الاختلاف الفقهي في فروع الشريعة مفاهيم وقواعد

          


 


بسم الله الرحمن الرحيم

 وصلى الله تعالى على نبيه الكريم

                       الموضوع: مقال بعنوان:

           الاختلاف الفقهي في فروع الشريعة مفاهيم وقواعد

من فضل الله تعالى أن الشريعة الإسلامية ثابتة ومتطورة ثبوت سنن الله تعالى في الكون، وتطور علاقة الإنسان باستكناه حقائقه والتوصل إلى دقائقه، فالشريعة الإسلامية لا تتغير ثوابتها، ولكن واقع الإنسان الذي يتراوح بين الضرورة والحاجة والتوسع والرفاهية هو المتغير، وهو واجد في الشريعة حتما حلولا وأحكاما لهذه التغيرات تارة يكون ذلك في صيغة نصوص تفصيلية وتارة ضمن مقاصد عامة تجلب المصالح وتحميها وتدرأ المفاسد وتنفيها، وقد كان الشاطبي محقا حين ادعى أن هذه المقاصد الكلية قطعية لتواتر شواهد الشرع لها وتوافر دلائل الاعتداد بها.

 وبهذه الاقتباسة من كلام الشيخ عبد الله بن بيه في كتابه أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات الصفحة السابعة نتخذ توطئة مباركة، بمثابة اللقاح ضد أي فهم سقيم للاختلاف الفقهي.

وقبل الشروع في معالجة الموضوع ننبه إلى أهميته مستدلين لذلك بأقوال أهل العلم فيه، حيث جعلوه من أهم المواضيع التي يجب على المجتهد والمفتي وطالب العلم أن يطلع عليها ولا يعذر بجهلها.

ومن ذلك قول قتادة : من لم يعرف الخلاف لم يشم أنفه الفقه، وعن هشام بن عبيد الله الرازي : ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه ، وعن مالك بن أنس : لا تجوز الفتوى إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه، وعن سعيد بن أبي عروبة : من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالم

 وقالوا أيضا: العلم معرفة مواقع الخلاف وأسبابه، وقال ابن السبكي: إن المرء إذا لم يعلم الخلاف والمآخذ لا يكون فقيها إلى أن يلج الجمل في سم الخياط وقال النووي: واعلم أن معرفة مذاهب السلف بأدلتها من أهم ما يحتاج إليه؛ لأن اختلافهم في الفروع رحمة، وبذكر مذاهبهم بأدلتها، يعرف المتمكن المذاهب على وجهها، والراجح من المرجوح، ويتضح له ولغيره المشكلات، ويتفتح ذهنه، وتظهر له الفوائد النفيسات، ويتدرب الناظر فيها بالسؤال والجواب، ويتميز عند ذوي البصائر والألباب" وعلم الخلاف: موضوع جسيم وفن مستقل عظيم" 

كما أنه في غاية الأهمية في الحياة العلمية والعملية لكل مسلم، أما من الناحية العلمية: فهو يوقف المسلم على براعة أئمة الإسلام في طرق استنباطهم لأحكام هذا الدين من ينبوعه الأول: كتاب الله وسنة نبيه الكريم كما يعرفه على ما بذلوه من جهد عظيم في هذا الاستنباط 

وأما أهميته في حياة المسلم العملية: فإنه يجعل في المسلم سكينة وطمأنينة إلى أئمة دينه الذين أسلمهم زمام أمره في العبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك وجعلهم واسطة بينه وبين ربه في هذه الجوانب وذلك إذا علم أنهم إنما اختلفوا لابتغائهم الحق والحقيقة بعد أصول أصلوها وقواعد قعدوها فاتفقوا ما وسعهم الاتفاق واختلفوا حين لم يكن لهم بد من ذلك ولا ضير عليهم في ذلك لأنهم طلاب حق ورواد دليل فما كان أحدهم ليخالف غيره عصبية ولا أنانية أو تكابرا أو تفردا عن غيره ليذكر وإنما دعاهم إليه الدليل الذي بين يدي كل منهم.

كما أن معرفته تفيد تكوين الملكة الفقهية بمعرفة كيفية التعامل مع الأدلة جمعا وترجيحا كما يثري الملكة الاجتهادية ويعلم الفقيه طرق استخراج أحكام النوازل والقضايا المتجددة في العادات والمعاملات، وبه تزول الكراهية وتتسع الصدور للاختلاف وأن كلا مصيب ما دام سائرا على بينة ودليل، وهو مدخل إلى زاوية من زوايا الاجتهاد. 

