالين ربع العشر ولا فرق بينهما في ذلك وعلى اعتبار عدم الفرق كذلك يجوز إخراج الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، والدليل أنهما مالان هما أصول الأثمانوقيم المتلفات فجاز إخراج أحدهما عن الآخر على وجه البدل، ـ وإذا كان المخرج ـ الفضة عن الذهب يكون ذلك بمقدار القيمة بالغة ما بلغت، وقالالشافعي لا يخرج أحدهما عن الآخر على وجه البدل قاله في المنتقى.
فهذا تحصيل ما يتعلق بالضم أما بالنسبة لتفصيل زكاته فيشترط لها أمور منها:
أـ بلوغ النصاب: وهو شرط فيه دون غيره، وذلك عند ما يبلغ الخارج منه منالذهب عشرين مثقالا أو من الورق مائتي درهم أو اجتمع من بينهما بالتجزئة والمقابلة أخذ منه الزكاة مكانه ولم يستأنف به حول. قاله في الكافي.
وإنما يجب في المعدن الزكاة بإخراج ربع العشر، بعكس الركاز، لما في الموطأ "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية وهي من ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة"قال أبو عمر: وجملة قول مالك في موطئه أن المعادن مخالفة الركاز لأنها لا ينال ما فيها إلا بالعمل بخلاف الركاز ولا خمس فيها وإنما فيها الزكاة وهي عنده بمنزلة الزرع يجب فيه الزكاة.
ب. مقدار النصاب في العين، ودليله ما في الحديث " هاتوا ربع العشورمن كل مائتي درهم خمسة دراهم، ومن كل عشرين دينارا نصف دينار، وليسفي مائتي درهم شيء حتى يحول عليها الحول، فإذا حال عليها الحول ففيهاخمسة دراهم.
وعلى هذا فربع العشر هو: 2.5%، من ذلك القدر المذكور في الحديثفصاعدا بالغا ما بلغ، بدون اعتبار الوقص، قال ابن رشد: وما زاد على ذلك فبحساب ذلك بمعنى يخرج منه ربع العشر فلا وقص في الذهب والفضة عند مالك لقوله عليه الصلاة والسلام -: «ليس فيما دون خمس أواق من الورقصدقة»، ومفهومه أن فيما زاد على ذلك الصدقة قل أو كثر.
ج-الحول في المعدن: لم يعتبره مالك كما اشترط النصاب، بينما الشافعي اشترط الحول كشرط النصاب، ولم يشترط أبو حنيفة حولا ولا نصابا وقال يجب الخمس في الخارج منه. (بداية المجتهد).
وعلى عدم اعتبار الحول في المذهب فهل وقت وجوب زكاة المعدن منوط بالإخراج، أو بالتصفية؟ وهذه المسألة في المذهب على قولين:
ـ قيل يتعلق وجوب زكاته بالإخراج فقط، ولا يتوقف على التصفية، وإنما المتوقف عليها الإعطاء للفقراء.
ـ وقيل إن الوجوب متعلق بالتصفية من ترابه وسبكه، وتظهر ثمرة الخلاف فيما أنفق شيئا أو تلف بعد الإخراج وقبل التصفية بعد إمكان الأداء فعلى القول الأول يحسب المنفق والمتلف، وعلى الثاني لا شيء عليه. كما في الدرير.
د-زكاة الشركة في الخارج من المعدن: إذا كان الخارج من المعدن بين شريكين فلا تجب الزكاة عليهما حتى يصير لكل واحد نصاب لأن الخلطة تقتضي الرفق، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، أما الشافعي فيرى أن المال المشترك حكمه حكم مال رجل واحد، قاله في بداية المجتهد.
المطلب الثاني: في بيان ما يجب فيه الخمس، وما لا يزكى:
أولا: ما يجب فيه الخمس على نوعين: ركاز، وندرة
النوع الأول الركاز:
ـ أما الركاز، لغة من ركزت الرمح أركزه ركزا: غرزته في الأرض، وارتكزت علىالقوس، إذا وضعت ـ أسفله ـ بالأرض ثم اعتمدت عليه، ومركز الدائرة: وسطها، ومركز الرجل: موضعه. يقال أخل فلان بمركزه، والركز: الصوت الخفي. قال اللهتعالى: {أو تسمع لهم ركزا}. {سورة مريم، 98} والركاز: دفين أهل الجاهلية،كأنه ركز في الأرض ركزا قاله الجوهري.
ـ واصطلاحا: عند الفقهاء "ما ارتكز بالأرض من الذهب والفضة وسائرالجواهر مما دفنه أهل الجاهلية، ولذا فرق بينه وبين المعدن بوجوب الخمس وعد م المشقة في تحصيله، والأصل فيه ما في الموطأ عن أبي هريرة أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال في: "الركاز الخمس"، قال مالك الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا والذي سمعت أهل العلم يقولون إن الركاز إنما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال ولم يتكلف فيه نفقة ولا كبير عمل ولا مؤونة فأما ما طلب بمال وتكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز، قال أبو عمر: يريد مالك بقوله هذا أنه ما لم يكن ركازا فحكمه حكم المعادن، ـ بمعنى أن فيها ربع العشرـ.