ومعرفة الخلاف واجبة على مريد العلم يقول محمد حسن عبد الغفار: "مما يجب على مريد العلم أن يتعلم فن أصول الفقه؛ لأنه مفتاح الفقه وبابه، فيتعرف على بدايات نشأة الخلاف وكيف حصلت، حتى يتمكن من تأصيل المسائل مستنداً في ذلك إلى ركن ركين من المعرفة بأصل المسألة المعينة وجذورها" 

وأما الشيخ العثيمين فيرى: أن موضوع علم الاختلاف في وقتنا الحاضر يشغل بال كثير من الناس، لا من العامة فحسب بل حتى من طلبة العلم، وذلك لما انتشر في وسائل الإعلام من نشر للأحكام وبث لها بين الأنام، وأصبح الخلاف بين قول فلان وفلان مصدر تشويش، بل تشكيك عند كثير من الناس، لاسيما من العامة الذين لا يعرفون مصادر الخلاف،

ولأهمية هذا الموضوع فقد ألف كثير من العلماء كتبا مستقلة حوله ومباحث داخل بعض الكتب، ومقالات، وخصصت له ندوات ونقاشات، وأدلى كثيرون بدلوهم فيه تعريفا وتقسيما وضبطا وتفسيرا، وتاريخا. ومع ذلك فالحاجة لمباحثه وقضاياه ماسة وملحة، لما يترتب على إدراك حقيقته من أهمية بالغة وفهم لأسباب الخلاف ودواعيه، الأمر الذي يعين على البعد عن التعصب والتحجر.

 تلك الأسباب دعتني للكتابة في هذا الموضوع، ونظرا لتشعب قضايا الاختلاف سواء من ناحية التاريخ أو النشأة أو الأسباب أو الماهية ولكون كل ذلك لا يكاد يسعه كتاب أحرى مقال فقد قررت تناول مسائل مهمة ومفاهيم تهم العامة وتفيد طلبة العلم وتنير الطريق لسالكي الدراسات الشرعية والمهتمين بهذا الموضوع وتعين في حل الإشكال الذي يتبادر لذهن كل مسلم؛ وخاصة الذين يبدؤون في دراسة الفقه وهو: لماذا اختلف الأئمة والفقهاء في بعض فروع الشرع مع أنه شرع واحد من إله واحد على رسول واحد؟ وما المقصود باختلافهم؟ وهل في ذلك طعن في الشرع أو علمائه؟ وللإجابة على هذه التساؤلات وفق منهجية علمية فإننا نتبع الخطة التالية:

مبحثين أولهما: مقدمات في موضوع الاختلاف والثاني: مفاهيم حول اختلاف الأئمة والفقهاء المسلمين في بعض فروع الشريعة.

المبحث الأول: مقدمات في موضوع الاختلاف

وقد عقدنا هذا المبحث لتوضيح مجموعة من النقاط والمسائل تضيء الطريق وتزيل بعضا من الإشكال، وتؤسس للموضوع وتحدد ما لا غنى عن معرفته في هذا البحث، وهي مقدمات نوردها تهيئة وانطلاقة لا غنى عنها بين يدي موضوعنا.

أولا: الاختلاف حقيقة كونية أعرب عنها القرآن، وأفصح عنها في أكمل صورة وأوضح بيان، فقال تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)  فهذه الآية الكريمة تؤصل لمبدأ الاختلاف كحقيقة كونية، ولذلك قال بعضهم في بيان قوله تعالى: {ولذلك خلقهم} معناه:  للاختلاف خلقهم،- يعني المختلفين - وهذا رأي الإمام الرازي، والسيوطي، والإمام البغوي، وأبي حيان، وقال آخرون: للرحمة خلقهم، وعنى بذلك المؤمنين فقط، وقال ابن عباس في رواية عن عطاء: خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف، وهو اختيار الفراء والزجاج.

 بل إن الاختلاف موجود حتى على مستوى الصور والألوان واللغات والأشكال، قال تعالى: (ومن ءاياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) وقال جل وعلا في معرض حديثه عن النحل: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس}. وبين لنا جل جلاله أنه قدير على غير ما أجرى العادة به فقال: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين) 

ونبهنا تنبيها لطيفا على ما في هذا الخلاف الموجود في البشر المركوز في الفطر من الحكمة البالغة، وأنه جعله إحدى الدلائل على صحة البعث الذي أنكره من ألحد في أسمائه وكفر بسوابغ نعمائه فقال: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ)  وقد جمع ابن السيد آيات كثيرة في الموضوع.

ثانيا: مفهوم الاختلاف الفقهي: حين يذكر الاختلاف بين العلماء فهو في الغالب الاختلاف الفقهي وهو في اصطلاح أهل العلم ليس اختلاف الديانات من نصارى ويهود ومجوس وما شابه، ولا يقصد منه الأسباب التي أوجبت الخلاف الأعظم بين من سلف وخلف من الأمم، وليس المقصود كذلك الاختلاف في العقائد والفرق من معتزلة ومرجئة وشيعة وسنة، كما ليس مقصوده حصر أصناف المذاهب والآراء ومناقضة ذوي البدع المضللة والأهواء، بل المقصود الاختلاف في الفروع الفقهية بين علماء السنة، وذكر الأسباب التي أوجبت الخلاف بين أهل الملة الحنيفية حتى صار من فقهائهم المالكي والشافعي والحنفي وغيرهم.

يقول: د. الزحيلي: وظاهرة اختلاف المذاهب في تقرير الأحكام الشرعية، ليس فيما بين المذاهب فقط، وإنما في دائرة المذهب الواحد، وقد يستغرب الشخص العادي غير المتخصص في الدراسات الفقهية مثل هذا الاختلاف، لاعتقاده أن اختلاف المذاهب اختلاف يؤدي إلى تناقض في الشرع، أو المصدر التشريعي، أو أنه اختلاف في العقيدة، كاختلاف فرق غير المسلمين من أرثودوكس وكاثوليك وبروتستانت، وهذا كله وهم باطل فإن اختلاف المذاهب الإسلامية رحمة ويسر بالأمة، وثروة تشريعية كبرى محل اعتزاز وفخر.

ثالثا: الاختلاف الفقهي رحمة: حيث شاء الله من باب الرحمة بعباده والتوسيع عليهم أن يقع الاختلاف في بعض الفرعيات والمسائل الفقهية وفيه توسعة على الخلق في الفهم والعمل. ذلك أن اختلاف المذاهب الإسلامية رحمة ويسر بالأمة، وثروة تشريعية كبرى محل اعتزاز وفخر، وهو اختلاف في مجرد الفروع والاجتهادات العملية المدنية الفقهية، لا في الأصول والمبادئ أو الاعتقاد. كما رأينا في ما قرره الزحيلي وغيره من علماء الأمة.

رابعا: وقوع الاختلاف في فروع الشريعة في عهد النبوة

لقد وقع الاختلاف بين المسلمين في الفروع في زمن النبي صلى الله تعالي عليه وسلم وكذلك في عهد الخلفاء الراشدين ومن ذلك اختلافهم في التيمم للجنب، حيث ظن بعضهم أن الجنب إن لم يجد الماء أو عجز عن استعماله يتمرغ في التراب، واختلافهم في دلالة أمر النبي صلى الله تعلى عليه وسلم بعدم صلاة العصر إلا في بني قريظة، فمنهم من أخذ بظاهر الأمر فقال لا نصلي إلا في بني قريظة ولو غربت الشمس ومنهم من فهم منه قصد الإسراع دون تأخير الصلاة عن وقتها. كما اختلفوا في معنى الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وقد وقع الخلاف في عهد الخلفاء الراشدين ومن تبعهم إلى يومنا هذا. وإذا كان الأمر كذلك فإننا نوضح بعض المفاهيم المتعلقة بالاختلاف مثل تعريفه والفرق بينه والخلاف وغيرها من المفاهيم في المبحث التالي:

 

 

 

 المبحث الثاني: مفاهيم في الاختلاف الفقهي: 

المفاهيم مهمة للتكييف وضرورية للتصور، لأنه لا يقع إدراك صحيح ولا حكم صادق بدونها ، ذلك أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. وعليه نتناول في هذا المبحث بعض المفاهيم التوضيحية وهي سبعة مفاهيم أو قواعد، تنير درب السائر في دراسة  موضوع اختلاف الأئمة في الفروع.

أولا: تعريف الخلاف لغة:

الخلاف لغة: المضادة، تقول خالفه مخالفة وخلافا، وتخالف الأمران واختلفا، لم يتفقا وكل ما لم يتساو، فقد تخالف واختلف، وفي مفردات الراغب: الاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو قوله، والخلاف أعم من الضد، لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين.

ومن خلال التأمل في تعريف الراغب رحمه الله تعالى يتضح لنا أنه لا فرق بين الخلاف والاختلاف من حيث المعنى الدلالي لهما، ومنه نعرف أن الخلاف والمضادة وعدم الاتفاق وعدم التساوي واختلاف الطريق معاني للاختلاف.  