النوع الثاني الندرة:
ـ أما الندرة: بفتح النون وسكون الدال القطعة الخالصة من الذهب أو الفضة التي لا تحتاج لتصفية ولا إلى كبير عمل توجد في المعدن مرتكزة بالأرض يجب فيها إخراج الخمس مثل الركاز أيضا سواء كانت نصابا أم لا ولا يشترط لها حول. سواء وجدها من تجب عليه الزكاة أم لا، وهذا قول ابن القاسم، ومعنى التخميس في ذلك أن يخمس كخمس الغنائم ويصرف خمسه في مصالح المسلمين فيحل للأغنياء وغيرهم ولا يختص بالأصناف الثمانية التي جاءت في الزكاة، وعند ابن نافع فيها الزكاة ربع العشر لأن الخمس مختص بالركاز وهيعنده ليست من الركاز بل من المعدن لأن الركاز عنده مختص بما دفنه آدمي.
وأما ما دفنه المسلم أو الذمي أو لفظه البحر فهو لقطة، قال أبو عمر: وأما ماكان من ضرب الإسلام فحكمه عندهم حكم اللقطة لأنه ملك لمسلم، يعني من النقود المضروبة.
قلت وعلى هذا فكل ما نيل من المعدن من ذهب أو فضة بدون مشقة كوجود قطعة ذهب أو فضة خالصة مما لا يحتاج لتصفية ففيه الخمس، وأما ما كان في الحصول عليه المشقة مثل ما يعانيه اليوم في بلادنا أهل التنقيب من شدة الحفر والبحث والمؤونة في الطلب في الأرض فيما قد يحصل وقد لا يحصل، فما وجدوه من الذهب مما يحتاج للتصفية تجب فيه الزكاة باشتراط النصاب، وما لم يحصل منه نصاب لا شيء عليهم فيه، للمشقة وشدة المؤونة،
وهذا حاصل مقتضى كلام أهل المذهب كما تقدم عن مالك وأصحابه ولما في المدونة " أن عمر بن عبد العزيز كان يأخذ من المعادن ربع العشر، إلا أن تأتيندرة فيكون فيها الخمس قال أبو الزناد: والركزة أن يصيب الرجل الندرة منالذهب أو الفضة يقع عليها ليس فيها كبير مؤنة. وأما ما فيه كبير المؤونة فلابد فيه من بلوغ النصاب وإلا فلا شيء فيه والله تعالى أعلم.
ثانيا: ما لا يزكى على نوعين
النوع الأول: من ذلك معادن غير العين، وهي كل ما يخرج من الأرض مما ليس من جنسها مما له قيمة، كالحديد، والياقوت، والزبرجد، والبلور، والعقيق،والسبج، والكحل، والزاج. والزرنيخ، والمغرة. وكذلك المعادن الجارية، كالقار،والنفط، والكبريت، ونحو ذلك فلا زكاة فيها، لتعلق الزكاة بالذهب والفضة فقط، وبهذا قال مالك والشافعي، وذهب أحمد وأصحابه إلى وجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض مما له قيمة وهي رواية عن أبي حنيفة في المنطبع كالرصاص والحديد والنحاس، دون غيره. واستدلوا بعموم قوله تعالى {وَمِمَّاأَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] ولأنه معدن، فتعلقت الزكاة بالخارج منهكالأثمان. من ابن قدامة.
النوع الثاني: الحلي: ولا بأس بالتعرض له بإيجاز تتميما للفائدة وتركتزكيته اليوم في النفس منه شيء لكثرته عند بعض وربما دخل في الكنز الذي ورد في الآية، وفي بعض النصوص من توعد صاحبه ولذا اختلف أهل العلم فيه فبين قائل بزكاته وقائل بسقوطها وأن زكاته إعارته.
قال القرطبي: اختلف العلماء في زكاته فذهب مالك وأصحابه وأحمد إلى أن لازكاة فيه، وهو قول الشافعي بالعراق، ووقف فيه بعد ذلك بمصر وقال: أستخيرالله فيه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: في ذلك كله الزكاة.
واحتج الأولون فقالوا: قصد النماء يوجب الزكاة في العروض وهي ليست بمحللإيجاب الزكاة، كذلك قطع النماء في الذهب والفضة باتخاذهما حليا للقنيةيسقط الزكاة. واحتج أبو حنيفة بعموم الألفاظ في إيجاب الزكاة في النقدين،ولم يفرق بين حلي وغيره.