ويرى ابن فارس أن الاختلاف: مصدر اختلف، ومادته "خلف" ولهذه المادة: "الخاء واللام والفاء أصول ثلاثة: أحدها: أن يجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه، والثاني: خلاف قدام، والثالث: التغير. ولعل المعنى الثاني أنسب للاختلاف الذي نحن بصدد تعريفه وبيان مفهومه... وقوله عز وجل: (وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ) أي في حال اختلاف أكله"، ومنه حديث مسلم: (سووا صفوفكم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) أَي إِذا تقدم بعضهم على بعض في الصفوف تأثرت قلوبهم ونشأ بينهم الخلف، وفي حديث البخاري: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم"؛ يريد أن كلا منهم يصرف وجهه عن الآخر ويوقع بينهم التباغض، فإِن إقبال الوجه على الوجه من أثر المودة والألفة.

ويستعار الاختلاف للمنازعة والمجادلة؛ لأنه كثيرا ما يفضي إلى التنازع بين الناس، قال تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم)وقال تعالى: (ولا يزالون مختلفين)، وقال تعالى (إنكم لفي قول مختلف) ، وقال تعالى: "إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون".

ثانيا: مفهوم الاختلاف اصطلاحا:

لا تختلف الدلالة اللغوية للاختلاف عن دلالته الاصطلاحية، حيث يقصد به اصطلاحا: تغاير أحكام المجتهدين في مسائل الفروع. يقول ماهر ياسين فحل الهيتي: ويستعمل الاختلاف عند الفقهاء بمعناه اللغوي. وعرفه عبد الكريم حامدي فقال: اختلاف الفقهاء: هو تغاير أنظار المجتهدين في مسألة فقهية كأن يرى بعضهم أن حكمها الوجوب ويرى آخر أن حكمها الندب أو يرى الأول أن حكمها عام والآخر يرى أنه خاص. و"يستعمل الفقهاء مصطلح "الاختلاف أو الخلاف" في نفس المعنى اللغوي إلا أنهم يصرفونه إلى الاختلاف في الأقوال والآراء وإن كان في أصله: مطلق المغايرة في القول أو الرأي أو الحالة أو الهيئة أو الموقف.

ثم إن الخلاف بين الفقهاء قد يقع داخل المذهب الواحد، ويعبر عنه بالخلاف المذهبي، أو الصغير، وقد يقع بين المذاهب، وحينئذ يعبر عنه بالخلاف الكبير، تمييزا له، أو الخلافيات، أو الخلاف العالي، أو الفقه المقارن كما في اصطلاح الكثير من المحدثين.

ثالثا: تعريف علم الخلاف وعالم الخلاف اصطلاحا:

ثمت علم يعرف عند المتقدمين بعلم الخلاف وقريب منه الآن: الفقه المقارن، فالمقصود به: "علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية ودفع الشبه وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية وهو الجدل الذي هو قسم من المنطق إلا أنه خص بالمقاصد الدينية"وعرفه العلواني بقوله:

 "هو علم يمكن من حفظ الأشياء التي استنبطها إمام من الأئمة، وهدم ما خالفها دون الاستناد إلى دليل مخصوص" إذ لو استند إلى الدليل، واستدل به لأصبح مجتهدا وأصوليا، والمفروض في الخلافي ألا يكون باحثا عن أحوال أدلة الفقه، بل حسبه أن يكون متمسكا بقول إمامه لوجود مقتضيات الحكم إجمالا عند إمامه كما يظن هو، وهذا يكفي عنده لإثبات الحكم، كما يكون قول إمامه حجة لديه لنفي الحكم المخالف لما توصل إليه إمامه كذلك.

 وأما ابن خلدون فقد عرفه بأنه: علم يهتم ببیان مآخذ الأئمة، ومثارات اختلافهم ومواقع اجتهادهم في كل باب من أبواب الفقه الإسلامي. 

وقال مفصلا فيه: "وأما الخلافات فاعلم أن هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم، خلافا لا بد من وقوعه...واتسع ذلك في الملة اتساعا عظيما، وكان للمقلدين أن يقلدوا من شاءوا منهم ثم لما انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة من علماء الأمصار وكانوا بمكان من حسن الظن بهم، اقتصر الناس على تقليدهم ومنعوا من تقليد سواهم؛ لذهاب الاجتهاد لصعوبته وتشعب العلوم التي هي مواده باتصال الزمان وافتقاد من يقوم على سوى هذه المذاهب الأربعة فأقيمت هذه المذاهب الأربعة أصول الملة وأجري الخلاف بين المتمسكين بها والآخذين بأحكامها مجرى الخلاف في النصوص الشرعية والأصول الفقهية وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه تجري على أصول صحيحة وطرائق قويمة يحتج بها كل على مذهبه الذي قلده وتمسك به وأجريت في مسائل الشريعة كلها، وفي كل باب من أبواب الفقه، فتارة يكون الخلاف بين الشافعي ومالك، وأبو حنيفة يوافق أحدهما، وتارة بين مالك وأبي حنيفة، والشافعي يوافق أحدهما، وتارة بين الشافعي وأبي حنيفة، ومالك يوافق أحدهما، وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الأئمة ومثارات اختلافهم، ومواقع اجتهادهم، كان هذا الصنف من العلم يسمى بالخلافيات، ولابد لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام، كما يحتاج إليها المجتهد، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط، وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته. وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم ومران المطالعين له على الاستدلال فيما يرومون الاستدلال عليه."

رابعا: الفرق بين الخلاف والاختلاف:

لقد رأينا أن جمهور اللغويين لا يفرقون بين الاخلاف والاختلاف أما الفقهاء فجمهورهم كذلك يرى أنه لا فرق بين دلالة الخلاف والاختلاف فيعاقبون بينهما ويستعملون كل واحدة فيما يستعملون فيه الأخرى ومع ذلك فقد فرق البعض بين الاختلاف والخلاف، فاستعمل الاختلاف فيما بني على دليل من الأقوال والوجوه، ومن ثم يرجع الاختلاف إلى أصل ويكون لكل رأي مستنده المعتبر، أما الخلاف فاستعمله فيما لا دليل عليه، أو له دليل غير معتبر. وقيل أيضا: الخلاف ما يمليه الهوى والتعصب، أما الاختلاف فهو الرغبة في الوصول إلى الحق.

وقد أفاض أبو البقاء في كلياته في بيان الفرق بينهما فقال: " الاختلاف هو أن يكون الطريق مختلفا والمقصود واحدا، والخلاف هو أن يكون كلاهما مختلفا، والاختلاف ما يستند إلى دليل والخلاف ما لا يستند إلى دليل، والاختلاف من آثار الرحمة.. والخلاف من آثار البدعة 

ويمكن الوقوف على فارق آخر بالنظر إلى استعمال مصطلح "خالف" الذي مصدره "خلاف" ومصطلح "اختلف" والذي مصدره "اختلاف" :

 أن استعمال "خالف" يكون في حالة العصيان الواقع عن قصد، كمن يخالف الأوامر، وعليه قول تعالى: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)). واستعمال "اختلف" يكون في حالة المغايرة في الفهم الواقع من تفاوت وجهات النظر، وعليه قوله تعالى: ((وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُواْ فِيهِ)) ولم يقل: خالفوا فيه. وقوله تعالى: ((فهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِهِ))   فجعله اختلافاً لا مخالفة. والغالب في كلام كثير من الفقهاء عدم التفرقة ويستعملون أحيانا اللفظين بمعنى واحد.

خامسا: ضرورة تحقيق موضع الاختلاف:

إن على المجتهد تحقيق موضع الاختلاف فإن نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها

خطأ، كما أن نقل الوفاق في موضع الخلاف لا يصح، وهذا يحتم على العالم والمفتي معرفة مواقع الإجماع ومواقع الاختلاف، وهل الخلاف في مسألة معينة واقع ومعتبر،

فليس كل تعارض بين قولين يعتبر اختلافا حقيقيا بينهما، فإن الاختلاف إما أن يكون

اختلافا في العبارة، أو اختلاف تنوع أو اختلاف تضاد، وهذا الأخير هو الاختلاف الحقيقي. أما الاختلاف في العبارة فأن يعبر كل من المختلفين عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه ومن أمثلته: "الصراط المستقيم" حيث فسر بأنه القرآن وفسر بأنه الإسلام وهذان القولان متفقان، فدين الإسلام هو اتباع القرآن الكريم ومثله قول من قال الصراط المستقيم هو السنة الجماعة.

سادسا: ما يدخله الخلاف الفقهي وما لا يدخله: " مواضيع الاختلاف الفقهي "

الاختلاف في المسائل الفقهية فرع وليس أصلا في الشرع والفرع لا بد له من سبب وهو ضرورة اجتهادية يمليها الاجتهاد نفسه في فهم الحكم من الأدلة الشرعية مباشرة، كما هو الشأن في تفسير نصوص القوانين، واختلاف الشراح فيما بينهم. وهذا يعني أن له مجالات يدخلها وأخرى لا يوجد فيها فما هي مجالات الاختلاف في الفروع؟ وما هي المجالات التي ينحظر فيها الاختلاف ويمنع؟

أولا: ما يدخله الخلاف:

يمكن أن نجد مجالات تقع في دائرة الاختلاف ويصح أن يوجد فيها اختلاف الفقهاء لأسباب موضوعية وتنحصر في مسائل لا تمس وحدة المسلمين الحقيقية وهو أمر لابد أن يكون.!! ومنها:

 ما سوى القطعيات من مسائل الشرع وقد يسميها بعضهم ـ الظنيات ـ فهي محل للاختلاف ومجال للاجتهاد، تتنوع فيها الأفهام وتختلف الآراء، يقول الزحيلي: إن اختلاف المذاهب الإسلامية اختلاف في مجرد الفروع والاجتهادات العملية المدنية الفقهية. 