واحتج مالك أيضا بأن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تلي بناتأخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، «فلا تخرج من حليهن الزكاة»،
قال ابن عبد البر: من حجة من أوجب الزكاة في الحلي مع ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم "وفي الرقة ربع العشر". وقوله صلى الله عليه وسلم "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة"، وإنما ذلك على عمومه، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب فقال لها أتعطين زكاة هذا قالت لا قال «أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟»، فخلعتهما،فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: هما لله عز وجل ولرسوله. فهذا وعيد شديد في ترك زكاة الحلي ولكن حديث عائشة في الموطأ بإسقاط الزكاة عن الحلي أثبت إسنادا وأعدل شهادة، هذا والله تعلى أعلى وأعلم.
الخاتمة:
وفي الختام لا يسعني إلا أن أشكر ربي على كل أمرى، ثم أعتذر لذوي الألباب والعلم من التقصير في هذا البحث المختصر الذي حاولت أن ألخص وأجمع فيه من زكاة العين ما عساه أن تقربه عين البعض ويجد فيه القارئضالته وأن يكون تذكرة للعالم هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
النتائــج
توصل البحث إلى النتائج التالية:
1ـ أن حكم إقطاع المعادن للإمام خوف الفتنة.
2ـ أن المعادن تنقسم إلى ما يجب فيه الزكاة وما لا يزكى
3ـ أن المعادن لا يضم بعضها إلى بعض فكل يزكى على حدة
4ـ أن هناك فرق بين المعدن والركاز، والندرة، في قدر المخرج، ففي الأول الزكاة وفي الأخيرين الخمس.
5ـ أن المعدن مثل زكاة الزرع عند مالك في شرط النصاب دون شرط الحول.
6ـ أن الفائدة تضم للمعدن ليحصل من بينهما نصاب.
التوصيات
نصحي: أن يؤدى كل ذي مال زكاة ماله وليحذر من خطر الكنز، وألا يقدم على أمر حتى يعلم حكم الشرع فيه، كما أوصي أهل العلم والبحث بالكتابة في كل ما تجدد للناس من نوازل وأن تكون الكتابة في الموضوع منهجية عصرية تفيد القارئ وتبين إشكالية لواقعة معاصرة، ولذا قيل العلم معرفة ما يقتضه الوقت.
مصادر والمراجع
الهروي، محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، تحقيق محمد عوض مرعب، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 2001م.
ابن السكيت، يعقوب بن إسحاق بن السكيت، أبو يوسف، كتاب الألفاظ، تحقيق د. فخرالدين قباوة، نشر مكتبة لبنان ناشرون، ط1، 1998م.
الخليل، بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، أبو عبد الرحمن، العين، تحقيق د. مهديالمخزومي، د. إبراهيم السامرائي، نشر دار مكتبة الهلال
يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري أبو عمر، القرطبي، الاستذكار لمافي الموطأ من المعاني والأثار، تحقيق سالم محمد عطا، محمد علي معوض، نشر دار الكتبالعلمية – بيروت، ط1، 1421ه – 2000م.
ابن بطال، علي بن خلف بن عبد الملك أبو الحسن، شرح صحيح البخارى لابن بطال،تحقيق أبو تميم ياسر بن إبراهيم (نشر مكتبة الرشاد -السعودية، الرياض، الطبعة: الثانية، 1423هـ -2003م).
الموطأ ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، (نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، عام النشر1406 هـ -1985 م).
محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، نشر دارالفكر، ط بدون طبعة وبدون تاريخ.
الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي الباجيالأندلسي، المنتقى شرح الموطأ، مطبعة السعادة - بجوار محافظة مصر، ط1، 1332 هـ.
ابن عبد البر "الكافي في فقه أهل المدينة" تحقيق محمد محمد أحيد ولد ماديكالموريتاني، نشر مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، المملكة العربية السعودية، لطبعة: الثانية، 1400هـ/1980م.
أخرجه عبد الرزاق، عبد الرزاق، بن همام بن نافع أبو بكر الحميري اليماني الصنعاني،"مصنف عبد الرزاق" المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي، نشر: المجلس العلمي-الهند، ط:2،1403.
موطأ الامام مالك، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، نشر مؤسسة زايد بن سلطان آلنهيان للأعمال الخيرية والإنسانية -أبو ظبي، الإمارات، ط1، 1425 هـ -2004.
ابن رشد، محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد، أبو الوليد، القرطبي الشهير بابنرشد الحفيد، "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" نشر دار الحديث – القاهرة، طبعة بدون.)
الجوهري، إسماعيل بن حماد الفارابي أبو نصر، تاج اللغة وصحاح العربة، تحقيق حمدعبد الغفور عطار، (نشر دار العلم للملايين – بيروت، ط 4، 1407 هـ -1987م)
ابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة أبو محمد موفق الدين الجماعيليالمقدسي، المغني نشر مكتبة القاهرة، تاريخ النشر: 1388هـ -1968م الطبعة: بدون طبعة.
القرطبي، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين أبو عبد اللهالقرطبي، "الجامع لأحكام القرآن تفسير القرطبي"، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيمأطفيش، نشر دار الكتب المصرية – القاهرة، ط2، 1384هـ -1964م.