وقد دعا الشرع إلى إعمال الفكر واستعمال العقل في إدراك معاني النصوص وآيات القرآن والكون واستخراج أحكامها وعللها وأوجهها ومراميها، وفتح الباب لأهل النظر والفكر وذوي العقول والألباب ليجتهد كل حسب ما أوتي ذلك أن شرعنا العظيم جاء لتحرير العقل من الأغلال التي كانت تقيده وتقلل من دوره وأول قيد حطمه ـ الجمود والتقليدـ فشنع على كل من عطل عقله وأسلم قياده للجمود والتقليد قال تعالى: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }"" وهل أنزل القرآن وفصلت الآيات وضربت الأمثال إلا ليتفكر الناس ويستعملوا عقولهم، قال تعالى: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}## ـ وقال: { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون َ}$$. 

 وشنع على التقليد الذي يمنع الإنسان من قبول الحق ويعطل فهمه وفكره وقد كان ذلك من أعظم أسباب ضلال الكفار وعنادهم { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ }%%. وقد سرد أبو محمد في الموضوع آيات كثيرة&&

 المسائل التي لا نص فيها من كتاب أو سنة صحيحة، أو إجماع قديم، أو قياس جلي وهو الذي تكون العلة فيه ظاهرة؛ ومعنى كون الإجماع قديما: أن يكون حصل قبل وجود الخلاف، والإجماع الذي يمكن ضبطه هو ما نقله المتقدمون من العلماء بحيث انتشر واشتهر بخلاف الإجماع الذي يكون مثلا في العصور المتأخرة، فهذا من العسير إثباته، لانتشار الأمة انتشاراً واسعا، ووجود كثير من العلماء ممن هم غير مشهورين، فكيف يمكن ضبط ذلك؟ وسواء كان الخلاف في الأمور العلمية الاعتقادية وهو نادر أو في الأحكام التي هي الأمور العملية، ولعل ندرة المسائل الاعتقادية التي فيها خلاف سائغ هو السبب الذي جعل كثيراً من العلماء يبدعون من خالف في مسائلها ".'' وإذا كنا رأينا مجالات الاختلاف فما هي المجالات التي لا وجود للاختلاف فيها؟

ثانيا: ما لا يدخله الخلاف:

الخلاف الفقهي ليس شاملا لكل مسائل الشرع وذلك من نعمة الله تبارك وتعالى على هذه الأمة فلا يدخل الخلاف أصول ديننا ومصادره الأصيلة.((

فلا خلاف في الأصول والمبادئ أو الاعتقاد مثل أركان الإسلام والإيمان ومكارم الأخلاق وإنما اختلفوا في الجزئيات والفروع فلا يعقل أبدا أن نختلف في الثوابت والمعتقدات ولا الأركان والواجبات. وعليه فثمت قضايا شرعية وقواعد دينية انقطع فيها الخلاف ووجب بها التسليم وهي ـ القطعيات، أي الأمور التي ثبتت ثبوتا قطعيا وأجمع عليها علماء المسلمين: كأركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان الستة، ووجوب الإيمان بها، وكعدد الصلوات الخمسة، وعدد ركعاتها، وكتحريم الزنا، والربا، والخمر، وقتل النفس التي حرم الله، وكذلك ما أجمع عليه العلماء من قواعد الشرع المعتبرة في أحكامه مثل: لا ضرر ولا ضرار، والحدود تدرأ بالشبهات، ورفع الحرج، وجلب التيسير ونحو ذلك. ولا خلاف أيضا في مكارم الأخلاق مثل الصدق والمروءة وإكرام الضيف والإحسان وصلة الرحم وما شابه.

 ومن الأمثلة السابقة نعلم أن القطعيات ـ تكون من الأنواع الأربعة: العقائد، والفروع، والقواعد الأصولية والأخلاق. فهذه كلها لا اجتهاد فيها ولا مجال للرأي والخلاف، بل هي أسس وقواعد لهذا الشرع العظيم لا تتغير بتغير الزمان ولا بتغير المكان ومن تردد في التسليم بها، أو شك في أمرها، فقد شذ عن الملة وشق عصا المسلمين. فقوله مردود وخلافه باطل)).

يقول د. الزحيلي: أما الأدلة القطعية التي تدل على الحكم يقيناً وقطعاً بسبب قطعية ثبوتها وقطعية دلالتها المستنبطة منها، كالقرآن والسنة المتواترة أو المشهورة، فلا مجال أصلاً لاختلاف الفقهاء في الأحكام المستفادة منها.

سابعا: أنواع الاختلاف: 

إن الاختلاف يتنوع إلى: اختلاف محمود مشروع، واختلاف مذموم ممنوع، ومن الأول ما وقع بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ما يسميه العلماء اختلاف التنوع ولقد تعرض د. سيدي أحمد البوشيخي في كتابه القيم تهذيب المسالك إلى الخلاف المحمود وذكر أنه ناتج عن اجتهاد، وأنه يقع في الفروع وأنه يقع في الطريق المؤدي إلى مقصود الشارع وأنه وقع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن بعض أهل العلم عدوه رحمة وأنه ناشئ عن أسباب موضوعية أوجبته وأن كثيرا من العلماء جعلوا العلم كله معرفة مواقع الخلاف**

ثامنا: الاختلاف الفقهي ليس هو الشقاق والنزاع المحرم:

لا ينبغي أن نفهم من الخلاف الفقهي أنه الشقاق والنزاع المفضيان إلى الفشل، فذلك أمر منهي عنه شرعا لقوله تعالى: { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }++ وبالرجوع لتراثنا الإسلامي نجد أن عدة قضايا خالف فيها الفقهاء بعضهم بعضا انطلاقا من اختلاف في الفهم للنص الشرعي غير أن نظرة الإقصاء والإبعاد وترك رأي المخالف تكون منعدمة لديهم وإنما كانوا يعالجون المسائل المختلف فيها بالحكمة والصدق في القصد والنيات، بل ربما لجأوا إلى مذهب المخالف واستعملوا دليله أو رأيه مراعاة لمصلحة آنية أو مستقبلية، ومن أمثلة ذلك: رأي الحنفية في نكاح الثيب بغير إذن وليها.

ومن هنا نشأت قاعدة: "مراعاة الخلاف" وهي قاعدة معمول بها في المذاهب الأربعة، لأن نفعها عظيم، وفيها من التوسعة على الأمة ورفع الحرج عن أفرادها ما يدركه من تتبع آراء الفقهاء في مواطن الخلاف، ورفع الحرج مقصد من مقاصد الشارع  قال تعالى:{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ },,.

بل إن علم الخلاف سماه الإمام أحمد بن حنبل: علم التوسعة، وبالرغم من ذلك فقد قال الإمام الشاطبي رحمه الله: وأما قول من قال: إن اختلافهم رحمة وسعة؛ فقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال: " ليس في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعة، وإنما الحق في واحد، قيل له: فمن يقول إن كل مجتهد مصيب؟ فقال: هذا لا يكون قولان مختلفين صوابين".

ولو سلم؛ فيحتمل أن يكون من جهة فتح باب الاجتهاد، وأن مسائل الاجتهاد قد جعل الله فيها سعة بتوسعة مجال الاجتهاد لا غير ذلك، قال القاضي إسماعيل: "إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توسعة في اجتهاد الرأي، فأما أن يكون توسعة أن يقول الإنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا، فاختلفوا". قال ابن عبد البر: "كلام إسماعيل هذا حسن جدا". وأيضا؛ فإن قول من قال: "إن اختلافهم رحمة" يوافق ما تقدم.--. 

وقد أكد د. عبد الغفور محمد الصيادي أن قاعدة : مراعاة الخلاف قاعدة عظيمة معمول بها عند الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى وغيرهم من الفقهاء، ونقل عن ابن تيمية رحمه الله قوله: "مراعاة الائتلاف هي الحق، فيجهر بالبسملة أحيانا لمصلحة راجحة، ويسوغ ترك الأفضل لتأليف القلوب، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم خشية تنفيرهم، ونص الأئمة كأحمد على ذلك في البسملة، وفي وصل الوتر وغيره مما فيه العدول من الأفضل إلى الجائز، مراعاة للائتلاف أو للتعريف بالسنة، وأمثال ذلك... لذا نجد من الباحثين من أفرد هذه القاعدة وخصها بالتأليف مثل كتاب: مراعاة الخلاف عند المالكية وأثره في الفروع الفقهية للدكتور: محمد أحمد شقرون، وتعتبر هذه قاعدة مراعاة الخلاف من قواعد المذهب المالكي التي بني عليها. ومن كل ما تقدم ندرك أن الاختلاف الفقهي ليس صراعا ولا عداوة بين أهل العلم وإنما هو تعدد في الرأي انطلاقا من اختلاف في الفهم وأنه لا يفسد للود قضية.

ختاما: نخلص إلى النتائج التي يمكن أن نستفيدها من هذا البحث الذي بين أيدينا

أن معرفة علم الخلاف ومسائله وحفظها ضرورية للفقيه ومهمة في عمله وتفكيره وأن من لا يعرف هذا العلم لم يشم رائحة الفقه لأن اختلافهم في الفروع رحمة، وبذكر مذاهبهم بأدلتها، يعرف المتمكن المذاهب على وجهها، والراجح من المرجوح، ويتضح له ولغيره المشكلات، ويتفتح ذهنه، وتظهر له الفوائد النفيسات، ويتدرب الناظر فيها بالسؤال والجواب، ويتميز عند ذوي البصائر والألباب.

أن الاختلاف حقيقة كونية أعرب عنها القرآن، وأفصح عنها في أكمل صورة وأوضح بيان، قال تعالى:(ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم). وهو رحمة وسعة، وأن الاختلاف موجود حتى على مستوى الصور والألوان واللغات والأشكال، قال تعالى: (ومن ءاياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين).

أن مفهوم الاختلاف الفقهي في اصطلاح أهل العلم ليس اختلاف الديانات من نصارى ويهود ومجوس وما شابه، ولا الخلاف الأعظم بين من سلف وخلف من الأمم، ولا الاختلاف في العقائد والفرق من معتزلة ومرجئة وشيعة وسنة، كما ليس المقصود منه حصر أصناف المذاهب والآراء، ومناقضة ذوي البدع المضللة والأهواء، بل المقصود الاختلاف في الفروع الفقهية بين علماء السنة، حتى صار من فقهائهم المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي وغيرهم.

الاختلاف الفقهي في فروع الشرع رحمة من الله بعباده وتوسيع عليهم من الناحية العملية ومن الناحية الفكرية النظرية حيث لم يلزم أحدا بفهم غيره فيما فيه اختلاف العقول وتشابك المعاني. 

أن الاختلاف وقع بين المسلمين في الفروع في زمن النبي صلى الله تعالي عليه وسلم وكذلك في عهد الخلفاء الراشدين.

أن الخلاف لغة: المضادة، وعدم الاتفاق واختلاف الطريق وأن كل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف. وأنه لا فرق بين الخلاف والاختلاف من حيث المعنى الدلالي اللغوي. وأن الاختلاف يستعار للمنازعة والمجادلة؛ لأنه كثيرا ما يفضي إليهما.

أن الاختلاف اصطلاحا يعني تغاير أنظار المجتهدين في مسألة فقهية كأن يرى بعضهم أن حكمها الوجوب ويرى آخر أن حكمها الندب أو يرى الأول أن حكمها عام والآخر يرى أنه خاص.

أن علم الخلاف: يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية ودفع الشبه وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية وهو الجدل الذي هو قسم من المنطق إلا أنه خص بالمقاصد الدينية.

أن جمهور الفقهاء واللغويين يرون عدم الفرق بين الخلاف والاختلاف وأن البعض من الطرفين فرق بين الاختلاف والخلاف، فاستعمل الاختلاف فيما بني على دليل من الأقوال والوجوه، أما الخلاف فاستعمله فيما لا دليل عليه، أو له دليل غير معتبر.

أن على المجتهد تحقيق موضع الاختلاف فنقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها خطأ، كما أن نقل الوفاق في موضع الخلاف خطأ كذلك.

أن الاختلاف إنما يكون في المسائل الظنية والمسائل الاجتهادية التي ليس فيها نص صحيح وصريح

أن المسائل التي فيها نص صحيح صريح مثل أصول العقائد والعبادات والمعاملات والمحرمات والأخلاق والفضائل لا يدخلها الخلاف .

أن الاختلاف منه المشروع المحمود وهو ما تأسس على مستند واضح مقبول شرع ومنه اختلاف مذموم ممنوع وهو ما لا أساس له من شرع

أن الاختلاف الفقهي ليس هو الشقاق والنزاع الممنوع وأنه لا ينبغي أن يفسد للود قضية، ولا ينبغي أن يكون طريقا للإقصاء والإبعاد وترك رأي المخالف، فقد كان العلماء يعالجون المسائل المختلف فيها بالحكمة والصدق في القصد والنيات، بل ربما لجأوا إلى مذهب المخالف واستعملوا دليله أو رأيه مراعاة لمصلحة آنية أو مستقبلية، وذلك أصل قاعدة مراعاة الخلاف.

 

إرسال تعليق

أحدث أقدم